Reading Time: 3 minutes

سُجّلت أولى حالات الإصابة المؤكدة بعدوى فيروس كورونا في أواخر عام 2019؛ بين عشرات الأشخاص الذين كانوا يرتادون سوق ووهان الشعبي في الصين. وعلى الرغم من أنه ليس من الواضح تماماً حتى الآن كيف انتقل الفيروس إلى البشر، لكن العلماء يؤكدون بشكلٍ قاطع أنه انتقل من حيوان لم يتم تحديد هويته بعد.

لا تسبب معظم مسببات الأمراض جائحة كما حدث مع فيروس كورونا، لكن من الممكن جداً انتقال الفيروس من الحيوانات إلى البشر. كما يمكن لهذه الأمراض المعروفة باسم «الأمراض حيوانية المنشأ» أن تنتشر بسرعة بين الناس لأنهم لا يمتلكون مناعة مُسبقة ضدّها.

يقوم العلماء حالياً بإجراء بحوث شاملة على الفيروسات حيوانية المنشأ وأسباب انتقالها إلى البشر. تبيّن أن لبعض أنماط السلوك البشري الرئيسية علاقة مباشرة بذلك. فقد أفادت دراسة بحثية نُشرت في 8 أبريل/ نيسان في دورية «رويال سوسايتي بي» -التي تُعنى بنشر الأبحاث العلمية البيولوجية-، بأن ممارسات البشر التي تعرّض الحيوانات وموائلها للخطر؛ تُعرّض البشر أيضاً لخطر انتقال الأمراض الحيوانية لهم.

تقول «كريستين كرودر جونسون»، مديرة مركز «إيبيسنتر» لديناميكيات الأمراض في معهد «ون هيلث» للطب البيطري بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، وأحد المشاركين في الدراسة الجديدة: «لم يكن هناك ما يكفي من المراقبة لمجتمعات الحيوانات البرية لمعرفةِ أيّ منها تحمل الفيروسات حيوانية المنشأ التي يمكن أن تصيب البشر. نعتقد، بصفتنا علماء ندرس الأمراض المعدية الناشئة، أن انتشار الأمراض حيوانية المنشأ أكثر شيوعاً ممّا نعتقد في الواقع. نحن لا نبحث حالياً إلا في البيانات القليلة جداً المتوّفرة لدينا ضمن هذه الدراسة، لكنها كانت كافية لتحديد بعض الاتجاهات المهمة عموماً».

أصابت الأمراض حيوانية المنشأ البشر منذ آلاف السنين، وانتقلت بعض هذه الأمراض إلى البشر عبر الحشرات. على سبيل المثال، ينقل البعوض فيروس «غرب النيل» من الطيور إلى البشر، كما ينقل البعوض أيضاً فيروس زيكا للبشر، كما يمكن للبشر نقله مرةً خرى إلى الطيور، مما يزيد من انتشار عدوى هذا الفيروس. تقول جونسون: «شعرت أن أكثر الأمور الغامضة التي تحتاج للتدقيق والبحث هي كيفية تواصلنا مع الثدييات، وما يحدث مع هذه الحيوانات التي تحمل معظم الفيروسات الخاصة بها».

من المحتمل أن تكون الفيروسات التاجية التي تسبّب أمراض الجهاز التنفسي الخطيرة لدى البشر؛ قد نشأت في الخفافيش في البداية، ثم انتقلت إلى مضيف ثديّ آخر قبل انتقاله إلى البشر. فمثلاً، يُعتقد أن فيروس سارس قد انتقل إلى قط الزبّاد في البداية، بينما انتقل فيروس ميرس إلى البشر عن طريق الجِمال. أما فيروس كورونا المستجد فقد اقترح البعض أنه قد يكون انتقل للبشر عن طريق حيوانات البانجولين (آكل النمل الحرشفي)، لكّن لا توجد أدلة كافية تؤكد ذلك.

لفهم كيفية تواصل البشر بشكلٍ مباشر مع الحيوانات الحاملة للأمراض، أنشأت جونسون وزملاؤها قاعدة بيانات لأكثر من 100 فيروس حيواني؛ لديها على الأقل مضيف واحد موثّق من الثدييات غير البشرية. قام الفريق بالتحقّق فيما إذا كانت أعداد هذه الحيوانات تتزايد أو تنقص، والأسباب المحتملة لأي تغييرات تطرأ على أعدادها.

تتشارك الحيوانات الثدية المستأنسة الفيروسات الحيوانية معنا بشكلٍ أكبر من باقي الثدييات البرية. كان هناك 8 حيوانات من الماشية أو الحيوانات الأليفة من بين الحيوانات الثديية العشرة التي تحمل أكبر عددٍ من العوامل الممرضة الحيوانية؛ تشمل الخنازير، الأبقار، الخيول، الأغنام، الكلاب، الماعز، القطط، والجمال.

كانت فأر المنزل والجُرذ الأسود هما أكثر الحيوانات البريّة التي تنقل الفيروسات إلى البشر. هذه الكائنات تنتشر بكثرة في جميع أنحاء العالم، ويعيشان بالقرب من منازلنا أو فيها. أما القوارض الأخرى فقد انتشرت بشكلٍ كبير على أطراف أماكن استقرار البشر، مما زاد من احتمال اختلاطها مع الناس بشكلٍ كبير.

بينما كانت نسب الفيروسات الحيوانية متفاوتة لدى الخفافيش والرئيسيات، والأنواع التي انخفضت أعدادها بسبب الصيد وتجارة الحيوانات البرية، أو بسبب تدمير موائلها. تقول جونسون إن الحيوانات البريّة التي تقع ضحية للصيد والتجارة؛ تقضي وقتاً أكبر بالقرب من الناس أكثر من الوقت الذي قضته في الطبيعة سابقاً، وغالباً ما يتم تسكينها في أماكن قريبة مع العديد من الحيوانات الأخرى. كل ذلك يخلق «البيئة المثالية» لانتقال الفيروسات بين الأنواع الحيوانية المختلفة.

تأتي غالبية الأمراض المعدية الجديدة والمتكررة من الحيوانات البرية، لذا فإن تتبع منشأ الفيروسات الحيوانية هو أمر في غاية الأهمية، من أجل تجنب الأوبئة في المستقبل. كما أن الحفاظ على بيئة الحيوانات البريّة وحماية موائلها سيحول دون نزوحها والتجوّل بالقرب من البشر. أي أن الحفاظ على سلامة هذه الأنواع سيحافظ بالتالي على سلامتنا وصحتنا.

تقول جونسون: «نحن بحاجة إلى إيجاد سبل للعيش بأمان بجانب هذه الأنواع. ونظراً لأن عالمنا بات شديد الترابط، فإنّ أي أمراض جديدة ستكون مصدر قلق لنا جميعاً، لذلك نحن بحاجة إلى الاستثمار في الأبحاث التي تمنحنا مزيداً من فهم كيف تؤدي تصرفات البشر إلى زيادة المخاطر المتعلقة بهم».