Reading Time: 5 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


إن العلاقة بين العواطف والخرائط الذهنية لها على الأرجح أصول متعلقة بالبقاء. فكما تشرح «جابرييل جيرارديو» من المعهد الوطني الفرنسي للصحة والأبحاث الطبيّة، فإن ظهور مفترس في نقطة محددة يجب تذكّره لتجنّب هذه النقطة في المستقبل. وعندما تمر بنفس النقطة لاحقاً، فقد تشعر بالخوف، ولكن من ناحية أخرى، من الجيد امتلاك ارتباط عاطفي بمكان آمن أو وافر. تقول جيرارديو: «ببساطة شديدة، يجب عليك تذكُّر الأشياء الجيدة والسيئة التي حدثت، وكيفية تجنبها أو البحث عنها».

يبدو هذا بسيطاً من وجهة نظر فريسة تحاول البقاء على قيد الحياة خلال الليل في السافانا. لكن العلاقة بين الخريطة الذهنية والعواطف تصبح مشحونة أكثر بالنسبة للبشر. ترى جيرارديو أن اضطراب ما بعد الصدمة -الذي يُرجع عادة لحوادث محددة- له علاقة محتملة بذلك. بالنسبة لشخص مثل داتو فانيشفيلي، فإن صدمة السياج الشائك يمكن أن تُحفّز في كل مرة يرى فيها هذا السياج. يقول موزر: «الأمر تقريباً مثل التكييف الكلاسيكي، مثل كلب بافلوف،» ويضيف: «ترى شيئاً يُحفّز عواطف قوية، وفي كل مرة تراه فيها، تحس بنفس المشاعر».

لم يسبب السياج الحدودي سوى الصدمة لـ «داتو فانيشفيلي». ولم يتبقّى من الـ 80 عائلة الجيورجية التي عاشت بالقرب منه إلا هو وحفيده. التهديد بالأذيّة يسود أيامهم. قال فانيشفيلي لوكالة «آراب نيوز» في 2018: «قال الأوسيتيون لحفيدي أنه إذا حاول عبور الحدود، فسيمسكون به، و يأخذوه إلى روسيا، ويزجّوا به في السجن».

مع ذلك، على الجهة الأخرى من السياج، فهو سجين سلفاً. إذ فهو لا يستطيع زيارة بناته. ولا يستطيع أن يمشي في حقوله كما فعل لسنوات طويلة، وذلك لأن هذه الحقول أصبحت الآن على الجهة الأخرى من السياج. يقول فانيشفيلي أن الحراس يراقبوه، وأن الحكومة الروسية ستستولي على منزله إذا عبر باتجاه جورجيا. صرّح فانيشفيلي إلى وكالة «سي إن إن» في 2017 من وراء الأسلاك الشائكة التي تحيط به: «لا أملك أي طعام أو خبز، لا أملك شيئاً»، وأضاف: «ما يجب علي أن أفعل؟ أقتل نفسي؟»

يحفز السياج الشائك نشاط الخلايا الحدودية في دماغ فانيشفيلي كل مرة يراه فيها، وبالمقابل، هذا النشاط قد يُحفّز بدوره مشاعر اليأس والإحباط المرتبطة مع ذلك المكان.

أحياناً، قد يكون الأثر العاطفي أقل وضوحاً. كلاوز-كريستان كاربون، وهو عالم نفس في جامعة بامبرغ في ألمانيا، لاحظ بشكل متكرر أن بعض السائقين يتّبعون نفس الطرق التي كانوا يتّبعونها قبل سقوط جدار برلين، على الرغم من أن هذا قد يؤدي بهم إلى إطالة الرحلات. جعلت هذه الظاهرة كاربون يتساءل كيف لا يزال الجدار يُشكّل تفكير الناس اليومي. في مطلع القرن الحالي، حوّل كاربون وزميله، هيلموت ليدر انتباههم إلى الخرائط الذهنية. هل تستطيع المشاعر التي لم تولد بسبب حوادث صادمة تشكيل رؤيتنا للعالم من حولنا؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل ستظل نظرة الناس لجدار برلين تسكن في خرائطهم الذهنية؟ 

هناك أسباب تدفع لاعتقاد ذلك. كشفت الأبحاث في 1960 علاقة عكسية بين الارتباط العاطفي للأشخاص بمدينة معينة، وتقديرهم لبعدها. أي، كلما زادت المشاعر التي امتلكها شخص اتجاه مدينة ما، قل بعدها عنه حسب تقديره الشخصي. أو: كلما زاد ارتباطه العاطفي بها، قلت المسافة التي تفصله عنها بالنسبة له. بعد عدة سنوات، سأل الباحثون في جامعة ولاية تكساس الطلاب عن مشاعرهم اتجاه كندا، والولايات المتحدة، والمكسيك. قدّر المشاركون الذين أظهروا مشاعر إيجابية اتجاه الأعراق والجنسيات والأصول الأخرى أن المسافات التي تفصلهم عن مدن في المكسيك وكندا أقرب مما هي في الحقيقة مقارنة بالمشاركين الذين أبدوا مشاعر سلبية أو محايدة.

رغب كاربون وليدر بمعرفة إذا كان نفس النمط يظهر في العلاقة بين الألمانيين والأماكن في بلدهم. طلبوا من 83 شخصاً -من بينهم أشخاص تربّوا في ألمانيا الشرقية السابقة، وفي ألمانيا الغربية السابقة أيضاً- أن يقدّروا المسافة بين مدن توجد في هذه المناطق، وسألوهم عن مشاعرهم اتجاه توحيد ألمانيا. مال أغلب هؤلاء الذين كان لديهم نظرة سلبية اتجاه التوحيد ليقدّروا أن المدن التي كانت في الجهة المقابلة للجدار بالنسبة لهم تبعد عن بعضها مسافات أكبر مما تبعد بالحقيقة. ولكنهم لم يسيؤوا تقدير المسافات بين المدن الموجودة في نفس جهتهم بالنسبة للجدار. كما لم يسيء الأشخاص الذين كانت لديهم نظرة إيجابية اتجاه التوحيد تقدير المسافات بين المدن. وكما كتب كاربون وليدر في ورقتهم البحثية في 2005: «لا زالت توجد فجوة عقلية بين الشرق والغرب -حتى عند الشباب- بعد 15 سنة من توحيد ألمانيا»، وسمّوا هذه الظاهرة باسم «الجدار العقلي».

أعاد كاربون مراجعة البيانات بعد بضع سنوات لأنه كان يرغب بمعرفة كيف قدّر المشاركون المسافات. هل كانوا يقدّرون المسافات بين المدن بتخيّل خطوط مستقيمة بينها، أو كانوا يفكّرون بالمدة اللازمة للوصول من مدينة لأخرى باستخدام الطرق السريعة؟ وجدت المراجعات اللاحقة أن الخيار الثاني هو الصحيح. أي، كان المشاركون يتخيّلون الرحلة من مكان لمكان. هذا التفصيل مهم، وذلك لأنه يعني أن المشاركين قد استخدموا خرائطهم الذهنية وصورهم العقلية بناءً على خبراتهم الخاصة. وفقاً لـ كاربون، يبين هذا الاكتشاف لأي درجة تُشكّل حياتنا العاطفية نظرتنا للعالم.

تشوّه العديد من العواطف وأنماط التفكير الخرائط التي نشكلها عن العالم. وجد باحثون من الصين أن الناس يقدّرون أن المسافات بين المدن التي يتكلم سكانها بنفس اللهجة هي أقل من المسافات التي يتكلم سكانها بلهجات مختلفة. نحن نميل لأن نربط «الشمال» بـ «الأعلى»، و «الأعلى» بـ «الجيد»، و«الجنوب» بـ «الأسفل» و«السيء»؛ تُحدث خرائط العالم المواجهة للشمال انحيازاً مفاده أن المناطق الشمالية من العالم هي أفضل بشكل ما من المناطق الجنوبية. ويختفي هذا الانحياز عندما تُقدّم الخريطة «مقلوبة رأساً على عقب»، مع نصف الكرة الجنوبي في الأعلى، والمحيط الهادئ في المركز، والمحيط الأطلسي مقسوم إلى قسمين. وبنفس الوقت، وجدت دراسات أن الناس يعتقدون أن السفر للشمال يستغرق وقتاً أكثر من السفر للجنوب. إن حقيقة أن إحساسنا بالجغرافيا يتأثر بانحيازاتنا هو دليل على وجود علاقة ما بين خلايا الخرائط الذهنية والمناطق العاطفية في الدماغ.

في تجربة أخرى، سأل كاربون 220 متطوعاً في جامعة فيينا حول مشاعرهم اتجاه الحرب بين الولايات المتحدة والعراق، والتي كانت لا تزال دائرة في ذلك الوقت، وأيضاً سألهم عن مشاعرهم اتجاه المواطنين الأميركيين. ثم طلب منهم تقدير المسافات التي تفصل بين 6 مدن في أوروبا، و6 مدن في الولايات المتحدة، وبغداد، العراق. كانت النتائج أكثر تعقيداً مقارنة بالدراسات السابقة، ولكنّها تدعم الفكرة القائلة أن انحيازاتنا العاطفية تؤثر على خرائطنا الذهنية. إذ قدّر المشاركون الذين لا يحبّون الأميركيين أن المسافات بين المدن التي تفصل المحيطات بينها هي أكبر، في حين أنهم شعروا بمشاعر سلبية اتجاه الحرب. لكن المشاركين الذين يحبون الأميركيين زادوا أيضاً من تقدير المسافات بين المدن التي يفصل بينها المحيط الهادئ، في حين أنهم شعروا بمشاعر إيجابية اتجاه الحرب.

حاجج كاربون بأن الأشخاص الذين يحبّون الأميركيين ويدعمون الحرب سيقدّرون أن المدن الأوروبية تبعد عن بعضها مسافات أكبر من الحقيقة، بسبب ذلك الارتباط العاطفي، وكأنهم يرون العالم من وجهة نظر أميركية. 

الجدار الحدودي هي مكان للتفاهمات المعقّدة، مثل التراتبيّات الاجتماعية والقدرة على تمييز الصديق من العدو.

بكلمات أخرى، الجدار الحدودي ليست مجرد جدران حدودية. إذ يصبح كل مكان مررنا فيه بتجربة جديرة بالملاحظة مشوباً بالعواطف. تشرح كيت جفري، وهي عالمة أعصاب في جامعة لندن، أن الجسم اللوزي -وهو مركز العواطف في الدماغ- يلعب دوراً في الإدراك المكاني عن طريق إرسال رسائل مثل: «هذا المكان تحدث فيه أشياء سيئة». الجدار الحدودي، وفقاً لـ جيفري، هو مكان توجد فيه تفاهمات معقدة، مثل التراتبيّات الاجتماعية والقدرة على تمييز الأصدقاء من الأعداء. ولذلك، فنعلق في حلقة مفرغة لا نهاية لها. يرتبط الجدار الحدودي بعواطف تنبثق عن تجربتنا مع المكان، ونحن نشعر بنفس العواطف كل مرة نرى فيها هذا المكان بسبب الارتباط بين الخرائط الذهنية والعواطف.

لا يشعر أي شخص يعيش في ظل جدار حدودي بنفس المشاعر القوية اتجاهه. إذ لم يرتبك مثلا إزرائيل يانيز -وهو حارس أمن في متجر ملابس روس في براونزفيل- عندما رأى الجدار الحدودي هناك. بينما في ميلبا فيردي، ماريا سانتوس، وهي امرأة تبلغ من العمر 52 سنة، هاجرت من المكسيك وتضطر الآن إلى التحديق في الجدار الحدودي هناك في باحة منزلها الخلفية -والذي تم بناؤه خصيصاً ليمنع الآخرين من تحقيق نفس الهدف الذي حققته هي- قالت لي باللغة الإسبانية (ترجمت حفيدتها ما قالت) أنها لا تفكّر بالجدار على الإطلاق. 

ربما نتجت عن التجارب المختلفة التي خاضها كل من فانيشفيلي وسانتوس مع الجدران الحدودية روابط عاطفية مختلفة للغاية لخرائطهما الذهنية الخاصة بالجدران الحدودية الخاصة بكل منهما. عاشت سانتوس الحياة بقدومها إلى أميركا، على الأقل إلى حد ما. بينما سُلب فانيشفيلي من كل ما يملك. وبشكل متزايد، فإن تجارب مثل تجارب فانيشفيلي -والألم الناتج عنها- تتكرر عند الجدران الحدودية حول العالم.

بدأ العلماء لتوهم بفهم الخلايا التي تُشكّل الخرائط الذهنية خاصتنا، وبفهم إذا كان هذا النظام يتفاعل مع المناطق العاطفية من أدمغتنا، وكيف يفعل ذلك. ولكننا نعلم ما يكفي لنتوقع وجود علاقة بين الاثنين. عندما تتغير البيئة المحيطة، تتغير معها خلايا الخرائط، والتي يُعاد تشكيلها لحمايتنا من المخاطر والحفاظ على استمراريتنا. تقول جيرارديو: «تؤثر العواطف على التمثيل هذا»، وتشير العديد من الأدلة إلى الدور الذي تلعبه العواطف في تشويه إحساسنا بالمسافات، وتقديرنا لمدى سهولة الوصول إلى مكان ما، وتقييمنا لمدى استحسان هذه الوجهة. ولذلك هناك أسباب قوية تدفعنا للاعتقاد بأن الجدران الحدودية لا تعيد تشكيل أدمغتنا فحسب، بل هي تفعل ذلك بطريقة مرتبطة بالعواطف التي يثيرها الجدار، مهما كانت. بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون قرب الجدران الحدودية، فإن هذه المشاعر تكون غالباً سلبية.