Image

تعديل الجينات لا يمكن استخدامه على الأجنة البشرية حتى الآن، ولكنه حقَّق قفزة كبيرة عند الفئران.

Bread assortment هناك تطور واعد في الفئران معدَّلة الجينات.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس/ المستخدم: icefront

تدعم دراسة جديدة نشرت مؤخراً في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine) الفكرة المتمثّلة في أننا قد نتمكّن يوماً ما من استخدام أحد أشكال تقنية كريسبر في تعديل الجينات لعلاج الأمراض الوراثية عند الأطفال قبل ولادتهم. ويقول الباحثون الذين أجروا تجاربهم على الفئران بأنهم سعيدون بالنتائج، ولكنهم يؤكدون بأنها بعيدة كل البعد عن إمكانية تقديم العلاج للأجنة البشرية.

وباستخدام تقنية تسمى “التعديل الأساسي”، تمكّن باحثون من كلية الطب بجامعة بنسلفانيا ومستشفى الأطفال في فيلادلفيا (CHOP) من علاج أجنّة الفئران التي تمّ تعديلها لتُصاب بطفرة جينية لمرض كبدي نادر يُدعى فرط تيروزين الدم الوراثي من النمط الأول (HT1)، والذي يبدأ بإحداث الضرر من قبل حتى أن يولد الجنين، سواءً عند الفئران أو البشر، وذلك كما يقول خبير الهندسة الوراثية كيران موسونورو، وهو أحد مؤلفي الدراسة ويقوم بالتدريس في جامعة بنسلفانيا.

ويقول موسونورو: “نعرف منذ عقود أن هذا الاضطراب في الكبد يبدأ بإحداث الضرر فيه أثناء وجود الطفل في الرحم”. وهذه الحالة يتم علاجها عادةً بالدواء بعد الولادة، ويتم البدء فيه بمجرد اكتشافها. ويمكن لهذا المرض أن يسبب سرطان الكبد أو حتى فشل الكبد، بالإضافة إلى مجموعة من الأعراض الأخرى. ولكن عند الفئران، يؤثر علاجهم الجديد على المرض في وقت أبكر، ولا يحتاج إلى تطبيقه سوى مرة واحدة، على عكس الدواء (البشري) الحالي، الذي يجب أخذه كل يوم. وخلافاً للعلاج الدوائي، فإن العلاج بالتعديل الجيني يعني أيضاً عدم الحاجة إلى نظام غذائي خاص ومنخفض البروتين.

وقد طوّر موسونورو وزملاؤه أحد الإجراءات لعلاج الفئران المصابة بهذا المرض قبل ولادتها حتى، وذلك بتعديل الشفرة الوراثية لديها وهي في الرحم. وللقيام بذلك، قاموا بإجراء عملية لأمّهات الفئران وحقنوا وريداً محدداً عند كل جنين بعلاج التعديل الأساسي. ويقول وليام بيرانتو، وهو طبيب في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا وجرّاح متخصّص في الأطفال والأجنة وباحث مشارك في تأليف الدراسة: “إن أول عضو يقوم الوريد بإيصال الدم إليه هو كبد الجنين”. وتم الحقن في اليوم السادس عشر من الحمل، أي قبل أربعة أيام من أن تصبح الأجنة جاهزة للولادة (فترة الحمل عند الفأر هي 20 يوماً فقط).

ويُذكر أن التعديل الأساسي هو تقنية تعتمد على تقنية كريسبر، التي تجعل الفيروس ناقلاً للعلاج. ولكن بدلاً من إرسال إشارة إلى الجين الذي يقطع الحمض النووي ويُدخل الشفرة الوراثية الجديدة -كما تقوم تقنية كريسبر- فإن التعديل الأساسي يجعل الفيروس ينقل أحد الإنزيمات إلى نقطة محددة في الجين. ويمكن لهذا الإنزيم أن يغيّر البروتين المكوّن للجين إلى نوع مختلف من البروتينات، حيث يمكنه أن “يثبّط” -أو حتى يصحّح- الطفرات الجينية، مثل الطفرة التي تسبّب فرط تيروزين الدم. وفي هذه الحالة، استطاع الباحثون منع الجين من إحداث المرض عند الفئران.

ويشدّد بيرانتو على أن دراستهم هي مجرد دليل على المفهوم، وبمعنى آخر فإنها تُظهر نجاح الطريقة. ولكن لم يتم اختبار هذه الطريقة إلا على الفئران، وهناك الكثير من الخطوات التي يجب اتخاذها قبل استخدام بعض أنواع هذا العلاج عند البشر، إذا حدث ذلك. ويقول: “هناك عائلات في الوقت الحالي تعاني من حالات حمل مع أمراض وراثية مشخّصة”، ولا يريد أن يعطيهم أملاً كاذباً في علاجٍ ما يزال بعيداً كل البعد عن الوجود.

ولكن على المدى الطويل جداً، يمكن استخدام طريقتهم في علاج أنواع أخرى من الاضطرابات الوراثية، مثل فقر الدم المنجلي والتليّف الكيسي، كما يقول موسونورو. وبالإضافة إلى ذلك، يقول بيرانتو: “من الناحية المثالية، سنتمكّن من استهداف الأمراض الوراثية التي تؤثر على الأعضاء الأخرى، وليس على الكبد فقط”. ويقول بأنهم بدؤوا بالكبد لأن هناك بالفعل مجموعة من الأبحاث التي يمكنهم استخدامها في تطوير علاجهم.

ويقول موسونورو إن طريقتهم في تعديل الجينات تحتاج أيضاً إلى التطوير. فلإثبات هذا المفهوم، استخدموا أحد الفيروسات الغدّانية لحمل المعلومات التي يريدونها إلى الحمض النووي. لكن بيرانتو يقول: “إن ذلك ليس هو الخيار الأمثل سريرياً”؛ إذ تنطوي الفيروسات الغدّانية على بعض المزايا، مثل قدرتها على حمل الكثير من المعلومات إلى الموقع الذي يحتاج إلى علاج، ولكن يمكنها أن تثير ردود فعل مناعية قوية. ولهذا السبب، فإنها لا تُستخدم عموماً عند البشر. ويخطط الباحثان لاستكشاف إستراتيجيات التقديم غير الفيروسية كبديل، فهناك القليل منها، على الرغم من أنها لا تزال في أيامها الأولى من التطوير.

وفي هذا النوع من الأبحاث، من المفيد أن تكون متحفظاً في آمالك. ومع ذلك، فإن هذه الدراسة تمثل المرة الأولى التي يتم فيها استخدام التعديل الأساسي على الجنين لعلاج أحد الاضطرابات الوراثية. وهذا أمر يبعث على الأمل؛ لأن الدراسات الحديثة أظهرت أن تقنية كريسبر التقليدية قد تكون أكثر عرضة لإنتاج الأخطاء مما كان يعتقد سابقاً. ونظراً لأن التعديل الأساسي لا ينطوي على قطع الحمض النووي، فيعتقد بأنه أقل عرضة لإنتاج الأخطاء. وبعد كل شيء، “فإننا نتحدث عن دراسة العلاج عند البشر في يوم من الأيام”، كما يقول موسونورو.

كما ذكر ديفيد ليو (خبير التعديل الأساسي بجامعة هارفارد وهو لم يشارك في هذه الدراسة) في رسالة إلكترونية أرسلها إلى بوبيولار ساينس: “تمثّل نتائج هذه الدراسة تطوّرات مهمة في مجال التعديل الأساسي العلاجي في الجسم الحي”. وكتب أن تعديل الجينات له نتائج “فعّالة ومقبولة إلى حدّ ما”.

error: Content is protected !!