Image

الدماغ البشري هو الوجهة المقبلة لرواد التكنولوجيا.

Bread assortment

مصدر الصورة: Noetic Sciences

شهد ربيع سنة 2015 دخول الهندي راجفير مينا موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد أن تمكن من استذكار 70,000 رقم بعد الفاصلة من النسبة الرياضية الشهيرة باي (نسبة محيط الدائرة إلى قطرها)، والتي يعرفها طلاب المدارس بأنها تعادل 3.14 تقريباً، وقد احتاج لحوالي 10 ساعات لتحقيق هذا الرقم، أما ربيع السنة الحالية فقد شهد بداية محاولات لجعل جميع الناس راجفير مينا!

بينما ينظر الكثيرون إلى دماغ مينا على أنه طفرة تطورية بسبب سعة التخزين الهائلة التي يمتلكها، يرى البعض أننا قادرون على تعديل وظائف الدماغ وتطويرها باستخدام التكنولوجيا الحديثة. فقد شهدت الأسابيع الماضية أكثر من حدث تشترك جميعها بكونها تتحدث عن دمج التكنولوجيا بالدماغ البشري؛ فخلال مؤتمر F8 الخاص بمطوري فيسبوك تحدث  مارك زوكربرغ عن أن تواصل الدماغ مع الكومبيوتر من خلال الأمواج الدماغية لم يعد أمراً بعيد المنال بل هو مجال قيد التطور، أما عملاق التكنولوجيا والابتكار ايلون ماسك مؤسس شركتي تسلا وسبيس إكس فقد صرح بأنه سيضيف لشركتيه مولود جديد هو شركة نيورالينك Neuralink التي ستعمل في حقل توظيف الأمواج الدماغية للتواصل مع الآلة ولتحسين التواصل بين أجزاء الدماغ. وفي أغسطس الماضي تأسست شركة تتألف من 20 موظف باسم كرنل Kernel وهي شركة تطمح لتقديم الكثير بهذا المجال.

يرى مؤسس الشركة المليونير الأميركي بريان جونسون أنه من العجز الاكتفاء بأدمغتنا الحالية التي لم يطرأ عليها أي تغيير خلال الأعوام الألفين المنصرمة، لذلك فإن شركته تعمل على تطوير رقاقات يتم زرعها في الدماغ وستعمل على قراءة موجات الدماغ وبث موجات أخرى ضمن الدماغ، وهي في البداية ستستخدم مع المرضى الذين يعانون من قصور ما بالأنشطة الدماغية، ويحتاجون لتعزيز وظائف بعض أجزاء الدماغ، ولاحقاً ستستخدم هذه الرقاقات مع الأشخاص الأسوياء بهدف تزويدهم بذاكرة خارقة، أو قدرة على القراءة السريعة أو حتى إمكانية التخاطر مع أشخاص آخرين زرعت لديهم نفس الرقاقة.

ولا ينكر جونسون وأمثاله الصعوبات التي تحيق بهذا المشروع، فهو سيكون عرضة للرفض والاستنكار نظراً لكونه يعمل على تغيير عضو عرف لوقت طويل من الزمن على أنه غير قابل للتغير البنيوي المتعمد، وكما قوبلت عمليات التجميل بالرفض عندما ظهرت كذلك ستحارب عمليات دمج الرقاقات الإلكترونية بالدماغ البشري، خاصة أن هذه العملية ستعطي الأشخاص ميزة تطورية لا يستهان بها. ويرى جونسون أنه سيصبح لكل إنسان حقوق تطورية بالإضافة لحقوقه المدنية والدستورية. وبالتأكيد فإن الرفض المحتمل للأفكار لم يثن يوماً أي شخص عن المضي قدماً بمشروعه، عملاً بمقولة أينشتاين “إذا لم تبد الفكرة عبثية بالبداية فلا أمل لها” لكن هناك أمر آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار.

رغم كل التطور الحاصل بأبحاث الدماغ وعلم الأعصاب، لا زال العلم غير قادر على ترجمة الموجات الدماغية إلى أفكار وصور ومشاعر وذكريات، فمن المعروف أن الذاكرة هي مسار عصبي في الدماغ عندما تمر الإشارة العصبية عبره تتولد الذكرى المرتبطة به، لكن كيف تتحول هذه الإشارة إلى صور وأصوات في وعي الشخص، فهو ما لم يتمكن العلم من فك شفرته حتى هذه اللحظة. لكن ماذا لو تم ذلك بالمستقبل؟ ستكون رقاقات شركة كيرنيل على أهبة الاستعداد لتسجيل الذكريات والمشاعر والنوايا و إرسالها إلى أشخاص آخرين وهو ما لا يرغب أحد بحصوله. قد لا يثني هذا الأمر جونسون ورفاقه عن المحاولة لكن ينبغي أخذه بعين الاعتبار.

ثورة علمية بكل معنى الكلمة هي تلك المحاولات لتطوير الأدمغة باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وهي تحمل تباشير حلول طبية لمرضى الأعصاب والأذيات الدماغية، لكنها من جهة أخرى ستدفع البشر نحو حقبة جديدة من النشوء والارتقاء الصناعي، فإذا كان داروين قد وضع كتاباً حول أصل الأنواع منذ 150 سنة، فإن ايلون ماسك وبريان جونسون وغيرهم سيكتبون مصير الأنواع خلال العقود القادمة.

error: Content is protected !!