Reading Time: 4 minutes

تمت مراجعة المادة الأصلية من قبل «بيلي بونيفسكي»، عالمة السلوكيات الصحية في كلية الصحة والطب والمرأة في جامعة نيوكاسل.


بالتأكيد لاحظت مؤخراً بعض عناوين الأخبار التي تشير إلى أن التدخين قد يحمي من الإصابة بفيروس كورونا، وبالتأكيد تفاجأت بذلك خاصة بعد النصائح والإرشادات التي تفيد بالحفاظ على الرئتين والاقلاع عن التدخين خلال أزمة كورونا.

لكننا نعلم أن التدخين ضار بصحتنا. فهو سبب رئيسي للإصابة بأمراض القلب والرئة والعديد من أمراض السرطان. كما يُضعف التدخين مناعتنا، ويجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي بما في ذلك الالتهاب الرئوي. كما يعد المدخنون أكثر عرضة للإصابة بالفيروس نظراً لأنهم يميلون للمس وجههم، وفمهم أكثر.

تقترح نتائج المراقبة الأولية أن تاريخ التدخين السابق قد زاد من شدّة أعراض المرضى المصابين بفيروس كورونا، كما ذكرت منظمة الصحة العالمية والهيئات الصحية الأخرى.

لكن ورقة بحثية حديثة فحصت معدلات التدخين بين مرضى فيروس كورونا في مستشفى فرنسي؛ افترضت أن التدخين قد يجعل الأشخاص أقل عرضة للإصابة بالفيروس. ولكن ماذا يعني ذلك؟

كيف تمت الدراسة؟

كانت الدراسة عبارة عن دراسة مقطعية، حيث قيّم الباحثون فيها علاقة التعرض (وهو التدخين) بالنتيجة (وهي الإصابة بفيروس كورونا). لكن هذا النوع من تصميم البحث لا يمكن أن يثبت أن التعرّض يسبب النتيجة، فهو يثبت فقط أنّه من المحتمل أن هناك ارتباط ما.

ضمّت الدراسة مجموعتين، الأولى كانت عبارة عن 343 مريضاً تلقّوا العلاج من فيروس كورونا في الفترة بين 28 فبراير/ شباط وحتى 30 مارس/ آذار، وضمّت المجموعة الثانية 139 مريضاً تلّقوا العلاج في الفترة بين 23 مارس/ آذار إلى 9 أبريل/ نيسان. وقد أجاب المشاركون عن أسئلة أخرى ضمن استبيانات هدفت لجمع المعلومات، وكان من بين الأسئلة هل يدخنون حالياً أم لا؟

ثم قارن الباحثون معدلات التدخين في كلا المجموعتين مع معدلات التدخين في عموم السكان الفرنسيين.

النتائج

وجدت الدراسة أن 4.4% من المرضى الداخلين (الذين يتم إدخالهم المستشفى لتلقي الرعاية الصحية) و5.3% من المرضى الخارجيين (من يتلقون العلاج بدون دخولهم المُستشفى) المصابين بفيروس كورونا كانوا مدخنين، وذلك بعد ضبط الاختلافات في العمر والجنس. كانت النسبة بسيطة مقارنة بنسبة المدخنين في فرنسا، والتي بلغت عام 2018 نحو 25.4%. وقد خرجت 28 دراسة أخرى في استعراضٍ سريع في بلدان مختلفة من العالم بنتائج مشابهة لنتائج هذه الدراسة مؤخراً.

يؤكّد مؤلفا الدراسة ما يلي:

– «لدى المدخنين الحاليين احتمال أقل بكثير لأن تظهر لديهم أعراض الإصابة بالفيروس، أو أن تتطوّر لديهم أعراضٌ شديدة نتيجة الإصابة به مقارنة مع عامة السكان».

يقترح مؤلفو الدراسة الفرنسية أن السبب وراء الأثر الواقي للتدخين ربّما يكمن في مادة النيكوتين. في الواقع، يتمكّن فيروس كورونا من الدخول إلى الخلايا البشرية عن طريق الارتباط بمستقبلات البروتين المُسمّاة «ACE2»، والتي توجد على أسطح خلايا معينة. لكّن النيكوتين يمكن له يرتبط بهذه المستقبلات ليمنع بالتالي الفيروس من الارتباط بها، أي تقليل كمية الفيروس التي يمكن أن تدخل إلى خلايا رئة المريض.

يخطط الباحثون الآن لاختبار فرضيتهم في تجربة عشوائية تتضمّن استخدام لصاقات النيكوتين، رغم أنّ إجراء أي تجربة متوقف وبانتظار موافقة السلطات الصحية الفرنسية.

كيف يجب علينا أن نفسّر النتائج؟

قد تكون نتائج هذه الدراسة المناقضة للبديهيات ناتجة عن عددٍ من «التحيّزات»، لذلك دعونا نستكشف بعض التفسيرات البديلة.

التحيّز الأوّل: هو ما نسميه «تحيّز الاختيار»، والتي لا تحقق التوزيع العشوائي الصحيح للعينة المدروسة. فقد يكون مرضى المستشفى أقل عرضة للتدخين اليومي من عامة السكان. فعلى سبيل المثال، تمّ تمثيل المرضى من العاملين في المجال الصحّي بالإضافة لمرضى يعانون من أمراضٍ مزمنة حالية بشكلٍ غير متناسب في عيّنة المرضى الداخليين، حيث تُظهر كلا المجموعتين نسبة أقلّ من المدخنين بين أفرادها عموماً.

وبالإضافة إلى ذلك، كان حوالي 60% من المرضى في المستشفى مدخنين سابقين. ربما توقفوا عن التدخين مؤخراً استجابة لإعلان منظمة الصحة العالمية بأن التدخين من العوامل الخطرة التي تزيد من احتمال الإصابة بفيروس كورونا ومضاعفاته، إلا أنّهم صُنّفوا كمدخنين لا يدخنون يومياً في الدراسة.

التحيّز الثاني: هو ما نطلق عليه «التحيّز للمقبول اجتماعياً». فقد يكون مرضى فيروس كورونا أكثرُ ميلاً للنفي عندما يُسألون عما إذا كانوا يدخنون أم لا، ويريدون أن ينظر إليهم الأطباء على أنهم يفعلون الشيء الصحيح.

وربما كان هناك نقص في جمع البيانات حول الأسئلة السلوكية في المستشفيات المزدحمة؛ نظراً لكثرة حالات الإصابة بالفيروس، والاضطراب الذي يحدث في هذه الحالات في المشافي.

من المهم أخيراً أن نلاحظ أن هذه الورقة لم تخضع لمراجعة الأقران بعد.

وبالنظر إلى جميع هذه الأسباب، ورغم وجود علاقة ارتباط بين التدخين وانخفاض أعراض المرض بين المرضى في المستشفى، إلا أنّه لا يوجد دليل على وجود أية علاقةٍ سببية، أي التدخين لا يمنع الإصابة بمرض كوفيد-19.

الكثير من الأبحاث تظهر بسرعة كبيرة

يجب أن نقرّ بأن هذا البحث قد أجري في فترةٍ زمنية قياسية، أسرع بكثير من الأُطر الزمنية المعتادة للبحث. فعادة ما تستغرق مثل هذه الأبحاث عدة أشهر بين تقديمها ومراجعتها، ونشرها أخيراً. لكن في هذه الحالة أكمل الباحثون مراقباتهم ونشروا البحث عبر الإنترنت خلال شهرٍ واحد.

من النتائج غير المقصودة (والسلبية) للنشر المبكر للأبحاث أنها قد تثير أمل المجتمع، أو الاعتقاد غير المبرر في العلاجات غير المثبتة. فبعد نشر هذه الدراسة؛ اُضطرت السلطات الفرنسية إلى تقييد مبيعات منتجات النيكوتين، حتى لا يلجأ الناس إلى شرائها بكميّات كبيرة وتخزينها.

ولقد رأينا ظاهرة مماثلة مؤخراً مع عقار «هيدروكسي كلوروكوين»، حيث نفذت الإمدادات التي يحتاج إليها العديد من غير مرضى كورونا، بعد أن ادّعى السياسيون أنّ العقار هو الدواء الشافي من الفيروس. في الواقع، لقد بتنا الآن بحاجة لبذل جهد إضافي للحرص على عدم إساءة تفسير الأدلّة المبكّرة، أو المبالغة بها.

أما بالنسبة لعلاقة التدخين بالإصابة بمرض كوفيد-19، فوفقاً لكتاب هذه المقالة -أدريان بومان، ليا شيبرد، وميلودي دينج-، فإنّها تحتاج المزيد من البحث والتقييم النقدي (استخدام أساليب واضحة وشفافة لتقييم البيانات في الأبحاث المنشورة)، لأن التدخين ما يزال عاملاً خطيراً يؤدي للعديد من الوفيّات حول العالم حتى الآن.

مراجعة الأقران المُغلقة

بشكلٍ عام، يمكن تقديم تفسيراتٍ بديلة لسبب انخفاض معدل التدخين بين المرضى في عيّنة المستشفى الفرنسي؛ وذلك من خلال فحص هذه الدراسة عن طريق مراجعة الأقران المغلقة.

أحد التفسيرات المقبولة هو الخطأ في تسجيل حالة التدخين. فهناك أدلة على نقص التقارير، والإبلاغ غير الدقيق عن حالة التدخين داخل عينات المستشفى بشكلٍ عام. ومن غير الواضح من الدراسة ما هيّ الطريقة التي استخدمت لجمع بيانات حالة التدخين. يذكر المؤلفون ببساطة أن المرضى «سُئلوا» و«جُمعت البيانات في سياق تقديم الرعاية الطبية لهم». من المهم معرفة من من قام بسؤال المرضى عن حالات التدخين لديهم، وما هي الأسئلة التي طُرحت تحديداً، ومتى طُرحت، وما هو نظام حفظ السجلات المستخدم؟

وحسب «بيلي بونيفسكي»، عالمة السلوكيات الصحية في كلية الصحة والطب والمرأة في جامعة نيوكاسل، فإنّه بالنظر إلى أن بيانات حالة التدخين السريري قد لا تُسجّل في البيانات بدقة لعدّة عوامل، فمن الأفضل المقارنة بين بيانات سجلّات عام 2020 مع بيانات السجلات السابقة التي تعود إلى ما قبل جائحة كورونا الحالية؛ بدلاً من الاعتماد على البيانات العامّة المتعلّقة بالسكّان، والتي تثير العديد من الأسئلة حول مصداقيتها.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن