Image

التوازن الضروري بين سحر الأعياد وحقائق الحياة.

Bread assortment بابا نويل لن يأتي إليكم.
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

كان يا ما كان، في الليلة ما قبل الميلاد، كان المنزل ساكناً، ولم يكن هناك أي مخلوق يتحرك أو يصدر صوتاً، باستثناء ضميرك.

لا شك في أن بابا نويل ذا الوجنتين الورديتين يعتبر التجسيد الأكثر شهرة لبهجة أعياد الكريسماس، ولكن هذا الرجل الضخم ذا البدلة الحمراء المغطاة بالثلج يمثل أسطورة تجلب التوتر. وما بين شراب البيض التقليدي الذي يُقدم في هذه المناسبة، والتراتيل الخاصة بعيد الميلاد، يعاني الأهالي من ضغط الاعتبارات الفلسفية والنفسية: هل عليهم أن يشاركوا أولادهم هذه الأكذوبة السنوية حول ذلك الرجل المربوع من القطب الشمالي؟ وإذا فعلوا هذا، فمتى يحين وقت كشف الحقيقة، والاعتراف بأنه لا يوجد أي شخص يهبط من المدخنة لإيصال الهدايا، وأنه لا يوجد أي شيء سحري يتعلق بصباح عيد الميلاد على الإطلاق؟

تعود أسطورة القديس نيكولاس العجوز إلى أكثر من 1,500 سنة، وتتضمن خليطاً متنوعاً من القديسين المسيحيين، والأفكار الأدبية، والمفاهيم الوثنية. غير أن الصورة العصرية لهذا الرجل البهيج الذي يركب زلاجة تجرها غزلان الرنة لم تترسخ إلا في آخر 200 سنة، مع ظهور أعمال أدبية مثل قصيدة تعود إلى 1823 باسم “زيارة من القديس نيكولاس”، التي تشتهر باسم آخر هو “ليلة ما قبل الميلاد”. وقد وصل تأثير بابا نويل حالياً إلى درجة أن التقاليد المبنية عليه اخترقت الثقافة الأميركية العلمانية على نحو واسع؛ ففي 2017 تبين في أحد الاستبيانات أن نسبة هائلة تبلغ 85% من الأطفال بعمر 4 سنوات في الولايات المتحدة يؤمنون بوجود بابا نويل.

ولكن على الرغم من الحضور الطاغي لكريس كرينجل (اسم آخر من أسماء بابا نويل)، فما زال الخبراء منقسمين حول فوائد ميثولوجيا بابا نويل، أو “أكذوبة بابا نويل” كما يسميها ديفيد كايل جونسون (وهو بروفيسور في الفلسفة في جامعة كينج في بنسلفانيا، ومؤلف كتاب “The Myths That Stole Christmas“).

وقد أخبرني جونسون على الهاتف قبل عيد الشكر بفترة قصيرة: “ما أعترض عليه هو الترويج للإيمان ببابا نويل بالمعنى الحرفي”. ويوضح جونسون (وهو الخبير بالمنطق الصوري) في كتابه الحجةَ الأخلاقية ضد تلقين هذه الأساطير للأطفال. وأكثر ما يخشاه هو أن هذه الأفكار قد تثبط من التفكير النقدي، فإذا بدأ الأطفال بتوجيه الأسئلة عن بابا نويل أو التعبير عن الشك في وجوده، يسارع الكثير من الأهالي إلى استخدام أكوام من “البراهين” لإثبات وجوده، بدءاً من مقالات صحفية قديمة للغاية (“أجل يا فيرجينيا، بابا نويل موجود”) إلى نظام تتبع بابا نويل التابع لقيادة دفاع الفضاء والجو في أميركا الشمالية، ووصولاً إلى الموقع الذي يديره الجيش الأميركي، وهو الذي “يتتبع” حركة بابا نويل حول العالم. حتى أن “سيري” لن تعطيك إجابة صريحة ومباشرة.

وقد يبدو هذا ظريفاً لنا، ولكن جونسون يعتقد أن هذه الأساليب تشجع على السذاجة في التفكير، حيث يقول: “إذا قلنا للأطفال إنهم يجب أن يؤمنوا بوجوده على أي حال، على الرغم من الأدلة المعاكسة، فهذه سابقة خطيرة للغاية ستؤثر عليهم فيما بعد”. وبدلاً من هذا، ينصح جونسون بمشاركة قصة بابا نويل على أنها قصة وحسب، ويقول: “ما زلنا نذهب لرؤية بابا نويل في المجمع التجاري، ففي السنة الماضية كان ابني بعمر أربع سنوات، وقلت له: سنذهب لرؤية بابا نويل. إنه مجرد شخص عادي يرتدي زياً تنكرياً، ولكننا سنراه على سبيل اللعب والتسلية”. ويقول جونسون إنهم أمضوا وقتاً رائعاً، دون الحاجة إلى الخداع.

كما يقول جونسون إن الخطر لا يحدق فقط بمهارات التفكير النقدي، حيث إن معظم الأولاد الذين يحبون بابا نويل يكبرون دون مشاكل تذكر، غير أنه يذكر في كتابه العديد من القصص التي أخبره فيها أشخاص حقيقيون عن الصلة بين اكتشاف زيف بابا نويل -تلك اللحظة التي يدركون فيها استحالة وجود هذا النظام القائم على رجل يوصل الهدايا مثل شركة أمازون ولكن على مزلجة- وفقدان الثقة بأهلهم، بل حتى التعرض لأضرار نفسية مؤلمة.

ولا يعتبر هذا دليلاً أكاديمياً بطبيعة الحال، وليس من الضروري أن يصاب أطفالك بأزمات نفسية عند افتضاح الكذبة، ولكن من المنطقي على الأقل أن نقول إن بعض الأطفال سيتعرضون بلا شك إلى الانزعاج والارتباك عند اكتشاف الحقيقة. وقد أورد جونسون في كتابه أن الأطفال “يشعرون بالفضول إزاء العالم، ويرغبون في معرفة المزيد عنه، ويثقون في أهلهم لتقديم المعلومات الدقيقة. وعندما نخبرهم بكذبة بابا نويل، فإننا نخون هذه الثقة”.

ومن ناحية أخرى، تنظر سيندي شيب إلى الموضوع بطريقة مختلفة، وتقول: “بالنسبة لي، فإن بابا نويل أقرب إلى قصة منه إلى كذبة”. وتعمل شيب بروفيسورة في علم النفس بجامعة إيثاكا، وهي مديرة تنفيذية لمشروع لوك شارب (وهي منظمة للتثقيف الإعلامي)، وقد كانت تدرس اعتقاد الأطفال ببابا نويل على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وما زالت من المناصرين لهذه القصص الشتائية. وعندما طلبت منها إجراء مقابلة، قالت لي: “بكل تأكيد، يسرني أن أتحدث عن بابا نويل في أي وقت”.

وقد بدأت العلاقة الأكاديمية الطويلة بين شيب وبابا نويل منذ مرحلة الدراسات العليا، حيث كانت تؤدي دور أحد أقزام بابا نويل في عمل مسرحي حول عيد الميلاد، وتستذكر ما كان يحدث قائلة: “كان الأطفال الصغار كثيراً يخشون من بابا نويل، ولكن معظم الأطفال (حتى عمر السابعة تقريباً) كانوا يشعرون ببهجة عارمة لرؤيته، ويهتفون: هذا بابا نويل! أما الأولاد ما بين 7 و9 سنوات، فقد كانوا من المشكِّكين، وكانوا يحضرون هذه المناسبات لجمع بعض البيانات حول مدى مصداقية وجود هذا الرجل. لقد كانت النظرة على وجوههم مختلفة للغاية”.

فصممت شيب على معرفة السبب، ولهذا قامت بجمع البيانات ضمن ثلاث “موجات” على مدى عدة عقود، واكتشفت أن الأولاد متشابهون إلى حد كبير عبر الأجيال المختلفة. وتقول: “لقد كنا نتوصل إلى نفس النتيجة، وهي أنه في عمر يتراوح وسطياً ما بين 7 و8 سنوات، يفقد الأولاد إيمانهم ببابا نويل، ولكن ضمن مرحلة انتقالية قد تدوم لسنتين تقريباً”. وحتى مع ظهور الإنترنت -حيث يمكنك من الناحية النظرية أن تكتشف حقيقة الأمر بنقرة واحدة- لم تتأثر هذه الحلقة المتكررة.

ويبدو أن نقطة التحول -التي تفصل ما بين الأطفال المؤمنين والأولاد المشككين- تتعلق بشيء يسمى “التفكير العملياتي الراسخ”؛ وهو مرحلة أساسية في نظرية التطور الإدراكي لعالم النفس السويسري جان بياجيه. يقول بياجيه إن الأولاد عندما يكبرون، فإن تفكيرهم يصبح أكثر تنظيماً، ويبحثون عن صلات منطقية قوية بين الأشياء بعد أن كانوا مكتفين بعلاقات ضئيلة الواقعية من قبل.

ولن يتمكن بابا نويل من الصمود في وجه أي تدقيق، صحيح أننا نعرف ولداً ما بقيَ يؤمن ببابا نويل حتى المرحلة الثانوية، ولكن في عمر 12 سنة يدرك معظم الأولاد أن غزلان الرنة لا تستطيع الطيران، وأنه يستحيل على رجل واحد أن يدخل في كل مدخنة في العالم في نفس الوقت، أو يعثرون على ثغرة أخرى في هذه القصة المنتشرة على مستوى المجتمع. تقول شيب: “إنهم أشبه بعلماء صغار. يكتفي الأولاد الصغار بأن يصفوا الأمر بالسحر، ولكن الأولاد الأكبر عمراً لا يقبلون إلا بأشياء منطقية وواقعية تماماً”.

وليس من السهل مقارنة نظرتين بهذا الاختلاف مثل أخلاقيات جونسون وملاحظات شيب الإحصائية، ويجب على كل عائلة أن تحدِّد تقاليدها بنفسها. ولكن بعد الحديث مع كلا الباحثين حول شغفهما الأكاديمي ببابا نويل، توصَّلت إلى هذا الاستنتاج الميلادي: إن مخاوف جونسون من أن بابا نويل يشجع على التفكير السطحي صحيحة، ولكن فقط إذا أثَّر الأهل على الأولاد بشكل يؤدي بهم إلى هذا الفشل. كما أن بيانات شيب تشير إلى أنه لا مشكلة في أن يزرع الأهل في أولادهم الإيمان ببابا نويل، بشرط الإجابة عن الأسئلة الواعية للأولاد بصدق.

إذا اخترت أن تحكي لأولادك قصة بابا نويل، فلا شك أنها قصة رائعة، ولكن يجب أن تكون مستعداً لإيقاف هذه اللعبة ما إن يبدأ الأولاد باكتشاف الثغرات فيها. وباختصار: لا تحاول أن تستمتع بإطالة أمد الخدعة؛ حيث تقول شيب: “يمكنني أن أؤكد لك -بعد كل الأبحاث التي أجريتها- أن الإحساس بالصدمة وفقدان الثقة أمر نادر، ولكنه موجود على أي حال. ووفقاً لملاحظاتي، فإن هذا يحدث في أغلب الأحيان عندما يتم إطلاع الولد على الحقيقة بشكل مباشر دون أن يسأل، أو إذا تمسك الأهل بالكذبة عندما يصبح الولد جاهزاً للتخلي عنها”.

وماذا عن المتأخرين ممن يستمرون في الإيمان ببابا نويل في المرحلة الثانوية؟ مع اقتراب عيد الميلاد، تقول شيب إنه يجب أن تجمع ما بين التفكير الإستراتيجي والحساسية في التعامل مع هذه المسألة، ويمكنك أن تبدأ بالتقليل من دور بابا نويل في عيد الميلاد، وتتحدث أكثر عن دورك في تأمين الهدايا الموجودة تحت الشجرة. وإذا لم يكن أولادك يثيرون أي تساؤلات، يمكنك أنت القيام بذلك، وأثناء زيارة المجمع التجاري، خاطِبهم لتستعلم بأسلوب لطيف عما يؤمنون به، ولماذا.

تقول شيب: “يمكن للحديث بعد ذلك أن يتضمن بشكل سلس توضيحاً أبوياً عن الفرق بين الإيمان ببابا نويل كفكرة بهيجة، والشخص الذي يملأ الجوارب الكبيرة بالهدايا فعلياً”. وهي تضيف أنه يجب ألَّا تنسى في النهاية أن تؤكد لهم أن من الممكن للحكاية أن تستمر، وذلك عندما “يتعين عليك أن تلعب دور بابا نويل بالنسبة للآخرين”.

error: Content is protected !!