Image

اقتراح لبناء منظومة بلوك تشين إسلامية مستدامة.

Bread assortment

لا شك في أن البلوك تشين يعتبر حجر الأساس للاقتصاد المستقبلي المعرفي. وسواء كان ذلك ببناء مطارات تعتمد على هذه التقنية، أو حتى بحل بعض المشاكل البيئية، فإن مستقبل هذه التقنية يزخر بالاحتمالات والإمكانيات.

وحتى نفهم كيف يمكن لتقنية البلوك تشين أن تساعد على إحداث تغييرات كبيرة في عالمنا، من المفيد أن نحدد خصائصها المميزة. ومن أهمها سجل الحسابات الموزع وغير القابل للتغيير، والتشفير المتطور الذي يجلب ميزة جديدة وهامة إلى شبكات الحواسيب واسعة النطاق، وهي الثقة. ويتراوح هذا ما بين الثقة في امتلاك عملة مشفرة أو بضائع رقمية، أو الثقة في أصلها، أو الثقة في صحة التعاملات، وبشكل مشابه -ربما- للثقة الزائفة التي وضعها الجنود الساسانيون في تلك السلاسل الصدئة المستخدمة في المعارك.

وقد تكون الثقة الأهم هي ثقتنا في نموذج الأعمال اللامركزي للبلوك تشين، الذي يعرف أيضاً باسم: المنظمات المؤتمتة اللامركزية (اختصاراً: داو DAO)، التي تتميز ببنية حيادية، حيث إن جميع البيانات والنصوص البرمجية التي تعتمد عليها تكنولوجيا البلوك تشين مفتوحة للجميع.

مصدر الصورة: تقدمة من المنتدى الاقتصادي العالمي

وعلى الرغم من كل هذه الضجة الإعلامية، يجب مواجهة الكثير من التحديات الهامة إذا رغبنا في أن تكبر تقنية البلوك تشين وتنتشر بشكل مماثل لأسلافها من التقنيات العامة الأخرى، مثل الراديو والتلفزيون والإنترنت، أو بشكل أكثر تحديداً، الجيل السابق من البروتوكولات المشتركة، مثل بروتوكول التحكم في النقل وبروتوكول الإنترنت TCP/IP وبروتوكول نقل النص التشعبي HTTP وبروتوكول نقل البريد البسيط SMTP… إلخ.

تقليدياً، كانت هذه البروتوكولات النحيلة (البروتوكول النحيل يعتمد على تمثيلات مبسّطة لمكونات وحدة البيانات) تنتج مقادير هائلة من القيمة، ولكن أغلبية هذه القيمة التُقطت وأعيد تركيزها في الأعلى عند طبقة التطبيقات، على شكل بيانات في أغلب الأحيان (مثل جوجل وفيسبوك وغيرها). وتتألف البنية البرمجية الطبقية للإنترنت، من حيث توزيع القيمة، من بروتوكولات “نحيلة” وتطبيقات “مُكتنِزة” (وتسمى “ثرية” أيضاً، حيث يمكنها العمل بشكل مستقل عن المخدّم).

ومع تطور التكنولوجيا، أدرك المستثمرون أن الاستثمار في التطبيقات يعطي عوائد مرتفعة، في حين أن الاستثمار في تقنيات البروتوكولات يعطي عموماً عوائد أقل. غير أن العلاقة ما بين البروتوكولات والتطبيقات معكوسة في البنية الطبقية للبلوك تشين؛ حيث تتركز القيمة في طبقة البروتوكولات المشتركة، ويتم توزيع جزء صغير منها في طبقة التطبيقات، أي أنها بنية طبقية ذات بروتوكولات “مُكتنِزة” وتطبيقات “نحيلة” (التطبيق النحيل أو العائل يعتمد على المخدم في عمله).

 

سواء أكنت نحيلاً أم مُكتنِزاً، وقرصاناً معلوماتياً شريراً أم نصفَ شرير.
مصدر الصورة: تقدمة من جامعة سوكيافا

ومهما كان وضع هذه التقنيات، مُكتنزةً كانت أو نحيلة، فهي جميعاً تواجه مشاكل مشتركة من حيث الفوز بثقة المستخدم وتقبله لها، وعوائق الأداء (بما فيها تنسيق العمل الداخلي وإمكانية تغيير الحجم واستهلاك الطاقة)، والمشاكل الأمنية (بما فيها التحقق من الهوية والتأكيد السيبراني)، إضافة إلى المشاكل القانونية والتنظيمية. وما أن يتم تذليل هذه المعوقات، ستنضج التقنية بحيث تبدأ تطبيقاتها بالنمو في عدة قطاعات وأنظمة.

إدخال البلوك تشين في التكنولوجيا المالية الإسلامية

يعرف الوقف (المسمى أيضاً بالحبوس) بأنه هبة خيرية لا يمكن التصرف فيها تحت القانون الإسلامي، وعادة ما تكون على شكل تقديم مبنى أو قطعة أرض أو غيرها من الممتلكات لأغراض خيرية، دون وجود نية لاستعادتها، ويمكن أن تخضع هذه الممتلكات الموهوبة لملكية مؤسسة خيرية. ويعرف الشخص الذي يقدم مساهمات كهذه بالواقف، أو الواهب، وعادة ما يعتبر هذا الوقف تقدمة من العائلة بصفته مصدراً دائماً للحسنات إلى يوم القيامة.

تعني كلمة الوقف حرفياً: التقييد والمنع، أو إيقاف شيء أو تثبيته. أما المعنى القانوني للوقف وفقاً للإمام أبي حنيفة، فهو احتجاز شيء محدد في ملكية الوقف وتخصيص أرباحه أو منتجاته “للإحسان إلى الفقراء أو غيرها من الأهداف السامية”.

ووفقاً لفقيه شهير آخر، وهو بهاء الدين يلدز، فإن الوقف يعرف على أنه نظام (استعدوا لمقارنته قريباً مع البلوك تشين) يتألف من ثلاثة عناصر: الخيرات والعقارات والوقف. وتشير الخيرات إلى المعامل التحفيزي خلف تنظيم الوقف. أما العقارات فهي الممتلكات، وهي تتفق مع المعنى الحرفي الشائع لكلمة عقارات، مما يشير إلى كونها مصادر لتوليد الدخل، مثل أسواق رأس المال والأراضي وآبار المياه. أما الوقف -في معناه الضيق طبعاً- فهو المؤسسات التي تؤمن الخدمات المتصلة بالملكية الموهوبة، مثل المستشفيات والمدارس والمساجد والمكتبات… إلخ.

أما الروعة في الجمع ما بين فكرة البلوك تشين التكنولوجية، والمفهوم التاريخي والتقليدي للوقف، فهي أن كلاً من هذين الابتكارين يقوم في الأساس على التعامل مع الثقة العامة والحفاظ عليها لمنفعة المجتمع ككل، سواء في الوقت الحالي أو المستقبل. وسنتحدث أكثر عن مفهوم الأمانة لاحقاً.

عناصر بناء الوقف

1- المؤسس: يعتبر الوقف -بشكله الأبسط- عقداً، وبالتالي يجب أن يكون المؤسس (الذي يسمى أيضاً بالواقف أو المحبِّس) مؤهلاً للدخول في عقد، ولهذا يجب أن يكون المؤسس:

– بالغاً

– متمتعاً بالعقل والصحة

– ذا إمكانيات مادية جيدة

وعلى الرغم من أن الوقف مؤسسة إسلامية، فإن الإسلام ليس شرطاً لازماً لتأسيسه، ويمكن للذمِّيِّين تأسيس وقف. ومن الجدير بالذكر أنه إذا كان الشخص مصاباً بمرض قاتل، فإن الوقف يخضع لنفس القواعد التي تخضع لها الوصية في الإسلام.

وهذه المسألة تمثل نقطة خلاف يجب معالجتها إذا رغبنا في تطوير وقف حقيقي يعتمد على البلوك تشين. حيث تمثل العملات المشفرة المحلية لأحدث أنظمة البلوك تشين العامة -التي لا تحتاج إلى سماحية للدخول- جزءاً من مخطط تحفيزي لتشجيع مجموعات متفرقة من الناس -الذين لا يعرفون بعضهم ولا يثقون في بعضهم- على تنظيم أنفسهم في بلوك تشين معين. ويشار إلى العملة المحلية لشبكة البيتكوين بنفس الاسم (أي: بيتكوين)، وتتمتع بقواعد حوكمة للعملة المشفرة مبنية على آليات التحفيز الاقتصادي المشفر التي تحدد الأوضاع التي تتم فيها المصادقة على تعاملات البيتكوين وإضافة كتل جديدة، مع المحافظة على السرية الكاملة لكل حامل للبيتكوين (أو محافظهم).

تشجع أنظمة البلوك تشين المبنية على العملات المشفرة ظهور “قبائل الإنترنت الموزعة”، وهي قبائل يلفها الغموض إلى درجة تضاهي غموض هوية المؤسس الأسطوري للبيتكوين، والذي يشار إليه باسم ساتوشي ناكاموتو. وعلى عكس الشركات التقليدية ذات البنية الهرمية المؤلفة من الكثير من الطبقات الإدارية (أي التنسيق البيروقراطي)، فإن البلوك تشين يشوش بنى الحوكمة العمودية الكلاسيكية بالمنظمات المؤتمتة اللامركزية السرية، والتي تجمع الناس معاً، ولكن ليس عن طريق كيان قانوني وعقود رسمية، بل بالعملات المشفرة (الحوافز) وقواعد شفافة ضمن البرمجيات. وبطبيعة الحال، ليس لدينا أية فكرة عما إذا كانت هذه المجموعات من المستخدمين مؤلفة من بالغين يتمتعون بالعقل والصحة وإمكانات مادية جيدة.

 

مصدر الصورة: تقدمة من بلوك تشين هاب

2- إعلان التأسيس: عادة ما يكون إعلان التأسيس عبارة عن وثيقة مكتوبة، ومرفقة بإعلان شفهي، على الرغم من أن أغلب الفقهاء لا يعتبرون أياً منهما ضرورياً. ومهما كان شكل الإعلان، فإن معظم الفقهاء (من المذهبين الحنفي والشافعي، وبعض فقهاء مدارس الحنبلية والشيعة الإمامية) يؤكدون على أنه غير ملزم ويمكن التراجع عنه حتى يتم تسليمه إلى المستفيدين أو وضعه في خدمتهم فعلياً. وما أن يصبح بحوزتهم، يتحول الوقف إلى مؤسسة مستقلة.

هذه المسألة أسهل بالنسبة للبلوك تشين، حيث إن أهم أسس البلوك تشين هي قدرته على تطوير عقود ذكية بين مستخدمين مختلفين (وهو ما يكافئ الإعلان عملياً) دون الحاجة إلى دفع أتعاب كبيرة للوسطاء. وليست هذه الفكرة بالجديدة، ففي 1994 أدرك نيك زابو (وهو أخصائي في القانون والتشفير) أن من الممكن استخدام السجل اللامركزي للعقود الذكية (التي تسمى أيضاً بالعقود ذاتية التنفيذ)، أو عقود البلوك تشين، أو العقود الرقمية. وضمن هذه الصيغة، يمكن تحويل العقود (أو إعلان الوقف) إلى رماز برمجي حاسوبي، يمكن تخزينه وتكراره على النظام، والإشراف عليه من قبل شبكة الحواسيب التي تدير البلوك تشين. وسيؤدي هذا أيضاً إلى ظهور تغذية راجعة للسجل، مثل نقل الأموال من الوقف وتمويل الخيرات أو العقارات.

صورة عقود ذكية.

3- الملكية: وتعرف أيضاً باسم العقارات أو الموقوف أو المحبَّس، وتستخدم لتأسيس الوقف، ويجب أن تكون خاضعة لعقد صحيح (وهو ما ناقشناه مسبقاً)، ومن الواضح أن هذا الغرض يجب ألا يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية (مثل الكحول أو المقامرة أو لحم الخنزير). وأخيراً، يجب ألا تكون هذه الأشياء ملكية عامة، أي أنه لا يمكن استخدام الملكية العامة لتأسيس الوقف، كما لا يمكن أن يكون الوقف عبارة عن ملكية مرهونة سابقاً لشخص آخر.

وعادة ما تكون الملكية أو العقارات المخصصة للوقف عموماً أشياء ثابتة، مثل الأراضي والمباني. ولكن يمكن تأسيس الوقف أيضاً بالكثير من الأشياء المتحركة (وربما حتى غير الملموسة)، وذلك وفقاً لمعظم الفقهاء الإسلاميين. وقد قال بعض الفقهاء أنه يمكن حتى استخدام الذهب والفضة (أو حتى العملات الضعيفة غير المدعومة بالذهب) لتأسيس الوقف. وسيكون من المثير للاهتمام رؤية الجدل بين الفقهاء حول الوضع الفقهي للعملات المشفرة.

4- المستفيدون: يمكن أن يكون المستفيدون من الوقف أشخاصاً أو كيانات عامة متفقاً عليها. وتقليدياً، كان المؤسس يحدد الأشخاص المؤهلين للاستفادة من الوقف، مثل عائلته أو المجتمع بأسره أو الفقراء فقط. وعادة ما تكون المرافق العامة مثل المساجد والمدارس والجسور والمقابر وسبل الشرب وآبار المياه من المستفيدين من الوقف في الكثير من البلدان الإسلامية.

وفي بعض الأحيان، يصنف المشرعون الوقف إما في فئة “الوقف الخيري”، حيث يكون المستفيدون هم العامة أو الفقراء، أو فئة “الوقف العائلي” حيث يحدد المؤسس أقرباءه كمستفيدين (في هذه الحالة، فإن امتداد العائلة أمر خاضع للجدل). غير أن هذه التصنيفات لا تخضع لمبدأ التنافي والشمولية MECE، حيث يمكن أن يكون هناك أكثر من مستفيد. وعلى سبيل المثال، فقد يشترط المؤسس أن يذهب نصف إيراد الوقف إلى العائلة، والنصف الآخر إلى عدة كيانات عامة.

ويجب أن يحقق المستفيدون الشروط التالية:

– أن يكون تحديدهم ممكناً، بحيث يجب على الأقل أن يكون بعض المستفيدين موجودين عند تأسيس الوقف، غير أن المالكيين يقولون إن من الممكن للوقف أن يوجد لفترة من الوقت دون وجود مستفيدين، بحيث تتراكم العوائد لتُعطى للمستفيدين عند ظهورهم. ومن الأمثلة على هؤلاء المستفيدين: الأطفال قبل ولادتهم.

– ألا يكونوا في حالة حرب مع المسلمين. ويشدد الفقهاء على أن المواطنين غير المسلمين في البلدان الإسلامية -أي الذميين- يمكن أن يكونوا مستفيدين بالتأكيد.

– لا يسمح للمستفيدين باستخدام الوقف لأغراض تنافي مبادئ الإسلام.

ويوجد خلاف ما بين الفقهاء حول ما إذا كان يحق للمؤسس نفسه أن يحتفظ بحقوق حصرية لاستخدام الوقف. ويتفق معظم الفقهاء على أنه ما أن يتم تأسيس الوقف، لا يمكن استرجاعه. ولا يوجد تضارب في هذه النقطة مع البلوك تشين، ولكن المشكلة الأصعب هي تقبل بروتوكول تحفيز العملة بين المستفيدين المحتملين من الوقف المشفر، وتأثير هذا على توزيع القيمة عبر ما يسمى: حلقة التغذية الخلفية للعملة المشفرة.

وعندما تزداد قيمة العملة المشفرة، فهي تجتذب انتباه المضاربين والمطورين ورواد الأعمال، ويصبحون من حملة الأسهم في البروتوكول نفسه، ويستثمرون في نجاحه. وهو ما قد يدفع ببعض هؤلاء الداعمين الأوائل بشكل غير مستحب -ربما بسبب الأرباح التي يمكن الحصول عليها من الاستثمار المبكر- إلى بناء منتجات وخدمات حول البروتوكول، بحيث يؤدي نجاحه إلى زيادة قيمة عملتهم المشفرة. وقد تنجح بعض هذه المنتجات بالفعل وتجلب مستخدمين جدداً إلى الشبكة، وربما بعض رؤوس الأموال الاستثمارية، وغير ذلك من أنواع الاستثمار. وهو ما يزيد من قيمة العملة المشفرة أيضاً ويجتذب اهتمام المزيد من رواد الأعمال، مما يؤدي إلى المزيد من التطبيقات، وهكذا دواليك.

وتوجد نقطتان يجب أن نشير إليهما فيما يتعلق بحلقة التغذية الخلفية للعملة المشفرة، الأولى هي أن القدر الأكبر من النمو الأولي يعود إلى المضاربة (وهو ما يتناقض مع الاقتصاد الإسلامي والاستثمار في القيمة). وتُبرمج معظم العملات المشفرة حتى تكون نادرة، بحيث يزداد سعر العملة ويرتفع سقف أسعار السوق للشبكة مع تزايد الاهتمام بالبروتوكول. وفي بعض الأحيان، يتزايد الاهتمام بشكل أسرع بكثير من كمية العملات، وهو ما يقود إلى تضخم فقاعي.

وإذا استثنينا حالات الاحتيال المتعمد، فقد يُعتبر هذا أمراً جيداً، خصوصاً إذا كنت من وادي السيليكون، حيث تعتبر المضاربة من أهم العوامل الدافعة لاعتماد التقنيات. وقد تكون كلتا الناحيتين في المضاربة اللامنطقية -أي الربح الكبير والخسارة الكبيرة- مفيدتين للغاية للإبداع في مجال التكنولوجيا؛ حيث يفترض بالربح الكبير أن يجتذب رؤوس الأموال للحصول على أرباح مبكرة، وقد يتم إعادة استثمار جزء منها في الابتكار (كم واحداً من مستثمري إيثيريوم كان مستعداً لإعادة استثمار أرباحه من بيتكوين؟ وكم من مستثمري داو كانوا مستعدين لإعادة استثمار أرباحهم من إيثيريوم؟)، كما يمكن للخسارة الكبيرة في الواقع أن تدعم التقبل بعيد المدى للتقنيات الجديدة، حيث إن الأسعار ستهبط في نهاية المطاف، وسيسعى حملة الأسهم المفلسون إلى استعادة خسائرهم بالترويج للتقنية وزيادة قيمتها، ويكفي فقط أن ترى عدد شركات البيتكوين الحالية التي أنشأها أول من تقبلوا هذه التقنية بعد انهيار 2013.

أما النقطة التالية التي تستحق الإشارة إليها فهي ما يحدث في نهاية الحلقة. فعندما تبدأ التطبيقات بالظهور وتبدي علامات مبكرة للنجاح، سواء عبر تزايد الاستخدام أو تزايد الاهتمام (أو تقديم رأس المال) من المستثمرين، يحدث لبروتوكول العملة المشفرة في السوق أمران: الأول هو أن يجتذب البروتوكول مستخدمين جدداً، مما يزيد على الطلب للعملات المشفرة نظراً للحاجة إليها للدخول إلى الخدمة أو الأداة، والثاني هو أن يتمسك المستثمرون السابقون بعملاتهم متوقعين المزيد من ارتفاع الأسعار، مما يؤدي إلى تقييد العرض. ويؤدي هذان المعاملان إلى ارتفاع السعر، على افتراض وجود ندرة كافية في إطلاق العملات المشفرة الجديدة، ويرتفع سقف الأسعار للبروتوكول في السوق، مما يؤدي إلى اجتذاب رواد أعمال ومستثمرين جدد، وهكذا دواليك.

وهذا هو الجزء الذي أعتبره -بشكل شخصي- إشكالياً، وأرى أنه يتناقض عموماً مع الشريعة، حيث إن التضخم الاعتباطي لخدمة ما، أو ارتفاع سعر منتج ما بشكل يتجاوز “السعر العادل”، لا يتوافقان مع المبادئ الإسلامية.

5- الإدارة: عادة ما يُسند إلى الوقف مجموعة من المستفيدين. ولهذا يتخذ المؤسس إجراءات سابقة بتعيين مدير (يسمى الناظر أو المتولي أو القيّم) ويضع قواعد لتعيين المديرين اللاحقين، وقد يقوم المؤسس نفسه بإدارة الوقف خلال فترة حياته. ولكن في بعض الحالات، يكون عدد المستفيدين محدوداً للغاية، مما يلغي الحاجة إلى مدير، ويمكن للمستفيدين أنفسهم العناية بالوقف.

وهنا يمكن للبلوك تشين أن يفيد الوقف بشكل كبير، وذلك بإدارة الوقف من قِبل المجتمع عبر واجهة إدارية للبلوك تشين، التي تدعم الإدارة الأساسية للشبكة (تطبيق، وإلغاء التطبيق، والنبضة التجريبية، والتحديث)، بحيث يمكن العمل مع الأعضاء (المستفيدين) والممتلكات (العقارات).

وكما في حالة المؤسس، يجب أن يكون للمدير -مثل أي شخص آخر مسؤول في القانون الإسلامي- صلاحية التصرف والتعاقد، إضافة إلى ضرورة توافر الموثوقية والمهارات الإدارية. ويضيف بعض الفقهاء أيضاً شرط الإسلام لإدارة هذه المؤسسة الإسلامية الدينية، على الرغم من أن الحنفيين لا يطلبون هذا الشرط، وهو ما يثير بعض التساؤلات حول الخصوصية فيما يتعلق بكشف التفاصيل المتعلقة بالمؤسس. ولا شك في ضرورة وجود مستوى من الشفافية والمسؤولية في العالم الحقيقي عند السماح للمؤسس أو المديرين بالدخول إلى شبكة الوقف المشفر.

أيضاً، هل تتذكرون الجزء السابق حول البروتوكولات النحيلة والمُكتنزة؟ من أجمل ميزات البلوك تشين أنها تُبقي كامل القيمة في بروتوكولات الوقف لا في تطبيقاته (الإدارة)، بحيث تقدم المزيد من القيمة للمستفيدين وتتجنب الوقوع في القصص المرعبة التي نسمعها حول مديري وقف ومشاريع خيرية يتقاضون 15% إلى 25% من الملكية ودخلها بصفة أنها نفقات إدارية، وهو ما يتناقض طبعاً وبشكل صارخ مع القواعد المعتمدة للنفقات الإدارية.

6- الإنهاء: عادة ما يتم تأسيس الوقف حتى يبقى بشكل دائم، ولهذا يجب أن تكون الإدارة للوقف دائمة في حال اعتماد نظام البلوك تشين. غير أن القانون الإسلامي حدد بعض الشروط التي يمكن أن تتيح إنهاء الوقف:

– إذا تعرضت بضائع الوقف للضرر أو التدمير. ويؤول الفقهاء هذا الوضع بأنها لن تستخدم بالطريقة التي أرادها المؤسس. ويجب بالتالي أن تعود البقايا إلى المؤسس أو ورثته. غير أن بعض الفقهاء الآخرين يصرُّون على استنفاد كافة احتمالات استخدام بضائع الوقف بجميع الطرق قبل الإنهاء. وبهذا، فإن الأرض مثلاً بالنسبة لهم لا يمكن أن ينتهى وقفها، وربما يمكن أن تنطبق نفس الحالة على العملات المشفرة، على الرغم من وجود بعض المساكين الذين خربوا -بطريقة ما- وحدة تخزين مليئة بالعملات المشفرة.

– إذا تضمن تشكيله ارتكاب أفعال غير قانونية في الإسلام، أو أنه لم يحقق شروط الأمانة، أو كان مناقضاً لفكرة العمل الخيري، حينئذ يمكن إعلان إلغاء الوقف من قبل القاضي. ويمكن أن نتخيل أن تتم مراقبة الوقف من قبل مجلس شريعة إلكتروني بدلاً من شخص واحد يتمتع بصلاحيات كاملة، أو كيان قانوني. وبالفعل، فإن إحداث هزة في الكيانات القضائية الحكومية -وربما حتى التشريعية- هو من الأمور التي يَعِد البلوك تشين بها وبقوة.

– يمكن -وفقاً للمدرسة الفكرية المالكية- أن يتم تحديد إنهاء الوقف في إعلان تأسيسه. حيث يتم إنهاؤه عند تحقق شروط معينة (وفاة آخر المستفيدين مثلاً)، وعندها تعود ملكية الوقف إلى المؤسس أو ورثته، أو أي شخص آخر تشير إليه الوصية الأصلية للمؤسس.

كلمة أخيرة حول الأمانة

يمكنكم أن تطمئنوا، فسواء كان الوقف في صيغته التقليدية أو شكله العصري المشفر، فإن أهم عملة هي القدرة على تشكيل نسخة واحدة من “الحقيقة”. ومن وجهة نظر أخلاقية، فإن مبدأ الأمانة يتطلب منا بشكل عام أن نتصرف بإخلاص ومسؤولية تجاه بعضنا البعض، وهو ما يتضمن الوفاء بوعودنا، وفعل ما هو متوقع منا، وتأدية واجباتنا، وباختصار: أن نكون أهلاً للثقة.

error: Content is protected !!