Reading Time: 3 minutes

اكتشف الباحثون خلال العقد الماضي عشرات الجينات المرتبطة بخطر الإصابة بحالات مثل الاضطراب ثنائي القطب، والاكتئاب، لكن علم الوراثة لا يفسر سوى جانب ضئيل من هذه الحالات، وهذا يدفع الباحثين إلى البحث عن عوامل أخرى يمكن أن ترفع من خطر الإصابة بها، وأحد هذه العوامل هو تلوث الهواء. وجدت دراسة جديدة أن العيش في مناطق هواؤها مُلوَّث يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية والعصبية، ومنها اضطراب ثنائي القطب والاكتئاب.

يقول الباحث الرئيسي في الدراسة «أندريه رزيتسكي»، أستاذ قسم علم الوراثة البشرية، وأحد كبار الزملاء في معهد الحوسبة في جامعة شيكاغو: «هذا جزء من البحث الذي أجريناه عن المحددات البيئية للأمراض». وتضيف الدراسة المنشورة في دورية «PLOS Biology» عنصراً آخر إلى قائمة الأضرار المرتبطة بتلوث الهواء، والتي تشمل أيضاً أمراض القلب، والأوعية الدموية، والولادة المبكرة، والعقم، والعته.

فحص الفريق مجموعتي بيانات، الأولى من الولايات المتحدة، وتضم 151 مليون شخص، والثانية من الدنمارك وتضم 1.4 مليون شخص. لكل مجموعة نقاط قوة وضعف مختلفة. فبيانات الولايات المتحدة التي مصدرها وكالة حماية البيئة ضخمة، وتقيس جودة الهواء الكلية في كل مقاطعة، أما بيانات الدنمارك فمحدودة بالمقارنة مع نظيرتها، لكنها تقدم معلومات عن جودة الهواء في المناطق التي عاش فيها المواطنون منذ ولادتهم حتى عيد ميلادهم العاشر، وهذا يسمح للباحثين بقياس حجم تلوث الهواء الذي تعرضوا له على مدى تلك السنوات. بعدها قُورنت البيانات البيئية بمعلومات تشخيص الأمراض المأخوذة من قاعدة بيانات وكالات التأمين في الولايات المتحدة، وسجلات الطب النفسي المركزية في الدنمارك، ويقول رزيتسكي: «كل مجموعة من تلك البيانات ناقصة، لكننا توصلنا إلى تحليلات متشابهة انطلاقاً من بيانات مختلفة، مصدرها بلدان مختلفة، وهو ما اعتقدنا أنه سيكون أكثر إقناعاً».

تلوث الهواء, الاكتئاب, طب نفسي

وزادت في الولايات المتحدة نسبة إصابة الأشخاص الذين يعيشون في مقاطعات ذات هواء ملوّث باضطراب ثنائي القطب بنحو 27%، وزادت نسبة إصابتهم بالاكتئاب الشديد بما يقارب 6% مقارنة مع الذين يعيشون في مقاطعات نوعية هواؤها أفضل. وفي الدنمارك زاد احتمال إصابة الأشخاص الذين تعرضوا لتلوث الهواء بمرض انفصام الشخصية بنحو 150% مقارنة مع الذين تعرضوا لكميات أقل من الهواء الملوث. وعانوا ارتفاع معدلات الإصابة باضطراب ثنائي القطب بنسبة 29%، واضطراب الشخصية بنسبة 162%، والاكتئاب الشديد بنسبة 50%. يقول رزيتسكي موضحاً: «إن الاختلافات بين البلدين قد تكون بسبب البيانات المفصلة المتوفرة في الدنمارك، وقد يكون سببها أيضاً الاختلافات الوراثية والثقافية بين البلدين أو الاختلافات في الإدارة البيئية والرعاية الصحية»، ويضيف: «كلنا معرضون لهذه الأمراض بطريقة أو بأخرى؛ إذ يؤدي تلوث الهواء إلى نتائج متباينة».

وتعتمد الدراسة على بحث سابق بيّن وجود علاقة بين نوعية الهواء والأمراض النفسية؛ إذ يفضي ازدياد مستوى التلوث إلى تواتر وصفات مضادات الذهان العلاجية، وارتفاع نسبة حالات مرضى الفصام، وزيادة خطر الاكتئاب، والأعراض الحادة للقلق، ويُدلي في هذا الصدد «يوانيس باكوليس»، عالم الأوبئة بجامعة «كينجز كوليدج» في لندن، بتصريح لناشيونال جيوجرافيك قال فيه: «تظهر هذه النتائج -إلى جانب نتائج الدراسات السابقة- وجود صلة محتملة بين تلوث الهواء والاضطرابات النفسية»، ويوضح رزيتسكي أن: «هذه الدراسة بالذات اعتمدت على الملاحظة، ولا يمكن بأي حال القول إن تلوث الهواء يسبب حتماً اضطرابات نفسية»، ويضيف: «الأدلة التي توفرها هذه الدراسة ليست أدلة حاسمة».

وثمة آليات بيولوجية تربط بين تلوث الهواء والاضطرابات النفسية؛ إذ يمكن أن تؤثر ملوثات الهواء مباشرة في الدماغ -مثل المواد الجزيئية، وثاني أكسيد النيتروجين، وغاز الأوزون- عن طريق اختراق الحاجز الرقيق الذي يفصله عن تجويف الأنف، أو بشكلٍ غير مباشر من خلال دخول الرئتين ومجرى الدم. لقد ثبت أن هذه الملوثات تسبب التهابات في الدماغ في كل من النماذج البشرية والحيوانية، وتؤثر في وظيفة الناقلات العصبية؛ مثل: الدوبامين، والسيروتونين، وكلاهما يرتبط بالاضطرابات النفسية.

ويقول رزيتسكي: «إذا استمرت الأبحاث في إظهار وجود علاقة بين جودة الهواء والاضطرابات النفسية، فقد يفتح هذا الباب لإيجاد وسائل جديدة للعلاج»، ويضيف: «قد يمكن تقليل أعراض هذه الأمراض من خلال اتخاذ تدابير عدة؛ مثل الحد من الالتهابات التي لها صلة بهذه الاضطرابات، أو نقل المصابين إلى مناطق هواؤها أنقى»، وتسلط النتائج الضوء على مدى أهمية نوعية الهواء، ويعلق رزيتسكي قائلاً: «سيكون من الرائع إقناع أصحاب القرار بأن الحفاظ على نقاء الهواء على قدر كبير من الأهمية».