Reading Time: 3 minutes

عادة ما يشير المتشككون في التغير المناخي إلى فصول الشتاء الأخيرة التي حطمت كل الأرقام القياسية، بوصفها دليلاً يفند ظاهرة الاحتباس الحراري، وقد تكون غازات الدفيئة مسؤولة عن الأحوال الجوية القاسية في فصل الشتاء؛ بقدر مسؤوليتها عن موجات الحرارة. وقد لاحظ الخبراء على مدار عقود أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي الناجم عن التغير المناخي، يتزامن مع فصول الشتاء القاسية والاستثنائية في خطوط العرض المنخفضة.

يتشكل جليد البحار في فصل الخريف، وتزيد كثافته في فصل الشتاء، مما يخلق حاجزاً بين المحيط والهواء. ويرى بعض علماء المناخ أن ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي وذوبان الجليد؛ يؤثر بشكلٍ كبير في الأحوال الجوية. السبب هو أن الحرارة المنبعثة من المحيط يمكنها أن تنتقل بسهولة إلى الغلاف الجوي في غياب الجليد، الذي يقف في طريقها. وارتفاع درجة حرارة هواء القطب الشمالي يمكن أن يخلق منخفضات جوية بضغط مرتفع، ترسل تيارات هواء معتدلة البرودة جنوباً، مما يؤدي في النهاية إلى تغيير تيارات الهواء حول العالم وتغيير أنماط الطقس. وإن خلا القطب الشمالي من الجليد، فسيُطلق العِنان لفصول شتاء قاسية في جميع أنحاء العالم. لكن أبحاثاً جديدة تشير إلى أن العلاقة بين ذوبان الجليد وفصول الشتاء ليست شرطية؛ إذ قد يكون هناك عوامل أخرى تتدخل في هذه العملية.

في دراسة جديدة نُشرت في دورية «Nature Climate Change» يوضح «راسل بلاكبورت»، زميل باحث في الرياضيات يدرس نمذجة التغيرات المناخية في القطب الشمالي بجامعة إكستر في إنجلترا، بمعيّة زملائه؛ أنه بالرغم من تزامن ذوبان الجليد مع فصول الشتاء القاسية، فليس ثمة علاقة مباشرة بين الحدثين. يقول «جيمس أوفرلاند»، عالم مناخ يدرس مناخ القطب الشمالي في الإدارة الوطنية للمحيطات والغِلاف الجوي: «إن العلاقة بين ذوبان الجليد في القطب الشمالي وبرودة فصول الشتاء أثارت الجدل لأكثر من 10 سنوات». ويزعم الباحثون مع هذه الدراسة الجديدة أنهم أوقفوا النقاش. لقد عاين فريق بلاكبورت بيانات مناخية للقطب الشمالي، وأميركا الشمالية، وأوراسيا تمتد 40 عاماً، ثم قارنوا بيانات الطقس الفعلية بالبيانات المستقاة من النماذج المناخية؛ وهي برامج حاسوبية تحاكي أنماط المناخ والطقس وتتنبأ بها. وتحققوا أولاً من الظواهر الفيزيائية التي تتخلل هذه العملية، وعلى وجه التحديد تأثير الحرارة المنتقلة بين المحيط والغلاف الجوي في القطب الشمالي (تدفق الحرارة المضطرب)، في الطقس في المناطق الجنوبية.

شتاء, ذوبان الجليد, القطب الشمالي

ووجدوا عكس ما تصوروه. فعندما ذاب الجليد وزاد المحيط من دفء هواء القطب الشمالي، لم يُلاحَظ حدوث فصول شتاء قاسية في بيانات الطقس الفعلية، وفي النماذج المناخية. وعندما تسبب هواء القطب الشمالي في رفع درجة حرارة المحيط؛ شهدت خطوط العرض المتوسطة انخفاضاً في درجات الحرارة. يقول بلاكبورت: «من المرجح أن تغيراً في الغلاف الجوي يؤدي إلى إرسال الهواء البارد إلى خطوط العرض المنخفضة، والهواء الدافئ المسؤول عن إذابة الجليد إلى القطب الشمالي. قد يكون التأثيرين متزامنين، لكن أحدهما ليس سبباً في الآخر».

وتفقدوا بعدها التوقيت، إذ اختل تسلسل الأحداث في السنوات التي تزامن فيها فصل الشتاء القاسي مع ذوبان الجليد البحري، فظهرت فصول الشتاء البارد أولاً قبل شهر من ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي. يقول بلاكبورت: «إن كان ذوبان الجليد البحري يتسبب في فصول الشتاء القاسية، فمن المفترض أن يذوب الجليد أولاً».

وأجرى الباحثون في مرحلة أخيرة تجارب متحكم بها بالاستعانة بنموذجين لحالة المناخ «HadGEN2» و«EC-Earth»، يحاكيان قدر الإمكان الظروف المناخية الحالية. يشير بلاكبورت إلى أن هذه النماذج تتيح إمكانية إذابة الجليد البحري افتراضياً، ورصد تأثيره في تيارات الهواء ودرجات الحرارة القارية. أظهرت هذه النماذج النتائج نفسها التي توصلوا إليها بعد معاينة بيانات الطقس الفعلية؛ إذ لم يؤدِ ذوبان الجليد البحري إلى تفاقم شدة فصول الشتاء.

وبدا قبل هذه الدراسة أن ثمة تبايناً بين حالة الطقس الفعلية ونماذج المناخ. يشرح بلاكبورت هذا بقوله: «اعتقد كثيرون أن نماذج المناخ كانت خاطئة، لأنها لم تؤكد وجود علاقة مباشرة بين ذوبان الجليد البحري وفصول الشتاء القاسية». ووجد الباحثون عبر تفحص بيانات محطات الأرصاد بعناية ومقارنتها بالنماذج الحاسوبية؛ أن ما قد يبدو علاقة شرطية بين الظاهرتين مجرد تطابق. إذ قد تكون النماذج المناخية أكثر دقة مما اعتقده كثير من الباحثين.

وتشير الدراسة مع ذلك إلى أن الظاهرتين مرتبطتين بشكلٍ وثيق، حتى وإن لم يتسبب ذوبان الجليد البحري في الأحوال الجوية القاسية في فصل الشتاء، لكن أوفرلاند يرى أنه من السابق لأوانه استبعاد السببية نهائياً. ويضيف أنه إن كانت الظاهرتان مدفوعتين بتغيرات في الغلاف الجوي، فذوبان الجليد البحري يمكن أن يزيد فرص ظهور أنماط الأحوال المناخية شديدة البرودة.

وإذا كان لكل من ذوبان الجليد وفصول الشتاء القارسة آثار جانبية للتغيرات الجوية، فما الذي يؤدي إلى حدوث هذه التغيرات؟ أشارت دراسة أجريت عام 2014 إلى أن الاحترار المداري قد يكون السبب في ذلك. ويظل بلاكبورت متشككاً، ويستخدم فريقه الآن المقاربة نفسها، لتحديد ما إذا كان الرابط بين ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي وفصول الشتاء القاسي سببه اضطراب غير مألوف في التيار الهوائي المتدفق، وهو نطاق ضيق من التيارات الهوائية القوية التي تتحرك حول الكرة الأرضية.

يقول أوفرلاند: «إن كون ذوبان جليد القطب الشمالي لا يؤدي إلى حدوث فصول شتاء قارسة يبعث على الأمل. إذ إن فقدان الجليد أمر كارثي بما فيه الكفاية». ومع ذلك تظهر أحدث البيانات أن المشكلة أعقد بكثير من مجرد كونها علاقة سببية، وإن إلقاء نظرة على بيانات الأرصاد الجوية تخبرنا أن الجليد في القطب الشمالي وفصول الشتاء القاسية يرتبط بعضه ببعض، لكن الذي يبقى مطروحاً هو طبيعة هذه العلاقة، وكيفية تشكلها.