Reading Time: 3 minutes

تمكّن الأطباء من جامعة ميريلاند لأول مرةٍ من إدخال الجسم في حالةٍ من السكون الفسيولوجي (حالة معلّقة أو سُبات). عرضت أسبوعية «نيو ساينتست» يوم الاثنين الماضي نتائج الاختبارات الأولية التي يبدو أنها ستفتح أفاقاً هائلة في الطب، بعد نقاشاتٍ دارت حولها في اجتماعٍ لأكاديمية نيويورك للعلوم. وبالرغم من أنّ الأطباء ليس بمقدورهم إعلان أية نتائج نهائية حتّى الآن، إلا أنّ هذه الأخبار قد تعني نقلةً هائلةٍ في علاج الإصابات النزفية الشديدة الناجمة عن حوادث الطعن، أو إطلاق النار، والتي تتسبب بفقدان كمياتٍ كبيرة من الدم. سيعني ذلك تحديداً الفرق بين الموت والحياة بالنسبة للكثير من المرضى.

يقول «صموئيل تيشرمان» من جامعة ميرلاند: «إن فرصة نجاةِ شخصٍ توقّف قلبه عن العمل بسبب إصابات الدماغ الرضحية، أو الصدمة ضئيلةٌ جداً لا تتعدى نسبة 5%. نأمل أن يمنحنا تبريد جسم المريض بسرعةٍ كبيرةٍ إلى درجات حرارة متدنية وقتاً إضافياً لوقف النزيف، ثم نعيد تدفّق الدم شيئاً فشيئاً من خلال رفع حرارة الجسم تدريجياً مرةً أخرى».

هذه أول مرةٍ يجرب فيها الأطباء هذه التقنية التي عملوا على تطويرها سابقاً، والمعروفة باسم «الحفظ في حالة الطوارئ والإنعاش»، أو اختصاراً «EPR». لا يستطيع تيشرمان الحديث بالتفصيل عن التجارب حتّى الآن، إلا أن تيشرمان أكّد لبوبيولار ساينس أن فريقه قام باختبار تقنية «EPR» لمرّة واحدة على الأقل. تيشرمان هو عالم حاصل على براءة الإختراع بالمناصفة عن تقنية EPR، ويتلّقى الدعم المادي من وزارة الدفاع الأميركية لإتمام هذا البحث.

ركّز فريق تيشرمان تجربتهم الحالية على المرضى الذين يعانون من حالة «الرضوض النافذة»، أو تحديداً الذين يصابون بطلقٍ ناري أو طعنة سكينٍ نافذة في الجسم تؤدي لخسارة كميةٍ كبيرة من الدم، والتي تؤدي بدورها لتوقّف عمل القلب. وقد حصل الفريق على «الإذن الأخلاقي» للقيام بهذه التجارب من الحكومة الأميركية منذ حوالى 3 سنوات. وفي خطوةٍ أثارت الجدل؛ أعطت إدارة الأغذية والعقاقير للفريق تصريحاً خاصاً لتطبيق تقنية «EPR» بدون موافقةٍ مُسبقة من المرضى، لكن بشرط أن يكون قلب المريض قد توّقف عن العمل بسبب فقدان الدم الغزير، وأنّ هناك فرصةً لإنقاذه إن توفّر للفريق وقت إضافي. لم يذكر تيشرمان أية تفاصيلٍ عن نتائج تجاربهم حتّى الآن.

أطباء, سبات, عمليات, طب, تقنية, بيولوجي

يشرح تيشرمان آلية العمل كالآتي: «يبدأ الفريق باتخاذ التدابير التي تُتخذ عادة في مثل حالات هؤلاء المرضى، التحقّق من طبيعة الإصابة ثمّ «تنبيب» المريض لمساعدته على التنفّس ونقل الدم إليه، وفي حالات الضرورة، فتح الصدر للقيام بعملية تدليك القلب مباشرةً لمحاولة تحسين تدفّق الدم. إذا ارتأينا بعد اتخاذ كل هذه التدابير القياسية والتي من شأنها إنقاذ حياة المريض؛ أنها ليست فعّالة، وأننا سنفقد المريض لا محالة؛ نلجأ إلى تطبيق تقنية «EPR» التي تهدف إلى إبقاء المريض على قيد الحياة وقتاً يكفينا لتعويض فقدان الدمّ الحاصل لديهم».

يضيف تشيرمان: «نحتاج لمزيدٍ من الوقت لنقل المريض إلى غرفة العمليات وإجراء جراحةً لإيقاف النزيف. وللقيام بذلك، يُدخِل الأطباء أنبوباً مباشرةً إلى الشريان الأورطي، ويضخّون كميّةً كبيرة من سائلٍ ملحي مُبرّد في جسم المريض. بهذه الطريقة نقوم بتبريد أعضاء الجسم الحيوية المختلفة، خصوصاً الدمّاغ والقلب بأسرع ما يمكن».

يأمل الباحثون بنشر نتائج تجاربهم بحلول نهاية عام 2020. وحتّى ذلك الوقت؛ لا يستطيع تيشرمان الإدلاء بأية تفاصيلٍ إضافية عن التجارب الحالية. من المهم معرفة أن مهما كانت نتائج هذه الدراسة والتجارب الحالية، فإنّ تقنية «EPR» ما يزال أمامها وقتٌ طويل حتّى تصبح علاجاً طبياً مُعترفاً به ومقبولاً. يقول تيشرمان: «تبحث الدراسة التي نقوم بها حالياً في جدوى القيام بهذه العملية ومدى سلامتها، لكن إثبات أنّه بالإمكان تطبيق إجراءٍ ما من الناحية التقنية في حالة الطوارئ مختلفٌ عن إثبات أنّه يمكن لهذا الإجراء إنقاذ حياة المريض».

لقد تعمّد الفريق إعطاء اسم «EPR» للتقنية المُستخدمة في تجاربهم تجنّباً للإيحاء بأنها تشبه حالات السُبات التي نشاهدها في أفلام الخيال العلمي، والتي قد تسرح بخيالنا نحو الاعتقاد أنها تشبه قصص «حفظ» أجسام روّاد الفضاء أثناء المهمّات الطويلة. يقول «برادفورد وينترز»، أستاذ طب العناية المركزة بجامعة «جونز هوبكنز»، غير مشارك في الدراسة: «في الواقع لم أسمع سابقاً بأي محاولاتٍ لإدخال المرضى الأحياء في حالةٍ من السّبات، ولكن تبريد شخصٍ ما لبضع ساعات من أجل الحصول على المزيد من الوقت هو هدف معقول للغاية، وهناك أبحاث تدعم هذه الفكرة». ويضيف وينترز: «يؤدي تبريد جسم أي حيوانٍ إلى إبطاء العمليات الكيميائية الحيوية في الجسم، والتي يمكن لبعضها التسبب في أذية الجسم أكثر إذا استمرت بمستوى نشاطها الاعتيادي».

يأمل تيشرمان وزملاؤه في نهاية المطاف أن يتمكنوا من تطوير أدويةٍ يمكنها تثبيط النشاط الخلوي بنفس الطريقة التي يقوم بها تبريد الجسم بذلك، ودون الحاجة لاستخدام السائل الملحي المُبرّد. يقول تشيرمان: «إن عملية تبريد الجسم بطيئة ومن الصعب القيام بها، وهي ليست الطريقة المثالية التي نحتاجها بالضبط في الحالات التي تعني فيها دقيقةٌ أو دقيقتان؛ الفرق بين الحياة والموت. لكن حالياً، يحتاج تطوير أيٍّ من هذه العلاجات سنواتٍ طويلة».