Reading Time: 3 minutes

بعد أن أغرقت إعلانات الصابون المضاد للبكتيريا الذي يقضي على 99.99% من الجراثيم قنوات التليفزيون منذ عدة سنوات حتى يومنا الحالي، تحول الكثيرون لشراء هذه الأنواع من الصابون قاهرة العدوى بدلاً من الصابون العادي، حتى وإن كانت تكلفة شرائه أعلى بنسبة كبيرة، فالوقاية خير من العلاج. لكن هل حقاً نحتاج للقضاء على 99.99 % من الجراثيم كما تخبرنا الإعلانات؟

 

الإجابة لا، وفقاً لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، التي أصدرت قراراً بحظر استخدام 19 مكوناَ كيميائياً من الذي يشيع استخدامهم في الصابون المضاد للبكتيريا. فبحسب المنظمة، لا يوجد أدلة علمية كافية تثبت أن الصابون المضاد للبكتيريا أكثر فعالية في الوقاية من الأمراض من الصابون العادي والماء، كما أن الفوائد المزعومة لاستخدام هذا النوع من الصابون لم تُثبت بعد. بالإضافة إلى أن الاستخدام طويل الأمد لهذه المنتجات يثير التساؤلات حول الآثار السلبية لها على الصحة.

 

منذ عام 2013، طالبت إدارة الغذاء والدواء من الشركات المصنعة لهذا النوع من الصابون أن توفر مزيداً من البيانات حول سلامة منتجاتها وفعاليتها على المدى الطويل، إذا أرادوا الاستمرار في طرحها بالأسواق. لكن المعلومات التي تم تقديمها لم تكن كافية، لذلك أصدرت إدارة الغذاء والدواء قراراً نهائيا عام 2016 بحظر المكونات المستخدمة في صنع الصابون المضاد للبكتيريا مثل الصابون السائل، وصابون الاستحمام، وقطع الصابون الصلبة، وغيرها من أنواع تستخدم مع الماء. من أشهر المواد التي تم حظرها التريكلوسان والتريكلوكربان.

 

وفقاً لبيان إدارة الغذاء والدواء، تزيد الدراسات المعملية من احتمالية أن يساهم التريكلوسان في جعل البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، والذي يؤثر في فعالية العديد من العلاجات الطبية التي تتضمن المضادات الحيوية.

 

حقوق الصورة: dr graham beards/wikimedia commons

 

التريكلوسان ومخاوف صحية

 

تصاعدت المخاوف تجاه التريكلوسان في الآونة الأخيرة، بعد أن اتضح أن التعرض طويل الأمد لمكون التريكلوسان أعلى مما كان معتقد سابقاً كونه من أكثر المواد شيوعاً من حيث الاستخدام. 

 

فالتريكلوسان يدخل كمادة مضافة في العديد من المنتجات المصنعة مثل الأقمشة، وأدوات المطبخ، والأثاث، والألعاب، والصابون، ومعجون الأسنان لمنع التلوث البكتيري. لذا أصبح هناك تساؤلات حول المخاطر المحتملة المرتبطة باستخدامه لمدة طويلة.

 

ففي دراسة أجراها باحثون في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا، تم تعريض مجموعة من الفئران لمادة التريكلوسان لمدة 6 أشهر. أظهرت النتائج أن الفئران المعرضة لهذه المادة كانت أكثر عرضة للإصابة بأورام الكبد. وبدت الأورام أكثر قابلية لأن تكون أكبر حجماً، وتتكون بوتيرةٍ أعلى من الفئران التي لم تتعرض للمادة الكيميائية.

 

لم توضح الدراسة بالتحديد مدى ارتباط التريكلوسان بهذه الأورام، إلا أن الأبحاث تشير إلى أنه قد يكون بسبب ميل هذه المادة الكيميائية للتداخل مع البروتين الذي يساعد الجسم على التخلص من تراكم السموم، وأنه من أجل تعويض الضغط الناجم عن تراكم السموم لسنوات، قد تتكاثر خلايا الكبد وتتحول في نهاية المطاف إلى أورام ليفية.

 

كما يشير التقرير السنوي لدورية علوم الصيدلة والسموم الصادر عام 2016، إلى أن الدراسات التي تم إجرائها معملياً على الخلايا والحيوانات أشارت إلى احتمالية تأثير التريكلوسان على الهرمونات والعمليات البيولوجية الأخرى. لكن جدير بالذكر، أنه حتى ذلك الوقت لم يتم الربط بشكلٍ مباشر بين التريكلوسان والتأثيرات الصحية السلبية على الإنسان.

 

هل هو مقاوم للمضادات الحيوية؟

 

مؤخراً، تدور المخاوف حول إمكانية أن يزيد التريكلوسان من خطر إنتاج بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية. فيمكن للبكتيريا الموجودة أعلى سطح جلدنا أن تكون مقاومة لمادة التريكلوسان نفسها. فعادة ما تحدث طفرات للبكتيريا المقاومة للتريكلوسان في البروتينات المسؤولة عن تكوين أغشية الخلايا، والتي تستهدفها المضادات الحيوية بشكل رئيسي. 

 

ومع تكرار التعرض للتريكلوسان من مصادر مختلفة وتراكمه، تتطور هذه الطفرات وتنتقل من جيل إلى آخر من البكتيريا. القلق الرئيسي لدى العلماء حول الصحة العامة، هو أن تجعل هذه الطفرات البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية الأخرى التي يصفها الأطباء، دون الاقتصار على مادة التريكلوسان فقط.

 

هذا ما تشير إليه دراسة حديثة أجراها مجموعة من علماء الأحياء في جامعة واشنطن، ونشرتها دورية الجمعية الأميركية لعلم الأحياء الدقيقة عام 2019. تشير الدراسة إلى أن تركيزات التريكلوسان ذات الصلة بمصادر مختلفة في البيئة تقلل فعالية المضادات الحيوية بما يقدر بحوالي 100 مرة في جسم الكائن الحي. كما تسلط الدراسة الضوء على دورٍ مهم يلعبه التريكلوسان كمساهم في مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية لدى مجتمع الناس العادية، وفي أماكن الرعاية الصحية، مثل المستشفيات، والعيادات، والمراكز الطبية. لذا فالأسباب التي تدفعنا للقلق تجاه مادة التريكلوسان تزداد جدية بمرور الوقت.

 

الصابون العادي والماء كافيان

 

 

نعود لقرار إدارة الغذاء والدواء بحظر استخدام هذه المادة وأخواتها في صناعة الصابون المضاد للبكتيريا طالما لم تتوفر أدلة كافية تفيد بأنهم أفضل للصحة العامة من الصابون العادي، وتنفي الأضرار المحتملة لهم على المدى الطويل. 

 

لذا تنصح هيئة مراكز مكافحة الأمراض ومقاومتها بالاعتماد على الصابون العادي والماء لغسل الأيدي وتنظيف الجسم كخطوة هامة وكافية لتجنب الإصابة بالأمراض ومنع انتشار العدوى للآخرين. وفي حالة عدم توفر الصابون والماء، فتقترح استخدام مطهر اليد القائم على الكحول كمكون رئيسي بتركيز لا يقل عن 60%.