Reading Time: 4 minutes

في الوقت الذي يتعافى فيه ملايين الأشخاص من مرض كوفيد-19، فإن السؤال الذي نود الحصول على إجابةٍ له هو: إلى أي مدى يمكن للفيروس أن «يختبئ» في جسم المتعافين؟ إذا كان ذلك هو ما يحدث فعلاً، فهل يمكن أن يفسر هذا بعض الأعراض المستمرة لمرض كوفيد-19، أو يشكّل خطراً لانتقال العدوى للآخرين حتى بعد الشفاء؟

أنا طبيب وعالم في الأمراض المعدية في جامعة فيرجينيا، حيث أعتني بالمرضى المصابين بالعدوى، وأجري أبحاثاً حول مرض كوفيد-19. سأعرض هنا باختصار آخر المستجدات المتعلقة باحتمال أن يكون مرض كورونا مزمناً، أو مستمراً.

ما هي العدوى الفيروسية المزمنة أو المستمرة؟

رغم أن ذلك يحدث في كثيرٍ من الحالات بمستوياتٍ منخفضة؛ فإن العدوى المزمنة تستمر لعدة أشهر أو حتى سنوات يستمر خلالها الفيروس بالعيش والتكاثر في جسم المريض. غالباً ما تحدث هذه العدوى فيما يُسمى بـ «الامتياز المناعي في المواقع غير المتميزة» أو «الموقع ذو الامتياز المناعي».

ما هو الموقع ذو الامتياز المناعي؟

هناك عدد قليل من الأماكن في الجسم يصعب على جهاز المناعة الوصول إليها، بالتالي يصعب عليه القضاء على جميع أنواع العدوى الفيروسية. تشمل هذه المواقع الجهاز العصبي المركزي، والخصيتين، والعين. يُعتقد أن الفائدة التطورية من امتلاك المناطق ذات الامتياز المناعي؛ هو حماية أعضاءٍ مثل الدماغ من التلف الذي تسببه الالتهابات الناجمة عن استجابة الجهاز المناعي لأي عدوى.

في الواقع، ليس من الصعب على الجهاز المناعي الوصول إلى المواقع ذات الامتياز المناعي وحسب، بل إن تلك المواقع تحد أيضاً من دخول البروتينات التي تزيد الالتهابات. فرغم أن الالتهاب يمكن أن يساعد على قتل العوامل الممرضة، إلا أنه يمكن أن يتسبب بتلف أعضاءٍ مثل المخ، أو العين أو الخصيتين. ونيجةً لذلك يحدث نوع من الهدنة غير المستقرة حيث يكون الالتهاب محدوداً لكن العدوى تستمر بالتفاقم.

العدوى الكامنة مقابل العدوى الفيروسية المستمرة

هناك طريقة أخرى يمكن أن يختبئ بها الفيروس في الجسم ليعاود إلى الظهور لاحقاً. تحدث العدوى الفيروسية الكامنة عندما يكون الفيروس موجوداً داخل الخلية المصابة لكنه خامل ولا يتكاثر. يحمل الفيروس الكامن جينوم الفيروس بأكمله، ويمكنه أن ينتقل إلى مرحلة النشاط الكامل إذا خرج من مرحلة السكون. قد يندمج الفيروس الكامن في الجينوم البشري -كما يفعل فيروس الإيدز على سبيل المثال-، أو يوجد في النواة كقطعة ذاتية التكاثر من الحمض النووي تُسمى «اليصبوغ» أو «الإبيسوم».

يمكن للفيروس الكامن أن يعاود نشاطه ويتكاثر ويصبح معدياً، ويمكن أن يحدث ذلك بعد إصابة الجسم به من عدة شهور وحتى لعقودٍ من الزمن. ولعل أفضل مثال على ذلك هو فيروس جدري الماء. فعلى الرغم من أن الجهاز المناعي يقضي عليه كما يبدو، إلا أنه يمكن أن يعود للنشاط مجدداً، ويسبب مرض «الهربس النطاقي» بعد عقود. لحسن الحظ، يمكن الوقاية من جدري الماء والهربس النطاقي عن طريق التطعيم. إن الإصابة بفيروس قادر على الكمون في الجسم يعني أنك ستبقى معرضاً للمرض مدى الحياة.

تحدث العدوى الكامنة عندما تُصاب الخلية بها، حيث يقوم الفيروس بحقن جيناته في الحمض النووي البشري. لا يمكن لجهاز المناعة تمييز هذه الخلية على أنها مصابة. يمكن أن تتحول الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من كامنة إلى نشطة إذا كانت الخلية المصابة تنتج فيروسات جديدة

كيف يسبب الفيروس عدوى كامنة؟

تُعد فيروسات الهربس أكثر أنواع العدوى الفيروسية التي يمكنها أن تبقى كامنة في الجسم فترة طويلة جداً. مادتها الوراثية هي الحمض النووي (دنا)، وليس الحمض النووي الريبوزي (رنا) كما هو الحال في فيروس كورونا المستجد. بالإضافة إلى فيروسات الهربس  1 و 2، والتي تسبب الهربس الفموي والتناسلي، تشمل عائلة فيروسات الهربس فيروس جدري الماء أيضاً. كما يمكن لفيروسات الهربس الأخرى، مثل فيروس «إبستن بار» الذي يسبب داء كثرة الوحيدات، والفيروس المضخم للخلايا الذي يسبب عدة أمراض، يمكن أن تظهر بعد فترةٍ من بقائها كامنة في الجسم.

كما تعد الفيروسات القهقرية سلسلة شائعة أخرى من الفيروسات التي تختبئ في الجسم، ولكن بآلية مختلفة عن آلية اختباء فيروسات الهربس. وينتمي فيروس الإيدز إلى هذه العائلة، حيث يمكنه حقن نسخة من الجينوم الخاص به إلى الحمض النووي البشري الذي يعد جزءاً من الجينوم البشري؛ ليبقى في حالةٍ كامنة إلى أجلٍ غير معلوم في خلايا الشخص المصاب. يحدث خلال ذلك أن جينوم الفيروس يُنسخ في كل مرة يجري فيها نسخ الحمض النووي، وانقسام الخلية.

في الواقع، من الصعب أو المستحيل على جهاز المناعة البشري القضاء على الفيروسات الكامنة، وذلك لأنه خلال فترة ركودها أو اختبائها يمكن أن يكون هناك القليل من إنتاج البروتين الفيروسي في الخلايا المصابة، أو قد لا يتم انتاجه مطلقاً، مما يسمح للفيروس بالتخفي عن جهاز المناعة. لحسن الحظ، لم يثبت أن فيروس كورونا يمكن أن يتسبب بعدوى كامنة.

هل يمكن أن تنتقل عدوى فيروس كورونا من ذكر تعافى من المرض؟

في إحدى الدراسات الصغيرة، اُكتشف فيروس كورونا في السائل المنوي في ربع المرضى أثناء العدوى النشطة، وأقل بقليل من 10% من المتعافين. ما اُكتشف في هذه الدراسة هو الحمض النووي الريبوزي الخاص بفيروس كورونا، ولم يُعرف بعد هل الحمض نفسه ما زال معدياً أو ميتاً في السائل المنوي أم لا، وهل بإمكان الفيروس فيما لو كان حياً بالفعل أن ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي؟ الكثير من الأسئلة الهامة تبقى دون إجابة.

يعد فيروس إيبولا فيروساً مختلفاً تماماً عن فيروس كورونا المستجد، ولكنه يُعتبر مثالاً على استمرار الفيروس في المواقع ذات الامتيازات المناعية. يعيش فيروس إيبولا في بعض الأفراد في المواقع ذات الامتيازات المناعية لأشهر بعد اختفاء أعراض المرض الحادة، وقد ثم توثيق إصابة الناجين من الإيبولا بالتهاباتٍ مستمرة في الخصيتين والعينين، والمشيمة والجهاز العصبي المركزي.

لذلك توصي منظمة الصحة العالمية الذكور الناجين من إيبولا باختبار السائل المنوي بحثاً عن الفيروس كل 3 أشهر. كما تقترح المنظمة أن يمتنع الأزواج عن الاتصال جنسياً لمدة 12 شهراً بعد الشفاء، أو حتى ظهور نتائج سلبية -على الأقل- لاختبارين متتالين لإيبولا في السائل المنوي. بالنسبة لفيروس كورونا، نحتاج إلى المزيد من الدراسات حول احتمال وجود إصابات مزمنة بالفيروس قبل النظر في إصدار توصياتٍ مماثلة.

هل الأعراض المستمرة بعد الشفاء من مرض كوفيد-19 تكون بسبب استمرار الفيروس؟

يتأخر التعافي من فيروس كورونا أو يكون غير مكتملاً لدى العديد من الأفراد الذين تظهر عليهم أعراض السعال وضيق التنفس، والتعب. لكن يبدو أنه من غير المرجح أن تكون هذه الأعراض البنيوية ناتجة عن استمرار الفيروس، لأن الأعراض لا تأتي من مواقع ذات امتياز مناعي.

أين يمكن أن يستمر فيروس كورونا بعد التعافي؟

تشمل المواقع الأخرى التي اُكتشف فيها فيروس كورونا هي؛ المشيمة، الأمعاء، الدم، وبالطبع الجهاز التنفسي. عند النساء اللواتي أصبن بفيروس كورونا أثناء الحمل، تصاب الأم بمشاكل في الأوعية الدموية التي تغذي المشيمة. ومع ذلك، فإن أثر ذلك على صحة الجنين لم تتحدد بعد، لكن يمكن أن ينتقل فيروس كورونا من الأم إلى الجنين عبر المشيمة. أخيراً، يستمر وجود فيروس كورونا أيضاً في الدم وتجويف الأنف، والفم لمدة تصل إلى شهر، أو أكثر بعد الإصابة.

تشير الدلائل المتزايدة إلى أن فيروس كورونا يمكن أن يصيب المواقع ذات الامتياز المناعي، ومن هناك، تنتج عنه عدوى مزمنة مستمرة ولكن ليست كامنة. من المبكر معرفة مدى تأثير هذه العدوى المستمرة على صحة أفرادٍ مثل الأم الحامل، أو مدى مساهمتها في انتشار الفيروس.

ومثل أشياء كثيرة في هذه الجائحة، ما هو مجهول اليوم قد نكتشفه غداً. لذلك اتخذ الاحتياطات اللازمة كي لا تصاب بالعدوى، أو تنقلها للآخرين.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن