Reading Time: 3 minutes

غالباً ما تعْرَف الفيروسات بطبيعتها العدوانية والمعدية؛ إذ أنها تسبب لمضيفها أمراضاً مختلفة تتراوح من نزلات البرد المختلفة الخفيفة وحتى الأمراض الخطيرة؛ مثل المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، ومؤخراً مرض كوفيد-19 الفتّاك. تعمل الفيروسات عن طريق غزو خلايا المضيف والاستيلاء على أجهزتها؛ التي تستغلها لصنع نسخٍ جديدة منها تقوم بدورها بإصابة المزيد من الخلايا؛ مسببةً بذلك مرض المضيف في النهاية.

لكن الفيروسات ليست كلها سيئة؛ إذ يمكن لبعضها قتل الجراثيم الضارة، بينما يمكن لبعضها الآخر محاربة فيروسات أشد خطورةً، ومثلما توجد بكتيريا مفيدة واقية في أجسامنا (بروبايوتيك)، لدينا أيضاً العديد من الفيروسات التي تحمي صحة أجسامنا في الواقع أيضاً.

العاثيات الواقية

العاثيات (Phages) هي فيروساتٌ تصيب وتقضي على بكتيريا معينة، وتعيش في بطانة الغشاء المخاطي في الجهاز الهضمي والتنفسي والتناسلي. البطانة المخاطية عبارةٌ عن مادةٍ سميكة هلامية القوام؛ تعمل كحاجزٍ مادي ضد البكتيريا الغازية، وتحمي الخلايا تحتها من الإصابة. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن «العاثيات» الموجودة في المخاط هي جزءٌ من نظامنا المناعي الطبيعي، وتحمي جسم الإنسان من غزو البكتيريا.

في الواقع؛ استُخدمت العاثيات بالفعل منذ ما يقارب نصف قرنٍ لعلاج حالات الإسهال والتسمم الناجم عن المكورات العنقودية، وعدوى السالمونيلا، والتهابات الجلد، كما كانت تُستخلص للعلاج حينها من مصادرها الأولية؛ مثل المسطحات المائية المحلية والتربة والهواء ومياه الصرف الصحي، وحتى سوائل جسم المرضى المصابين، ومن ثمّ تتم تنقيتها واستخدامها للعلاج.

جذبت العاثيات الاهتمام إليها مجدداً مع ما نشهده من زيادة مقاومة البكتيريا للأدوية. ذكر تقريرٌ مؤخراً أن مراهقاً من المملكة المتحدة كان على وشك الموت بسبب عدوى خطيرة لم تستجب للعلاج بالمضادات الحيوية، وتمت معالجته بنجاحٍ بالفعل بالعاثيات، وتماثل إلى الشفاء.

تخضع العاثيات في الوقت الحاضر لأبحاث التعديل الجيني؛ حيث تُجرى اختباراتٌ على السلالات الفردية منها بغرض علاج بكتيريا معينة، وتُنتخب السلالات الأكثر فعاليةً وتُنقّى بتراكيز كافية، ثم تُخزَّن على شكل محاليل مختلطة معلّقة تحتوي على سلالةٍ واحدة أو أكثر، ويمكنها استهداف مجموعةٍ واسعة من البكتيريا، أو كفيروساتٍ معدلة وراثياً لاستهداف بكتيريا معينة بحد ذاتها.

تُؤخذ مسحة من المنطقة المصابة لدى المريض قبل البدء بالعلاج، وتجري زراعتها مخبرياً لتحديد نوع العدوى البكتيرية، ثم تُختبر علاجات العاثيات عليها وتحديد أفضلها. يمكن إعطاء العلاج بأمانٍ عن طريق الفم أو استخدامه مباشرةً على الجروح أو الأسطح المصابة، بينما ما تزال هناك تجارب على العلاجات الوريدية.

العدوى الفيروسية المفيدة

تعد العدوى الفيروسية في سنٍّ مبكرة مهمةً لضمان تطور أنظمنتا المناعية بشكلٍ سليم، كما تحفّز بعض الإصابات الفيروسية المعتدلة الجهاز المناعي على تطوير مناعةٍ تجاه أنواع العدوى الأخرى. على سبيل المثال، يمكن لفيروسات الهربس الكامنة (التي لا تسبب الإصابة بها أعراضاً مرضية) أن تساعد الخلايا القاتلة الطبيعية البشرية (هي نوع محدد من خلايا الدم البيضاء) في التعرّف على الخلايا السرطانية والخلايا المُصابة بالفيروسات الأخرى الممرضة والقضاء عليها؛ حيث تزوّدها تلك الفيروسات بالمستضدات (مادة غريبة عن الجسم توفّر استجابة مناعية) التي تمكنها من التعرف على الخلايا السرطانية.

يُعتبر ذلك تكتيكاً تستخدمه الفيروسات للبقاء فترة أطول داخل جسم المضيف؛ من خلال التخلّص من الفيروسات الأخرى المنافسة ومنعها من إتلاف خلايا المضيف.

في المستقبل، يمكن تعديل هذه الفيروسات واستخدامها لاستهداف الخلايا السرطانية. لقد أظهرت دراساتٌ عديدة أن المرضى المصابين بفيروس نقص المناعة البشري؛ والذين يحملون نوعاً من الفيروسات يُدعى «جي بي في-سي» غير الممرض يعيشون فترةً أطول مقارنةً بالمرضى الذين لا يحملونه؛ حيث تبيّن أنه يبطئ تطور فيروس الإيدز عن طريق منعه من الدخول إلى خلايا المضيف من خلال الارتباط بمسقبلاتها، وتعزيز إفراز الإنترفيرون والسيتوكينات (البروتينات التي تنتجها خلايا الدم البيضاء التي تنشّط الالتهاب والتخلّص من الخلايا المصابة أو مسببات الأمراض).

أظهرت أبحاثٌ أخرى على الفئران أن عائلة النوروفيروس (عدوى فيروسية) تحمي أمعاء الفئران عند إعطائها المضادات الحيوية؛ إذ تقتل المضادات الحيوية البكتيريا المعوية الواقية؛ مما يجعل الفئران أكثر عرضةً للإصابة بالعدوى المعوية، إلا أن النوروفيروس وفّرت الحماية لمضيفها في ظل غياب تلك البكتيريا.

مستقبل الفيروسات العلاجية

لقد أتاحت لنا التكنولوجيا الحديثة فهم المزيد عن تعقيدات مجتمعات الأحياء الدقيقة؛ التي تشكّل جزءاً لا يتجزأ من أنظمة جسم الإنسان، فبالإضافة إلى البكتيريا الجيدة، بِتنا نعلم أن هناك فيروساتٍ مفيدةً موجودةً في الأمعاء والجلد، وحتى في الدم.

في الواقع، لا يزال فهمنا لطبيعة الفيروسات هذه في بداياته، لكن لدينا إمكانات هائلة تساعدنا على فهم العدوى الفيروسية بشكلٍ أفضل ومحاربتها، ويمكننا في المستقبل تطوير علاجاتٍ تستهدف الأمراض الوراثية في ظل التقدم الكبير في علوم الجينوم البشري وتطوير العلاجات الجينية.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «ذا كونفيرسيشن» عبر بوبيولار ساينس من هنا.

الوسوم: الفيروسات