Reading Time: 4 minutes

أعلنت إدارة ترامب مؤخراً في خضم حالة الطوارئ الصحية المتعلّقة بفيروس كورونا أنها ستعلّق الدعم المالي الذي تقدمه الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة تنسق مجموعة واسعة من الجهود الصحية الدولية. تساهم الولايات المتحدة عادةً بأكثر من 400 مليون دولار أمريكي سنوياً للمنظمة، أي ما يقرب من 15% من ميزانيتها السنوية.

وقد ادّعى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في إعلان تعليق التمويل الأمريكي أن منظمة الصحة العالمية فشلت في تقديم «معلومات حقيقية حول ما يجري فيما يتعلّق بمشكلةٍ صحيّةٍ عالمية». يعتقد الرئيس ترامب أن الوكالة تواطأت مع الحكومة الصينية في حجب المعلومات حول طبيعة التفشي: «لديّ شعورٌ بأنهم يعلمون تماماً ما كان يحدث». وقد سعى بذلك إلى لفت الانتباه عن سوء إدارته من خلال إلقاء اللوم على مسؤولي الصحّة العالمية. يقول ترامب: «لقد تسببت أخطاءهم بالكثير من الوفيات».

لتقييم هذه الادعاءات، من المهم فهم السياق الذي يتخذ فيه مسؤولو منظمة الصحة العالمية قراراتٍ حاسمة في المراحل المبكرة لتفشي أي مرض. كما أشرت في كتابي “Unprepared: Global Health in a Time of Emergency“، فإن منظمة الصحة العالمية لديها قدرةٌ محدودة على جمع المعلومات حول تفشي الأمراض والتدخل في شؤون بعض الدول، حيث ينبغي عليها الاعتماد على حكومات تلك الدوّل في الحصول على المعلومات والحصول على إذنٍ رسمي لإرسال محققين لمعرفة المزيد من التفاصيل. في الواقع، تقتصر سلطة المنظمة على تقديم المساعدة التقنية وإصدار التوصيات فقط.

لحظاتٌ حاسمة في اتخاذ القرار

فيروس كورونا, فيروسات, أمراض معدية, قناع طبي, أوبئة

في يناير/كانون الثاني 2020، بدأ خبراء الأمراض المُعدية جهودهم لفهم الجوانب الرئيسية للفيروس التاجي الجديد، مثل معدّل انتقاله وشدته. في تلك المرحلة، لم يكن من الممكن بعد معرفة كيف كان يتطوّر المرض بالضبط. ومع ذلك، كان على مسؤولي منظمة الصحة العالمية اتخاذ قرارات حاسمة- مثل إعلان حالة الطوارئ الصحية العالمية- في حالة عدم اليقين.

وبشكلٍ أعم، لا يمكن معرفة الكثير من المعلومات الهامة حول ما يحدث على المستوى الصحي عالمياً إلا بأثرٍ رجعي، أي بعد جمع البيانات عن الحدث وتحليلها ونشرها من قبل الأوساط العلمية. 

هناك مثالان آخران أُعلنت فيهما حالة الطوارئ الصحية العالمية يمكن أن يكونا مفيدان هنا، وهما جائحة انفلونزا «H1N1» عام 2009، ووباء إيبولا عام 2014. تعرضت منظمة الصحة العالمية لانتقادات شديدة بسبب استجابتها المبكّرة في أعقاب تلك الجوائح.

عندما كُشف عن سلالةٍ جديدة من أنفلونزا «H1N1» لأول مرة في ربيع عام 2009، خشي مسؤولو الصحة العالمية من أن تؤدي إلى جائحةٍ كارثية حينها، لذلك أعلنت منظمة الصحة العالمية رسمياً حالة طوارئ صحية عالمية في غضون أسابيع من ظهور الفيروس، ووحثّ الإعلان الدول على وضع خططٍ للتأهب للجائحة موضعَ التنفيذ. واستجابةً لذلك، نفذّت عددٌ من الدول حملاتِ تلقيحٍ شاملة، حيث قامت بتقديم طلباتٍ لشراء ملايين جرعات لقاح H1N1 مُقدّماً من شركات الأدوية.

في الأشهر القليلة التالية، ومع تصنيع اللقاح وتنفيذ حملات التطعيم، كشفت الدراسات الوبائية في الأشهر التالية أن فيروس H1N1 كان سلالةً معتدلة نسبياً من الإنفلونزا، ونسبة إماتة الحالة مماثلة لنسبة الإماتة بالإنفلونزا الموسمية.

كان عدد من أخذ اللقاح قليلاً عندما أصبح لقاح «H1N1» متاحاً أخيراً في العديد من البلدان في خريف عام 2009. وقد أنفقت الحكومات الوطنية مئات الملايين من الدولارات على حملات تطعيمٍ شملت أقلّ من 10% من السكان في بعض الحالات.

واتهم النقّاد في أوروبا منظمة الصحة العالمية بأنها بالغت في التهديد بالوباء من أجل تحقيق أرباحٍ لشركات تصنيع الأدوية، مشيرين إلى شكوكٍ تتعلّق بعقود الخدمات الاستشارية التي أبرمها خبراء الوكالة في مجال الأنفلونزا بها مع مصنعي اللقاحات. ووفقاً لأحد النقاد البارزين، فإن إعلان منظمة الصحة العالمية عن حالة طوارئ صحية استجابة لفيروس «H1N1» كان «واحداً من أكبر الفضائح الطبية في هذا القرن».

لكن تحقيقاً لاحقاً برّأ خبراء منظمة الصحة العالمية من تهمة الفساد، مشيراً إلى أن شدّة المرض لم تكن معلومةً على وجه الدقّة إلا بعد تقديم الطلبيات على جرعات اللقاح، وأن «النقد المعقول لا يمكن أن يستند إلا إلى ما كان معروفاً في ذلك الوقت وليس إلى ما عُرف لاحقاً».

توجيه النقد مجدداً لمنظمة الصحة العالمية

بعد 5 سنوات، في أعقاب وباء إيبولا في غرب أفريقيا، وجد مسؤولو منظمة الصحة العالمية أنفسهم مرة أخرى تحت هجوم حاد بسبب استجابتهم الأولية لتفشي المرض. هذه المرة، لم يُتهم المسؤولين بالتصرف السابق لأوانه هذه المرّة، ولكن بالفشل في التصرف في الوقت المناسب.

في المراحل الأولى من الوباء، في ربيع 2014، لم يعتبر خبراء الوكالة أن الوباء «حالة طوارئ عالمية». واستناداً إلى تجاربهم السابقة، شعروا أن الإيبولا، على الرغم من خطورته، يمكن احتواءه بسهولة- لم يقتل المرض أكثر من بضع مئات من الأشخاص، ولم ينتشر مطلقاً أبعد من مكان انتشاره الأولي. يذكر أحد الخبراء المراحل الأولى من الاستجابة «نحن نعرف الإيبولا، سيكون من السهل إدارة هذا الوباء».

ولم تعلن منظمة الصحة العالمية رسمياً حالة الطوارئ الصحية العالمية حتى آب/أغسطس 2014، بعد أن خرج الوباء عن السيطرة بوقتٍ طويل، ساعيةً إلى تحفيز الاستجابة الدولية. عند هذه النقطة كان الأوان قد فات لتجنب كارثة على مستوى المنطقة، وقد هاجم العديد من النقّاد استجابة المنظمة البطيئة. قال أحد المعلقين في هذا الصدد: «كانت استجابة منظمة الصحة العالمية سيئةً للغاية، إنه أمرٌ مخزٍ».

على من تقع مسؤولية الفشل؟

اليوم، في الوقت الذي يواجه فيه العالم جائحة فيروس كورونا، تجد الوكالة نفسها مرة أخرى في مواجهةِ وابلٍ من الانتقادات، ومع التهديد بقطع الدعم المالي عنها. إلى أي مدى يمكن أن نقول أن الوكالة لم تنجح بتقديم معلوماتٍ كافية في المراحل المبكرة من الوباء- أو أنها فشلت في «تأدية عملها»، حسب تعبير وزير الخارجية الأمريكي بومبيو؟

من الجدير بالذكر أننا ما زلنا في المراحل الأولى من الجائحة وما زال يتطوّر حالياً، وما زلنا نسعى للحصول على إجابات على الأسئلة المهمة مثل مدى سرعة انتشار الفيروس وشدته ونسبة السكان الذين تعرضوا له، و ما إذا كان هذا التعرّض يمنحهم المناعة التي تحميهم في المستقبل. كما أننا لا نزال نجهل حتى الآن فيما إذا كانت الحكومة الصينية قد أبلغت مسؤولي الصحة العالمية بشكلٍ كامل حول حقيقة وخطورة التفشي الأولي أم لا. ومع ذلك، فإننا نعلم أنه في حين أطلقت منظمة الصحة العالمية نداءاً عاجلاً للحكومات لمواجهة هذا الفيروس في أواخر يناير/كانون الثاني، ومع إعلان حالة الطوارئ الصحية العالمية، لم تبدأ الولايات المتحدة- وبتردّد- في التعبئة والاستجابة لمواجهة الفيروس إلا بعد شهرين تقريباً.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن