Reading Time: 4 minutes

يلقى النُقاد اللوم في أن تأثير جائحة فيروس كورونا أسوأ بكثير في الولايات المتحدة من أي مكانٍ آخر في العالم على استجابة الحكومات الفيدرالية الفوضوية، وسوء إدارتها، وعدم تحمّل البيت الأبيض بقيادة ترامب مسؤوليته في مواجهة الأزمة. بينما يُعزي آخرون السبب إلى الثقافة الانعزالية والطبيعة اللا مركزية لنظام الصحة العامة، بالإضافة إلى الاستقطابات السياسية المحلية.

جميع هذه التفسيرات صحيحة. لكن هناك سبب وجيه آخر لفشل استجابة بعض الدول للجائحة، وهو النهج الذي تتبعه منذ القرن التاسع عشر في مواجهة الأمراض المعدية، والذي يركّز بشكلٍ مبالغٍ به على محاولة منع المرضى من دخول البلاد عند المعابر الحدودية.

بصفتي أستاذاً في علم الاجتماع الطبي، فقد درست الاستجابة للأمراض المعدية وسياسة الصحة العامة. وقدمت في كتابي الجديد «الدول المريضة» عرضاً تفصيلياً حول كيفية مساهمة التجارب السابقة لتفشي الأمراض المعدية في بريطانيا والولايات المتحدة في تشكيل أنظمتها الحالية لمكافحة الأمراض. واعتقد، بناء على خبرتي، بأن تركيز الولايات المتحدة على إغلاق الحدود قد أضر بقدرة البلاد على إدارة آثار الأزمة الناجمة عن تفشي المرض محلياً.

نظرية جرثومية المرض والجيش

بالرغم من تفشي الحمى الصفراء والجدري والكوليرا خلال القرن التاسع عشر، لكن الحكومة الفيدرالية لم تأخذ مكافحة الأمراض المعدية على محمل الجد حتى تفشي مرض الحمى الصفراء الفيروسي عام 1878. حيث وقع الرئيس «رذفورد.بي» في ذلك العام قانون الحجر الصحي الوطني، وهو أول تشريع فيدرالي لمكافحة الأمراض.

بحلول أوائل القرن العشرين، تطور نهج الولايات المتحدة في مكافحة الأمراض إلى ما بات يُعرف بـ «الصحة العامة الجديدة». كان هذا النهج مختلفاً كثيراً عن المفهوم الأوروبي القديم للصحة العامة الذي كان يركز على تفعيل الإجراءات التي تحفظ الصحة العامة، وأخذ الظروف الاجتماعية بعين الاعتبار. في ذلك الوقت، أُعجب مسؤولو الصحة الأميركيون كثيراً بنظرية «جرثومية المرض» التي ظهرت حديثاً، والتي تقول أن كائناتٍ صغيرةٍ جداً لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة هي المسؤولة عن الأمراض، فأصبحت إجراءات الحد من انتشار المرض تُركز على عزل المرضى. على سبيل المثال، عزلت مريضة بالتيفوئيد كانت تُدعى «ماري مالون» في جزيرة «براذر» في نيويورك لمدة 23 عاماً من حياتها، وأصبحت تُعرف بـ «ماري صاحبة مرض التيفوئيد».

كان الجيش الأميركي في الأصل يتولى إدارة السيطرة على الأمراض. فبعد فاشية الحمى الصفراء، أسندت مهمة إدارة محطات الحجر الصحي البحري في جميع أنحاء البلاد إلى خدمة مستشفيات البحرية الأميركية، وأصبحت في عام 1912 خدمة الصحة العامة الأميركية رسمياً، واستمرت حتى يومنا هذا. تشمل هذه الخدمة هيئة الصحة العامة للولايات المتحدة ويرأسها الجرّاح العام. وحتى مركز السيطرة على الأمراض كانت بداياتها كمنظمة عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث عملت على مكافحة الملاريا التي تفشّت بين الجنود آنذاك. في الواقع، أدى ربط الجيش بمكافحة الأمراض إلى تعزيز فكرة أن تفشي الأمراض المعدية كان أشبه بغزوٍ لعدو أجنبي للبلاد.

وضعت نظرية الجراثيم والإدارة العسكرية نظام الولايات المتحدة لمكافحة الأمراض في مسارٍ أعطى الأولوية لضوابط الحدود والحجر الصحي طوال القرن العشرين. فخلال جائحة الأنفلونزا عام 1918، احتجزت مدينة نيويورك جميع السفن القادمة في محطات الحجر الصحي، وأُخذ الركاب المرضى قسراً إلى المستشفيات المحلية، وحذت ولاياتٌ أخرى حذوها، حيث عزلت مدينة مينيابوليس جميع مرضى الأنفلونزا في جناحٍ خاص في مستشفى المدينة، ثم منعت أقاربهم من زيارتهم. وخلال الثمانينيات أيضاً، حرمت دائرة الهجرة الأشخاص المصابين بفيروس الإيدز من دخول البلاد، واختبرت أكثر من 3 ملايين مهاجر للكشف عن إصابتهم بالفيروس.

كان سياسة الدفاع عن المواطنين من تهديدات الأمراض الخارجية تعني عموماً منع العدوى المحتملة من دخول البلاد عبر الحدود، وعزل المصابين الذين تمكنوا من الدخول بعيداً عن المجتمع.

أخطاؤنا

لا تزال هذه هي إستراتيجيتنا المتبعة في القرن الحادي والعشرين. كان أحد أولى الإجراءات التي اتخذها الرئيس ترامب بشأن فيروس كورونا هو فرض حظر سفر على الصين، ثم تقييد السفر من أوروبا. في الواقع، لم تكن هذه الإجراءات جديدة، فقد فرضت ولايات كاليفورنيا ونيويورك ونيوجرسي، أثناء تفشي مرض إيبولا عام 2014، تشريعات تفرض الحجر الصحي الإلزامي على العاملين في المجال الصحي والعائدين للتو من غرب أفريقيا. ووضعت ولاية نيوجرسي هذه الإجراءات موضع التنفيذ عندما قامت بعزل الممرضة الأميركية «كاسي هيكوكس» إبان عودتها من سيراليون حيث كانت تعالج مرضى الإيبولا.

وفي عام 2007، وضمن إجراءات الاستجابة لوباء الأنفلونزا، وضعت وزارة الأمن الداخلي ومركز السيطرة على الأمراض قائمة بالأشخاص الممنوعين من السفر لمنع المصابين المحتملين من السفر إلى الولايات المتحدة.

عندما تُوقف هذه الإجراءات تفشي المرض، فستكون سياسة صحيحة عموماً. ولكن عندما يكون تفشي المرض على مستوى العالم كبير جداً يصعب تجنبه؛ فلن تعود إجراءات الضوابط على الحدود والحجر الصحي مفيدة.

هذه هي الحال تماماً مع جائحة فيروس كورونا. فضمن عالم أصبح قرية صغيرة بفضل إتاحة السفر بين الدول، ومع تزايد عدد الأوبئة، تصبح جهود منع انتقال الأمراض المعدية من دخول البلاد بلا جدوى أكثر فأكثر.

علاوة على ذلك، فإن تركيز الولايات المتحدة على إغلاق الحدود يعني أننا لم نبذل الجهود اللازمة والكافية للحد من انتشار فيروس كورونا داخل البلاد. وعلى النقيض من البلدان التي أظهرت استجابة فعالة للجائحة، عانت الولايات المتحدة من نقصٍ في الاختبارات وتتبع المخالطين، ولم تتمكن من تطوير نظام رعايةٍ صحي قادرٍ على التعامل مع ارتفاع عدد المصابين. لقد جعلنا التركيز لفترةً طويلة على إجراءات وقف تفشي فيروس كورونا أكثر عرضة للخطر بعد انتشاره الذي كان لا مفر منه في النهاية.

عانت الولايات المتحدة لعقود من نقص تمويل الصحة العامة. فعندما ضربت «أنفلونزا الخنازير» البلاد عام 2009، قال مركز السيطرة على الأمراض أن هناك حاجة إلى 159 مليون جرعة من لقاح الأنفلونزا لتلبية حاجة الفئات «عالية الخطورة» خاصة العاملين في مجال الرعاية الصحية، والنساء الحوامل، لكننا لم نتمكن من إنتاج سوى 32 مليون جرعة. وقد أشارت دراسة معمّقة لمؤسسة «روبرت وود جونسون» إلى أنه لو كانت فاشية أنفلونزا الخنازير أسوأ في ذلك الحين، لكانت إدارات الصحة العامة قد عانت من مشاكل كبيرة. ولم يكن الوضع أفضل في الواقع مع ظهور فيروس إيبولا عام 2014، فقد انتقدت عدة تقارير حكومية استجابتنا لتفشي المرض.

توجد العديد من الأسباب لفشل استجابة الولايات المتحدة لهذه الأزمة. لكن جزءاً من المشكلة يكمن في معاركنا السابقة مع المرض. لقد تجاهلت الولايات المتحدة بتركيزها المفرط على ضبط الحدود والحجر الصحي حقيقة وجود إستراتيجات عملية أكثر للسيطرة على المرض. صحيحٌ أنه لا يمكننا تغيير الماضي، لكن يمكن الاستفادة من دروسه في تطوير طرقٍ أكثر فعالية للتعامل مع تفشي الأمراض في المستقبل.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن