Reading Time: 3 minutes

من الواضح أننا لا نستطيع أن نحزم أمتعتنا، ونحجز على متن أول سفينة فضاء، وننتقل إلى العيش على سطح القمر في الوقت الحالي. لكن ماذا لو قمنا بإعادة تشكيله في محاولةٍ لجعله أشبه بكوكب الأرض؟

كم سنستغرق من الوقت؟ كيف ستبدو النسخة الجديدة من القمر؟ وهل سيكون هذا ممكناً يوماً ما؟ وكيف يمكننا أن نفعل ذلك من الأساس؟

يجب أن نلاحظ هنا أننا لا نتحدث عن مجرد بناء قاعدة دائمة على سطح القمر، كما تفكر وكالة الفضاء الروسية أن تفعل ذلك بحلول العام 2030. نحن نتحدث عن إعادة تشكيل سطح القمر بالكامل، ليصبح أرضاً أخرى صغيرة، يمكننا العيش على سطحها في المستقبل.

لماذا القمر؟

ولد قمرنا بحجمٍ صغير للغاية؛ فقد جاء من تصادم جسم سماوي بحجم كوكب المريخ مع الأرض منذ 4.5 مليارات سنة. ونتج من هذا التصادم الهائل قرص من الصخور التي تكثفت لتشكل القمر، وجذبته الأرض ليدور حولها.

شغلت فكرة إقامة المستوطنات البشرية على سطح القمر تفكير كتّاب الخيال العلمي، وفي حين تضمنت الغالبية العظمى من القصص مستوطنات قمرية مبنية على السطح باستخدام قبب مغلقة، أو العيش تحت السطح، إلا أن هناك بعض القصص التي تضمنت تحويل القمر نفسه إلى بيئةٍ صالحة للبشر كي يعيشوا على سطحه.

لكن في الآونة الأخيرة، يحظى كوكب المريخ بهذا الاهتمام، كما يخطط رجل الأعمال «إيلون ماسك» لتحويل المريخ إلى أرض ثانية في المستقبل؛ حيث يتميز بأنه أكبر من القمر، ويملك طبقة من الجليد السميك مدفونة تحت رماله، والتي تؤيد وجود الماء.

لكن تتمثل العقبة الأساسية في إعادة تشكيل كوكب المريخ في بُعد المسافة بينه وبين الأرض، حيث سنحتاج لستة أشهر للسفر إلى هناك، بينما بالإمكانيات الحالية يمكننا الوصول إلى القمر في 3 أيام فقط. وبالطبع هكذا يكون أقرب إلينا، كما أنه يحصل على كمية كبيرة من ضوء الشمس. بالإضافة إلى أن حجمه الصغير يعني عملاً ومجهوداً وأموالاً أقل مما سنحتاجه لصنع غلاف جوي -على سبيل المثال- على سطح المريخ.

كيف سنفعل ذلك؟

ما يميز كوكب الأرض عن باقي كواكب المجموعة الشمسية هو غلافه الجوي، الذي يجعل الكوكب صالح للحياة؛ فهو لا يوفر لنا الهواء الذي نتنفسه فحسب، لكنه يحمينا من حرارة الشمس الشديدة، وأشعتها الضارة. يتكون في معظمه من غاز النيتروجين بنسبة 78%، والأكسجين بنسبة 20%، وبعض الغازات الأخرى بنسبٍ أقل، مثل الهيدروجين، والارجون، وثاني أكسيد الكربون، والميثان، والهيليوم.

أما بالنسبة للقمر، فهو يملك طبقةً رقيقةً جداً من الغازات يُطلق عليها الغلاف الخارجي، حيث تتوزع به الغازات التي نادراً ما تصطدم ببعضها البعض، بالإضافة لعدم توفر الغازات المتطايرة الضرورية للحياة، مثل النيتروجين، والهيدروجين، والأكسجين.

يمكننا التغلب على هذه المشكلة عن طريق قصف سطح القمر بمئات المذنبات التي تحتوي على الماء المتجمد والغازات المتطايرة. فعندما تطير هذه المذنبات في الفضاء القريب من الأرض، وبعد إعادة توجيه مسارها نحو القمر، وقبل اصطدامها بالسطح يجب أن نجد طريقة لتفجيرها؛ لتصبح شظايا صغيرة لا تستطيع الإفلات من جاذبية القمر، وتنتج غازات ثاني أكسيد الكربون مع بخار الماء والقليل من الأمونيا والميثان، ثم تتجمع كل هذه الغازات بالقرب من السطح لتخلق غلافاً جوياً للقمر، قد يدوم لعشرات الآلاف من السنوات.

ومع وصول المزيد من المذنبات، سيدور القمر بشكلٍ أسرع. حيث سينتقل من دورة اليوم البطيئة التي تستغرق حوالي 28 يوماً، ليصل إلى دورته اليومية الجديدة 60 ساعة؛ ليصبح بذلك قريباً بما فيه الكفاية من اليوم على الأرض. ونظراً لأن القمر لن يدور حول محوره بنفس المعدل الذي يدور به الآن، فيمكننا رؤية الجانب المظلم منه هنا على الأرض، لكنه لن يكون مظلماً بطبيعة الحال.

وقد يولّد دوران القمر تأثير يُعرف بتأثير الــ «دينامو»؛  حيث يمكن أن توقظ تلك الديناميكية المجال المغناطيسي النشط للقمر مرة أخرى، الذي يمكنه الحفاظ على الغلاف الجوي في مكانه.

سنحتاج أيضًا إلى مساعدة علماء الكيمياء الحيوية ليحضروا الطحالب الخضراء، والتي يمكنها إنتاج الأكسجين حتى نتمكن من التنفس بحرية دون الحاجة لارتداء بدلات خاصة. كما يمكننا أن نأتي بنباتات معدلة وراثياً لتناسب التربة القمرية. ويمكن استخدام الجليد المائي المُكتشف تحت سطح القمر، والموجود بكثرة في المنطقة القطبية الجنوبية، كمصدر ثابتٍ للمياه.

سوف تستغرق عملية إعادة تشكيل القمر عدة عقود، وستحتاج إلى قدراتٍ ومصادر هائلة؛ قبل أن نتمكن من البدء، سيتعين علينا إتقان الحصول على الموارد في نظامنا الشمسي، وخاصة التحكم في حركة المذنبات عبر مسافات هائلة بين الكواكب.وهذا يعني حاجتنا للصواريخ الحرارية النووية، التي طورناها بالفعل في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك الروبوتات المتطورة، والاتصالات المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية. وبمجرد أن نملك كل هذه الإمكانيات، يمكننا الوصول إلى أعلى، وإعادة تشكيل القمر ليصبح صالحاً للحياة.