Reading Time: 5 minutes

تذهب دراسة حديثة أجريت خلالها سلسلة عمليات محاكاةٍ بالحاسوب -أجراها مجموعة من الباحثين في وكالة ناسا-؛ أنه لو نال كوكب الزهرة حظاً أكثر قليلاً في اليانصيب الكوني؛ لضمّ نظامنا الشمسي الآن كوكبين صالحين للحياة، لكن جارنا للأسف مهجور تماماً، وذلك يعطينا نظرةً مرعبةً بعيدة لمستقبل كوكبنا.

كان علماء الكواكب في السابق ينظرون إلى درجة حرارة كوكب الزهرة، وجوّه المشبع بغاز ثاني أكسيد الكربون، وقشرته السطحية الصلبة بوصفها نتيجةً حتمية لقرب مكانه من النظام الشمسي. لقد كان مصير هذا الكوكب سيئ الحظ نظراً لقربه من الشمس، مما أدى إلى أن يُشوى كل شيءٍ فيه تماماً منذ ولادته. وفي السنوات الأخيرة ظهرت بعض النظريات التي نقضت ما كانَ مُعتقداً في السابق عن كوكب الزهرة؛ إذ عُرضت في مؤتمر علوم الكواكب في سويسرا هذا العام نتائج محاكاةٍ بالحاسوب، تُشير إلى أن غطاء السحب الذي يغطِّي كوكب الزهرة قد حماه من لهيب أشعة الشمس، وحافظ عليه رطباً ومعتدلاً لمليارات السنين، وذلك بالنظر إلى ظروف نشأة الزهرة في البدايات، ويقترح سيناريو هذه المحاكاة أن الزهرة ربما كان أول كوكبٍ صالحٍ للحياة في النظام الشمسي، لكن كارثةً غير معروفة حلّت به، جعلت أجواءه مفعمةً بغاز ثاني أكسيد الكربون.

يبدو الزهرة مشابهاً للأرض، وبالرغم من أن انبعاثات غاز الكربون على كوكبنا لا يمكنها أن تتسبب في إيذائه بالطريقة نفسها كما حدث على الزهرة، فإن التحول الذي حدث على الزهرة لا يزال يحمل أهميةً أخلاقية بالنسبة للإنسانية.

يقول «كولن جولد بلات»، عالم الكواكب في جامعة فيكتوريا في كندا: «إن وُجدت الحياة يوماً على كوكب الزهرة، فقد كانت شبيهة بالحياة على الأرض، إلا أن الزهرة لم يعد صالحاً للحياة».

روايتان لما حدث على كوكب الزهرة

إن ما أبقى كوكب الأرض نابضاً بالحياة، من ناحيةٍ بيولوجية أو جيولوجية على حدٍّ سواء، الفرق بين درجة حرارة قشرة الأرض السطحية الباردة ودرجة حرارة نواتها الحارّة، حيث تتحرّك صفائح الأرض في دورةٍ مستمرة فتنزل الباردة إلى الأسفل، وترتفع الساخنة إلى الأعلى حاملة معها ثاني أكسيد الكربون المُحتجز في تراكيبها الصخرية إلى عمق الأرض، نتيجة تفاعله مع صخور الأرض بعد أن ينزل في الأمطار عليها، ومن ثم تُحوله إلى أشكالٍ أخرى من الكربون فيها.

لقد فشل كوكب الزهرة في الحفاظ على هذه الدورة؛ لذلك يمتلئ غلافه الجوي اليوم بثاني أكسيد الكربون، وقد يتبادر إلى الذهن السؤال الآتي: لماذا حدث ذلك على كوكب الزهرة؟ ووفقاً للنظرية التقليدية، فإن حرارة الشمس اللاهبة سرعان ما أدت إلى تبخّر المحيطات والماء الموجود على سطح هذا الكوكب الحديث النشأة، مما أدى إلى تشكّل سحابة كثيفةٍ من بخار الماء ملأت غلافه الجوي، وتسببت في احتباس حراري شديد عليه، مما أدى إلى أن تصبح حرارة السطح الخارجية -والداخلية أيضاً- في النهاية عاليةً. وقد حدّ هذا من الزلازل والأنشطة التكتونية الأخرى التي كانت تسهم في الحفاظ على الكوكب نشطاً، ويقول «أنتوني ديل جنيو»، الباحث في معهد جودارد لدراسات الفضاء التابع لناسا، والمؤلف المشارك في البحث الجديد: «أصبحت الطبقة السطحية غطاءً صلباً يحبس الحرارة والضغط في الداخل أكثر فأكثر إلى أن يأتي وقتٌ قد ينفجر فيه الكوكب بأكمله».

ووفقاً لمراقبات سطح كوكب الزهرة الذي لم يتغير منذ زمنٍ طويل، أدى التسخين الناتج عن تبخر المحيطات إلى تدمير الطبقة السطحية منذ مئات ملايين السنين، ثم ثارت البراكين في كل أنحاء الكوكب، وأطلقت حمولاتٍ هائلةً من غاز ثاني أكسيد الكربون في غِلافه الجوي. أدى هذا إلى حدوث احتباس حراري هائل، وأحال كوكب الزهرة الذي نشاهده اليوم إلى صخرةٍ هامدةٍ لا حياة فيها.

قد كنا نعتقد أن هذا ما حدث بالفعل

يقول ديل جينو: «لا تصمد هذه النظرية طويلاً بالفعل أمام نتائج المحاكاة التي أجريناها»؛ فقد قام فريق الدراسة بإجراء 5 عملياتِ محاكاةٍ متنوعةٍ تبحث في سيناريوهات ما وصل إليه كوكب الزهرة اليوم، وقد أظهرت وجود احتمالاتٍ أخرى لمسار الأحداث. أحدها يقول إن كانت المياه تغمر كوكب الزهرة في بداياته كما كان كوكب الأرض، بالإضافة إلى حدوث المد والجزر العملاق، وحوادث الاصطدام المتكررة مع الأجسام الفضائية القريبة، وقد أدى كل هذا إلى إبطاء دورانها في وقتٍ مبكر، وكل هذه الاحتمالات معقولة، لكنها لا تفسر سبب الانبعاثات الهائلة في الزهرة. إن ذلك ربما أدى إلى تشكل سحابة كبيرة، وتغيير مسار الأحداث كلياً، وقامت هذه السحابة بعكس أشعة الشمس، وأوقفت عملية تسخين الكوكب، ويقول ديل جينو: «حتى لو زادت أشعة الشمس، ورفعت الحرارة، فإن وجود كميةٍ مناسبة من الماء سيؤدي إلى نشوء غيوم كثيفة تحافظ على الكوكب بارداً».

ووفقاً للمحاكاة التي أجراها الفريق، فإن كوكب الزهرة ربما حافظ على محيطاته لمليارات السنين. وهذا يعني عدم وجود جوٍّ مشبعٍ ببخار الماء؛ أي أنّ الصفائح التكتونية يمكن أن تستمر في حركتها الدورانية، وتحتفظ بالكربون في باطن الكوكب.

وسوف يحتاج العلماء -في حال أكدت الأبحاث في المستقبل الافتراضات المتعلقة بالمياه وحركة الصفائح الدورانية- إلى البحث عن تفسيرٍ جديد لما حدث في كوكب الزهرة، ويراهن «ديل جينو» على أن اصطدام جرمٍ عملاق بكوكب الزهرة قد يقدم الجواب، أو ثوران البراكين وتدفّق الحمم من باطنه أيضاً، ويقول جينو: «ربما كان كوكب الزهرة سيئ الحظ، لتعرّضه لحدثٍ كبير في الوقت غير المناسب».

إن غلاف ثاني أكسيد الكربون السميك الذي يحيط بالكوكب سيمنعه من أن يُصبح صالحاً للحياة مرّة أخرى بعد أن توقفت الانفجارات البركانية التي دامت لملايين السنين في جميع أنحاء الكوكب بغض النظر عن أسبابها.

الزهرة ومستقبل كوكب الأرض

كان الزهرة فيما مضى توأماً للأرض.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث

ربما كان كوكب الزهرة يشبه كوكب الأرض يوماً ما، وليس هناك من سببٍ في أن يتطور الحال على كوكب الأرض بشكلٍ مشابهٍ لما أصبح عليه حال الزهرة. ومن المؤكد أن مصير الأرض سيكون كمصير كوكب الزهرة؛ لأن الشمس تزداد حرارةً مع الوقت، ولحسن الحظ أمامنا مليار سنة تقريباً لإيجاد حلّ لهذه المشكلة القادمة، ويراهن البعض على أن حقول الجاذبية الناجمة عن المذنبات المُعاد توجيهها قد يسحب الأرض بعيداً عن الشمس، ويُجنّبها تسخينها.

وفي الحقيقة يُصعب علينا عند سماع أن كوكباً انقرضت الحياة من عليه بعد أن غمره غاز ثاني أكسيد الكربون، ألا نفكِّر في أزمة المناخ لدينا؛ لأن التنقيب وحرق الوقود الأحفوري يشبه ما فعلته براكين الزهرة.

وإليك بعض الأخبار السارة التي قد تبعد القلق عنك؛ لكي نتمكن من تبخير ما لدينا من محيطات، وتصبح قشرة الأرض كتيمةً، وتكُف الصفائح عن التحرك، كما حدث في الزهرة، ويتعين على البشر حرقُ كل ما لديهم من الوقود الأحفوري، وسيحتاجون إلى كمياتٍ أكبر بكثير؛ لكي يرتفع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغِلاف الجوي من 400 جزء بالمليون إلى أكثر من عشرات الآلاف من الأجزاء.

يقول جولدبلات: «يعتمد الأمر على مدى حماسنا في البحث عن وقودٍ أحفوري جديد»، ولقد سبق لـ«جولدبلات» نفسه أن درس تأثير ما يُسمى بالغازات الدفيئة؛ إذ قدّم ورقةً بحثية قالت إن مستوى الانبعاثات سيصل إلى مستوى عالٍ، بما يكفي لتحويل كل مياه كوكبنا إلى بخار. وقد خلصت دراسته إلى أن النشاط البشري لن يكون كافياً ليقودنا إلى نقطة اللاعودة، وعدم تمكننا من السيطرة على مناخنا، ويقول جولدبلات: «أنا لا أقول إن ذلك سهل الحدوث، لكنه ليس مستحيلاً».

ستتنفس الميكروبات والحشرات الصعداء عندما تعلم أن البشر غير قادرين على تدمير قدرة الأرض على تبديد الحرارة الزائدة. إن عتبة الكارثة البشرية لسوء حظنا تعني أن عتبة الانقرض الجماعي أقلّ بكثير من ذلك.

وقد يعتمد مصيرنا النهائي على الغيوم، كما هو الحال على كوكب الزهرة؛ إذ تشير الأبحاث الأولية إلى أنه إذا تجاوز تركيز الكربون عتبة 1200 جزء بالمليون في الغلاف الجوي، فقد نفقد الغيوم، وسنعاني من ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين. يقول جولدبلات: «لن يتبخر المحيط جراء ذلك، لكن ذلك سيدمرنا».

وبطبيعة الحال سيكون التغير المناخي تحدياً خطيراً للحضارة الإنسانية لوقتٍ طويل قبل أن يؤدي إلى اختفاء الغيوم من السماء، ويأمل علماء المناخ وصانعو السياسات في الحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة بين 1.5 و 2 درجة مئوية، والحفاظ على نسبة كربون لا تتجاوز 450 جزء في المليون لزيادة فرص المجتمع للتكيف مع أرضٍ أكثر دفئاً في المستقبل.

وبالرغم من أن البشرية لن تصل بحال كوكبنا أبداً إلى ما أصبح عليه كوكب الزهرة، فإن حاله يذكرنا بأنه لا توجد ضمانات فلكية لما قد يحدث في المستقبل. وإن كنا نرغب في المحافظة على نوعٍ من الاستقرار، فسيتعين علينا بنائه بأنفسنا، أو نبذل على الأقل جهدنا للحد من دفع الأرض إلى أقصى حدود احتمالها. يقول جولدبلات: «إن كوكباً مثل كوكبنا يمكن أن يتدهور حاله، وإن دَرْس كوكب الزهرة يدفعنا، بوصفنا المهيمنين على الكوكب، إلى الحفاظ على كوكبنا والعناية به».