Reading Time: 5 minutes

اكتسب الضوء الأزرق سمعةً سيئة بعد أن أُلقي عليه اللوم في مشكلة قلّة النوم، وإرهاق العينين التي تصيب معظمنا هذه الأيام. في الواقع، تصدر الأجهزة الإلكترونية الشخصية كميةً من الضوء الأزرق أكثر من أي لونٍ آخر. وما يميز اللون الأزرق أنه ذو طولٍ موجي قصير، أي أنه يحمل طاقةً عالية تنفذ إلى أنسجة العين الرقيقة، وشبكية العين المكونة من الخلايا العصبية المسؤولة عن الرؤية مما قد يتسبب بإجهادها وربما تلفها.

وقد بينت الدراسات المخبرية على الفئران أن التعرض طويل الأمد للضوء الأزرق شديد الكثافة؛ يتلف خلايا الشبكية لديها. لكن الدراسات على المستوى البشري لم تثبت ذلك وتروي قصةً مختلفةً تماماً.

أعمل بصفتي أستاذاً مساعداً في كلية البصريات بجامعة أوهايو، حيث أقوم بالتدريس في هذا المجال، وأجري أبحاثاً تتعلق بمشاكل شبكية العين لدى الإنسان أيضاً، ويراجعني العديد من مرضى العيون يومياً في عيادات الكليّة.

يسألني المرضى في أغلب الأحيان ممن تتطلب طبيعة عملهم النظر مطولاً إلى شاشة الكمبيوتر؛ عن أفضل الطرق للحفاظ على سلامة عيونهم، ويستفسرون عن مدى جدوى عدسات النظّارات التي تحجب الضوء الأزرق، والتي غالباً ما يشاهدون إعلاناتها عبر الإنترنت.

عندما نتكلّم عن سلامة العينين وحمايتها، فإن الضوء الأزرق لن يكون مصدر القلق الأكبر عليها في الواقع.

الحماية المدمجة

الشمس, الضوء الأزرق, سماء

تحوي أشعة الشمس كميةً أكبر بكثير من الضوء الأزرق مما يصدره جهاز الكمبيوتر

يشبه الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة الإلكترونية ذلك المنبعث من الشمس، فنسبة الضوء الأزرق في أشعة الشمس عالية وتشكل معظمها. تخيل أن الشمس في فترة الظهيرة تكون أكثر سطوعاً من شاشة الكمبيوتر؛ بمقدار 100 ألف مرة، ومع ذلك، لم تُشر إلا القليل من الدراسات عن علاقةٍ معنوية بين التعرض لأشعة الشمس، وتطور مرض التنكس البقعي المرتبط بالسن، وهو مرضٌ يصيب شبكية العين يؤدي إلى فقدان الرؤية في مركز المجال البصري (البقعة).

فإذا كان التواجد خارج المنزل في فترة بعد الظهر في الأيام المشمسة لا يؤدي لإلحاق الضرر بشبكية العين، فبالتأكيد لن يتسبب الجهاز اللوحي القليل السطوع أو هاتفك الذكي بذلك الضرر لعينيك.

فلماذا إذاً الفصل بين تأثير الضوء الأزرق على عيون الفئران وعين الإنسان؟

تختلف عيون البشر عن عيون القوارض، فلدى البشر عناصر واقية مثل الأصباغ البقعية؛ وتمتلك قدرةً طبيعيةً على حجب الضوء الأزرق من خلال الجسم البلوري في العين قبل وصوله إلى شبكية العين الحساسة.

هذا لا يعني أن تستغني عن النظارات الشمسية، فهي توفر حماية تتجاوز حجب الضوء الأزرق عن عينيك. فهي، على سبيل المثال، تبطئ من تفاقم مرض الساد (المياه البيضاء) في العين.

ما هو تأثير الضوء الأزرق

ولكن انتبه، إن عدم تأثير الضوء الأزرق على شبكية العين لدينا لا يعني بالضرورة أن أجهزتنا الإلكترونية غير ضارة، أو أن الضوء الأزرق لا يؤثر بشكلٍ ما على العينين. فالطول الموجي القصير للضوء الأزرق؛ يتسبب بإضطراب فيزيولوجيا النوم الصحي لدينا. تلعب الخلايا الحساسة للضوء الأزرق في العين -المعروفة بخلايا العقدة الشبكية الحساسة للضوء في شبكية العين-؛ دوراً رئيسياً هنا، لأنها تنبّه ساعة المخ البيولوجية الأساسية بمقدار الضوء المنتشر في البيئة المحيطة. أي عندما تنظر إلى شاشة مضاءة ساطعة مثلاً، فإن هذه الخلايا تتنبه وترسل إشاراتٍ للمخ تُسهم في ضبط ساعتك الداخلية اضبطها على النشاط النهاري.

لكن هذه الخلايا، في نفس الوقت، حساسة لأطوال موجات الضوء الأخرى غير الضوء الأزرق، لأنها تتلقى إشارات الخلايا العصبية الأخرى في شبكية العين، والحساسة لألوان الطيف بأكمله.

لذلك فإن التقليل من كمية الضوء الواصل إلى أعيننا لا يحسّن من نومنا. ينبغي تخفيف جميع الأطوال الموجية للألوان الأخرى أيضاً، أو «تعتيمها» بمعنى أدق.

أما بالنسبة للشكوى الشائعة التي أسمعها من المراجعين المرضى، والمتعلقة بمعاناتهم من عيونٍ متعبة ومرهقة بعد قضاء يومٍ العمل في التحديق بشاشة الكمبيوتر؛ فإن الضوء الأزرق ليس مسؤولاً عن ذلك أيضاً. لقد أظهرت دراساتٌ حديثة أن حجب الضوء الأزرق المنبعث من شاشات الكمبيوتر بمفرده لم يحسّن من حالة العين مطلقاً؛ أكثر من الأثر الذي يحدثه خفض إضاءة الشاشة ببساطة، وذلك بعد جلسة عملٍ طويلة على الكمبيوتر.

إذاً، هل لتقليل أو حجب الضوء الأزرق أي فائدة؟

يرغب الكثير من المرضى في معرفة فيما إذا كان عليهم شراء المنتجات التي يرونها في الإعلانات؛ والتي يدعي مروجوها أنها تحجب الضوء الأزرق. الإجابة المختصرة على هذا التساؤل هي: لا.

أولاً؛ إن أي ضوء ساطع تتعرض له العين قبل النوم، يؤثر على طبيعة نومنا الصحي.

فالدلائل المتزايدة والتي تنشرها الدراسات حول هذا الموضوع تشير إلى أن -ومقارنة بقراءة كتابٍ عادي- التعرض لمصدر ضوءٍ ساطع قبل النوم (مثل شاشة التلفاز أو الهاتف الذكي)؛ يزيد من الوقت اللازم للوصول إلى مرحلة النوم العميق. كما أنه يعيق الدخول في مرحلة نوم حركة العين السريعة (مرحلة الريم)، ويعمل على ضعف التركيز، ويقلل النشاط الدماغي في اليوم التالي. إن تصفّح هاتفك الذكي قبل النوم مباشرةً قد يؤدي غالباً إلى تفاقم هذه المشاكل أيضاً.

ثانياً، بالنسبة للمنتجات التي يتساءل مرضاي عن فائدتها، فهي لا تحجب الكثير من الضوء الأزرق. فعلى سبيل المثال، لا تحجب العدسات التي تحتوي على طلاءٍ عاكسٍ للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات؛ إلا ما يقارب 15% منه.

يمكنك الحصول على نفس فائدة هذه النظارات بمجرد أن تبعد هاتفك الذكي عن وجهك بمقدار بوصة واحدة. جرب ذلك الآن ولاحظ الفرق. لم تلاحظ الفرق؟ حسناً؛ يجب أن لا تتفاجأ أن تحليل التلّوي الأخير؛ قد خلص إلى أن العدسات والطلاءات العاكسة، والحاجبة للضوء الأزرق ليس لها تأثيرٌ معنوي على نوعية النوم أو التخفيف من أثر سطوع شاشة الكمبيوتر، أو أي أثرٍ معنوي على صحة شبكية العين.

(تحليل التلّوي هو تطبيق الطرق الإحصائية على نتائج عدّة دِراسات قد تكون متوافقة أو متضادّة، وذلك من أجل تَعيين توجُه أو مَيل تلك النتائج أو لإيجاد علاقة مُشتركة ممكنة فيما بينها).

ما الحل إذاً؟

الضوء الأزرق, شاشات, لاب توب, تقنية, صحة

هناك طرقٌ للتخفيف من أثر التعرض الطويل لشاشة الكمبيوتر على نومنا وجعلها أكثر راحةً لأعيننا.

أولاً: قم بإيقاف تشغيل أجهزتك الإلكترونية قبل النوم. توصي الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بأن تكون غرف النوم عبارة عن مناطق «خالية من الشاشة» بالنسبة للأطفال، لكن يجب علينا جميعاً الأخذ بهذه النصيحة، وليس الأطفال فقط. خارج غرفة النوم، عندما حاول قدر الإمكان التخفيف من سطوع الشاشات أمامك.

بالنسبة لإجهاد العين، تأكد من حصولك على النظارات أو العدسات اللاصقة المناسبة، وينبغي الاعتماد فقط على طبيب العيون، أو اختصاصي البصريات في الحصول على المناسبة منها.

ينبغي علينا الإهتمام بما يجري على أسطح أعيننا، ففي الواقع، نحن لا نقوم فقط بالنظر إلى شاشات الكمبيوتر وحسب، وإنما نحدّق فيها ملياً، مما يؤدي لخفض معدل الومضات (رمش العين) من 12 ومضة في الدقيقة إلى 6 ومضات. يؤدي ذلك لتبخر الدموع من العين وجفافها، ولا تعود إلى مستواها الطبيعي إلا بعد أن نبتعد عن الشاشة، ونبدأ في الرمش بشكلٍ طبيعي. إنها أحد الأسباب التي تؤدي لإصابة سطح العين بالالتهابات التي تؤدي لإجهاد العين، وتعبها بعد قضاء يوم عملٍ على شاشة الكمبيوتر. أنصح مرضاي دائماً بالقيام بأمرين لضمان أن تبقى عيونهم رطبةً أثناء جلسات الكمبيوتر الطويلة:

أولاً: اتبع قاعدة «20-20-20». تشرح جمعية البصريات الأميركية هذه القاعدة بأنها: أخذ استراحةٍ من النظر إلى شاشة الكمبيوتر لمدة 20 ثانية كلّ 20 دقيقة، وانظر إلى شيءٍ ما على بعد 20 قدماً (6 أمتار). هذه اقاعدة ستمنح الفرصة لعينيك للوميض والتمدد والاسترخاء. هناك العديد من تطبيقات الهاتف التي تذكرك بالقيام بهذا الإجراء طوال جلسة العمل.

ثانياً: استخدم قطرات تشحيم العين قبل الاستخدام المطوّل للكمبيوتر. هذا التكتيك سيعزز إفراز الدموع طبيعياً في العين، ويحافظ بالتالي على رطوبة العين. لكن تجنّب أنواع القطرات التي تدعي أنها تزيل الإحمرار من عينيك، فهي تحوي مواداً قد تتسبب في احمرار العين طويل الأمد، ومواد حافظةً قد تضر طبقات العين الخارجية. أفضّل القطرات التي توجد عليها عبارة «خالٍ من المواد الحافظة»، فهي تعمل بشكلٍ أفضل.

بناءً على بحثي، فإنني أنصح بعدم إعطاء أي أهميةٍ للضجيج المُثار حول الضوء الأزرق، ولا تشترِ المنتجات التي تزعم أنها تحجبه أو تخفف منه، فهي مضيعةٌ للمال لأنك لا تحتاجها. كلّ ما عليك فعله، إبقاء الشاشات خارج غرفة نومك، قم بتخفيض سطوعها في الساعات الأخيرة قبل النوم، وابق عينيك رطبةً قدر الامكان. صحيح، لا تنسى أن ترمش أيضاً.

تم نشر هذا المقال بواسطة «فيليب يوهاس» في موقع ذا كونفيرسيشن