Reading Time: 4 minutes

مقال من «سايكولوجي توداي»


لقد أفصحت عقود من البحث النفسي العلمي عن أسرار الحياة الطويلة والصحية؛ وهي النظام الغذائي الصحي، وممارسة التمارين الرياضية، والحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، والحفاظ على علاقاتنا الاجتماعية مع الأصدقاء وأفراد الأسرة.

كما تقول الحكمة الفلسفية القديمة أنّ الاعتدال في كل شيء هو سر طول العمر والسعادة. يبدو ذلك بديهياً، فالإكثار من الطعام -حتى لو كان صحياً- سيكون مُضراً لك بالتأكيد. وبالمثل، سيكون الإفراط في التمارين الرياضية ضاراً لك بقدر ما يكون الامتناع عنها. وكذلك النوم أيضاً، فَنَقصه عن الحدّ الموصى به أو الزيادة عنه، سيضر بك حتماً.

ولكن.. ماذا عن التفاعلات الاجتماعية؟

في الواقع، نحن البشر كائنات اجتماعية جداً، ونحتاج إلى التفاعل مع أشخاص آخرين، إذ أننا نعيش ونعمل في مجموعات، لأننا نعتمد على الآخرين في تلبية احتياجاتنا. وبالرغم من أنّ تفاعلاتنا اليومية مع الأشخاص الآخرين؛ سواء في منزلنا أو مكان العمل، يمكن أن تكون ذات فائدةٍ كبيرة، إلا أنها قد تكون مُرهقة في بعض الأحيان. لذلك، علينا أن نكون معتدلين في تفاعلاتنا الاجتماعية إلى الحد الذي نحافظ فيه على صحتنا، ونخفف من أثرها السلبي.

نميل كبشرٍ بطبيعتنا إلى السعي أيضاً إلى التواصل الإجتماعي -بالإضافة إلى تفاعلنا مع الأشخاص الذين نتعامل معهم يومياً- مع الأصدقاء وأفراد الأسرة؛ الذين ليسوا جزءاً من عملنا، أو يعيشون معنا في المنزل. تساعدنا هذه الزيارات والتجمعات والأمسيات على كسر روتيننا اليومي المعتاد، إذ أننا نجد السعادة والمتعة بقضاء الوقت مع هؤلاء الأشخاص.

women forming heart gestures during daytime

 

فحتى الآن، تشير الأبحاث إلى أنه كلما زاد تفاعلنا الاجتماعي، سنكون أكثر سعادة وأطول عمراً، ولكن هل يمكن أن يكون تفاعلنا الاجتماعي ذو فائدةٍ أكبر علينا إذا كان معتدلاً؟ (مثل اعتدالنا في الطعام والتمارين الرياضية والنوم). طَرح عالما النفس الهولنديان «أولغا ستافروفا، ودونغنينغ رين»، هذا السؤال في دراسةٍ نُشرت مؤخراً في دورية «سايكولوجي أند بيرسوناليتي ساينس».

كانت الفرضية التي اختبرها ستافروفا ورين مباشرة هي: هل الأشخاص الذين لديهم تفاعل اجتماعي أكبر مع محيطهم، أكثر صحة من الأشخاص الذين يميلون للتفاعل الاجتماعي مع الآخرين بشكلٍ أقل؟ للإجابة على هذا السؤال، استخدم الباحثون بيانات من المسح الاجتماعي الأوروبي الذي قَيّم الاتجاهات والقيم والرفاهية لما يقارب 400 ألف شخص يعيشون في 37 دولة أوروبية.

اعتمدت الدراسة الحالية على دراسة عاملين: الأول هو تكرار الاتصال الاجتماعي؛ حيث أبلغ المشاركون عن عدد المرات التي التقوا فيها بالزملاء والأصدقاء وأفراد الأسرة، وقد قُيّمت النتائج على مقياسٍ من 1 إلى 7، حيث يشير الرقم 1 إلى عدم القيام بأية اتصالات (مطلقاً)، بينما يشير الرقم الأعلى «7» إلى قيام الشخص بالاتصال كل يوم (يومياً). بينما كان العامل الثاني المدروس هو الصحة البدنية بناءً على التقييم الذاتي على مقياسٍ من 1 إلى 5، حيث تشير القيمة الأقل «1» إلى «سيئة جداً»، بينما تشير القيمة العليا «5» إلى «جيد جداً».

نظر الباحثون في الارتباط بين هذين المتغيرين، ووجدوا أنهما مرتبطتان بشكلٍ إيجابي. بمعنى آخر، مع ارتفاع تكرار الاتصال الاجتماعي، زادت معه أيضاً درجة الصحة، وقد أبلغ العديد من الباحثين عن نتائج مماثلة في أبحاثٍ أخرى؛ حيث تُستخدم هذه النتائج لدعم الزعم بأن المزيد من التواصل الاجتماعي هو أفضل لصحتنا ورفاهنا.

لكن يشير سافروفا ورين، مع ذلك، إلى مشكلةٍ عند استخلاص النتائج من هكذا بيانات، وهي أنّ طريقة الارتباط المُستخدمة لتحليلها تفترض وجود علاقةٍ خطية مستقيمة بينها. لذلك اختبروا إذا ما كان تمثيل هذه العلاقة بمنحنىً سيصِفُها بشكلٍ أفضل.

وجد الباحثان عندما فحصا العلاقة بين الصحة المقيّمة ذاتياً مع كل مستوى من المستويات السبعة لتكرار الاتصال الاجتماعي؛ والتي تراوحت بين: مطلقا، أو القيمة 1، ويومياً، أو القيمة 7؛ أنّ المنحنى المتناقص أفضل لتمثيل هذه العلاقة. أي أنه ستكون هناك زيادة كبيرة في قيمة الصحة البدنية بين قيمة تكرار التواصل (مطلقاً) إلى (أقل من مرة واحدة في الشهر)، وبالمثل، ستكون هناك زيادة كبيرة في قيمة الصحة من «أقل من مرة في الشهر» إلى «مرة واحدة في الشهر»؛ أي يوفر بعض التواصل الاجتماعي دفعةً كبيرة في الصحة البدنية.

ولكن بعد ذلك المستوى، انخفض التزايد في قيمة الصحة البدنية مع زيادة الاتصال الاجتماعي من «مرة في الشهر» إلى «عدة مرات في الشهر» إلى «مرة في الأسبوع». علاوةً على ذلك، لم يكن هناك فرق معنوي في التقييم الذاتي للصحة بين أولئك الذين لديهم اتصال اجتماعي «عدة مرات في الأسبوع»، وأولئك الذين كان لديهم اتصال اجتماعي «يومياً».

المنفعة الحدية

ربط ستافروفا ورين هذه النتيجة بظاهرة يسميها الاقتصاديون «المنفعة الحَدية»، حيث يشير مصطلح المنفعة إلى الفائدة التي تحصل عليها من استهلاك شيء ما. على سبيل المثال، إذا كنت جائعاً بالفعل الآن، فستوفر لك شريحة بيتزا واحدة الكثير من المنفعة أو الفائدة، ولكن قد ترغب في تناول قطعةٍ ثانية، ولكن لن تستمتع بها مثل الأولى، وإذا أكلت قطعة ثالثة، فربما ستندم لأنك أكلتها لاحقاً.

تشير البيانات من هذه الدراسة إلى أن الاتصال الاجتماعي له أيضاً فائدة هامشية مماثلة. في الواقع، يمكن للوَحدة أن تُلحق أضراراً بليغةً بصحة المرء النفسية والجسدية بمرور الوقت، ولذلك يمكن أن يعزز التواصل الاجتماعي العَرَضي المزاج كثيراً، ويمنح صاحبه فوائد صحية وجسدية أيضاً.

وبالرغم من الفوائد الصحية للتواصل الاجتماعي، إلا أنّ له جانباً سلبياً أيضاً. وفقاً لتعريفه في السياق هنا، فإنّ التواصل الاجتماعي هو كسر روتين حياتنا اليومية في المنزل والعمل، وبالتالي، قد يعطل التواصل الاجتماعي عادات النوم والغذاء والتمارين الرياضية التي طورناها خلال روتيننا اليومي.

عندما نتواصل مع الأصدقاء والأقارب، فإننا نميل لأن نشرب ونأكل أكثر من المعتاد، كما من المرجح أيضاً أن نتناول الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية، والقيمة الغذائية المنخفضة، بشكلٍ أكبر. كما يمكن أن يؤدي التواصل الاجتماعي إلى كسر روتين النوم والتمارين الرياضية المعتادة، ففي حين أنّ كسر روتين حياتنا اليومي بين الحين والآخر يمكن أن يساعدنا في إدراك فائدة حياتنا اليومية التي تبدو رتيبة، إلا أنّ الإفراط في التواصل الاجتماعي قد يمنعنا من إنشاء روتينٍ صحي في المقام الأول.

لقد قال الفيلسوف اليوناني أرسطو قبل 25 قرناً أنّ الاعتدال في كل شيء هو سر الحياة الطويلة والسعيدة؛ أي تناول طعامٍ صحي دون الإفراط بتناوله، وممارسة الرياضة دون إجهاد نفسك، والحصولُ على القَدْر المناسب من النوم. في الحقيقة، تُظهر هذه الدراسة الجديدة التي قام بها عالما النفس الهولنديان؛ ستافروفا ورين، أنّ الاعتدال في الانخراط في تواصلنا الاجتماعي مع الأصدقاء والأقارب مهمٌ أيضاً بنفس المقدار.