Reading Time: 3 minutes

سنذكر أزمة الحرائق الأخيرة في أستراليا طويلاً لأسبابٍ عدة، ليس أقلّها الخسائر المأساوية في الأرواح والممتلكات والمناطق الطبيعية التي تسببت بها. لكّن حجم التضليل الذي نشره منكروا التغيّر المناخي كان أحد العوامل الفارقة التي ميّزت هذه الأزمة.

فمع تفاقم أزمة التغير المناخي، ومعه خطر حرائق الغابات، يجدر بنا التفكير في كيفية حماية العامة من حملات التضليل في حال حدوث حرائق في المستقبل. ولكن كيف نقنع الناس بعدم الانجرار وراء حملات التضليل هذه؟ تكمن إحدى الحلول الواعدة في الفرع من علم النفس الذي يُدعى «نظرية التحصين»، والتي تعمل بمبدأ اللقاح الطبي؛ يمكننا منع انتشار فيروسٍ ما عن طريق إعطاء جرعةٍ صغيرةٍ من اللقاح للناس.

وفي حالة التضليل حول حرائق الغابات؛ هذا يعني فضح الأساطير التي يحتمل أن يرتكبها المتشككون في وقتٍ مبكر.

أكاذيب حرائق الغابات

يمكن أن يتخذ التضليل أشكالاً متعددة، مثل مغالطة الدليل الناقص، وتشويه المعلومات، والتشكيك في الإجماع العلمي من خلال تقديم خبراء مزيفين، والتلفيق المباشر الواضح.

فيما يتعلق بمسألة حرائق الغابات في أستراليا، لا يوجد أدنى شكّ علمي في أن التغير المناخي الذي يسببه الإنسان يزيد من حجمها وتواترها، لكن انتشرت ادعاءات كاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي -وأماكن أخرى في الآونة الأخيرة- سعت إلى الصيد في المياه العكرة؛ مثل:

1. نشر العديد من الانتهازيين أخباراً تقول إن حرائق الغابات مُتعمّدة، مما يقلل من دور التغير المناخي في نشوبها.

2. نشر موقع «نيوز كروب» أخباراً تقول أنّه قد أُلقي القبض على أكثر من 180 شخصاً من مُشعلي الحرائق في الأشهر القليلة الماضية. كانت هذه الأرقام مبالغٌ فيها إلى حدٍ كبير، وشوّهت الأرقام الحقيقية.

3. انتشرت أخبار تعمّد إشعال الحرائق المضللة بشكلٍ كبير بعد أن قام ابن الرئيس الأميركي بإعادة نشر تغريداتٍ هذه الأخبار الكاذبة. كما كرّر وزيرٌ في الحكومة البريطانية هذه الادّعاء الخاطئ في مجلس العموم.

4. قدم «جون باريلارو»، زعيم الحزب الوطني في «نيو ساوث ويلز» وآخرين اقتراحاً بتقييد إشعال الحرائق المُتحكم فيها كطريقةٍ للحد من مخاطر الحرائق الطبيعية في نيو ساوث ويلز، مما تسبب في المزيد من الحرائق.

5. ادّعى المعلقون من المحافظين أن حرائق الغابات التي وقعت في الفترة 2019-2020 لم تكن أسوأ من الماضي، وهي أمر معتاد في أستراليا.

ما هو المتوّقع بعد ذلك؟

تشير علوم المناخ بوضوح إلى أن أستراليا تواجه ظروفاً مناخية أخطر، تهيئ لمزيدٍ من الحرائق في المستقبل. وبالرغم من ذلك، فإن التشكيك بتأثير التغير المناخي المنظم سيستمر حتماً.

وقد أظهرت الأبحاث مراراً وتكراراً أنه إذا كان العامّةُ على إطلاعٍ مسبق، ومعرفة بالمعلومات المضللة التي من المرجح أن يواجهوها، ومعرفة عدم صوابيتها، فمن غير المرجح أن يقبلوا بصحتها. وذلك ما يُسمّى بالتحصين أو التطعيم المُسبق.

يشمل هذا التحصين عنصرين مهمين؛ الأول، تحذيرٌ صريح من محاولات وشيكة للتضليل. والثاني، تقديم دحضٍ للمعلومات المضللة المُتوقع انتشارها.

على سبيل المثال، أظهرت الأبحاث أنه إذا قِيل للناس «كيف استخدمت صناعة التبغ خبراءَ مزيفين لتضليل الرأي العام حول المخاطر الصحية للتدخين»، فإن احتمال تعرضّهم للتضليل سيكون أقلّ من خلال الإستراتيجيات المماثلة التي يستخدمها منكروا التغير المناخي.

لذلك من المهم استباق المرحلة التالية من انتشار المعلومات المضللة عن أسباب كوارث حرائق الغابات. تتمثل إحدى الإستراتيجيات المحتملة في تضليل العامّة؛ هي استغلال دور وأثر التقلبات المناخية الطبيعية.

وقد اُستخدم هذا التكتيك من قبل بالفعل عندما أدّى التغير الطبيعي إلى إبطاء الاحترار العالمي في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، حيث ادعى البعض زوراً أن الاحترار العالمي قد توّقف وانتهى. طبعاً، لم يتوقف الاحترار أبداً –التقلب الطبيعي غير الاستثنائي أدى فقط إلى إبطاء العملية التي استؤنفت لاحقاً.

قد يتسبب تقلّب المناخ الطبيعي بمواسم حرائق معتدلة في المستقبل، لذلك دعونا نسلّح أنفسنا بالحقائق لمكافحة المحاولات الحتمية للتضليل.

هذه هي الحقائق

في الواقع، إن الصلة بين التغير المناخي الذي يتسبب به الإنسان، والأحوال الجوية المتطرفة واضحةٌ جداً وراسخة. لكّن التقلبات الطبيعية، مثل ظاهرة النينو والنينا التي حدثت في مناطق المحيط الهادئ، قد تلقي بظلالها على الاحترار العالمي لبضع سنوات.

يوضح الفيديو أدناه هذه العلاقة. استخدمنا بيانات تاريخية من مدينة أديلايد لتوقع حدوث موجات الحرارة الشديدة لبقية القرن، بافتراض استمرار ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 0.3 درجة مئوية لكل عقدٍ من الزمن.

يعرض المحور الأفقي العلوي في شريط الفيديو توزّع درجات الحرارة القصوى اليومية على مدى 365 يوماً لمدة عام، بينما يمثل المحور العمودي الأحمر المتوسط ​​السنوي لدرجات الحرارة. مع مرور السنوات، ينتشر هذا التوزيع ببطء؛ ينحرف الخط الأحمر بشكلٍ متزايد عن متوسط ​​درجة الحرارة المرصودة قبل أن يبدأ المناخ بالتغير (الخط الأسود العمودي).

بينما يمثّل المحور الأفقي السفلي معدّل درجات الحرارة المُتوقع لموجات الحرّ لكلّ عامٍ حتّى عام 2100. يمثّل كلّ خطٍّ عمودي موجةً حارّةً شديدة (5 أيامٍ متتالية تزيد فيها درجة الحرارة عن 35 درجة مئوية، أو 3 أيام تزيد فيها عن 40 درجة مئوية). تزيد كلّ موجة حرّ خطر الحرائق في العام الموافق لها.

يوضح التحليل في شريط الفيديو عدة جوانب مهمة لتتغير المناخي:

1. سيزداد عدد وتواتر الموجات الحارة الشديدة مع استمرار ارتفاع درجة حرارة المناخ.

2. خلال العقود القليلة القادمة على الأقل، ستتبع السنوات التي تحدث فيها موجات حارّة سنة أو عدّة سنوات عادية.

3. سوف تكون فترات الراحة قصيرةً لأن اتجاه الاحترار العالمي المتصاعد يجعل حدوث ظروف الحريق القاسية أكثر فأكثر حتمية.

التطلّع للأمام

عندما يتعلق الأمر بموسم حرائق الغابات، فإن ارتباطه بالتغير المناخي لا يمكن إنكاره إطلاقاً. كما تُعدّ شدّة حرائق هذا الموسم ورقعة انتشارها مؤشراً على ما قد يكون أسوأَ في المستقبل؛ حتى لو لم يحدث ذلك كل عام.

إن تثقيف الجمهور حول علوم المناخ، والتكتيكات التي يتبعها المضللون ومنكروا التغير المناخي، يقلّل من فرصة تضليلهم بالحقائق الزائفة.

نأمل أن تُبعد المعلومات التي قدّمناها هنا المعلومات المضللة التي تُثار في النقاشات العامة، على أمل أن تمهّد الطريق لتقديم سياساتٍ وحلولٍ مفيدةٍ للحدّ من الحرائق في المستقبل.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن