Reading Time: 6 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


تابع عشرات الملايين من المشاهدين المناظرة الأولى بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونائب الرئيس السابق جو بايدن مؤخراً، ومن المتوقع أن تشهد المناظرات اللاحقة نسبة مشاهدة مماثلة إذا قُدّر لها أن تُجرى في أعقاب تشخيص دونالد ترامب بكوفيد-19.

يراقب العديد من المتابعين سلوك المناظرين وحركاتهم وتعابير وجوههم وإيماءاتهم بجانب الاستماع إلى ما يقوله المرشحون بالطبع. في الواقع، يمكن أن تُظهر لغة الجسد ثقة المتحدث بنفسه والكاريزما التي يتمتع بها، أو شعوره بالإحراج والقلق. وقد أصبحت قراءة لغة الجسد مهارة وصناعة على نطاقٍ صغير في السنوات الأخيرة، وتقوم على فكرة أن الإشارات أو الإيماءات الجسدية غير اللفظية يمكن أن تكشف عن خبايا المرء المهمة في المواقف المتوترة أو المحرجة. وفي هذا الصدد، تقوم بعض الوسائل الإعلامية، مثل واشنطن بوست وبوليتيكو، بإجراء مقابلات مع المتخصصين في لغة الجسد، وتقدمهم ككتّاب أعمدة لتحليل لغة جسد المتحدثين بعد المناقشات والاجتماعات الدبلوماسية بين قادة العالم. وينتشر على موقع يوتيوب العديد ممن يزعمون أنهم مختصون بقراءة لغة الجسد، ويتناولون الشخصيات العامة بتحليلاتهم، بل وتحصد فيديوهاتهم ملايين المشاهدات.

تستكشف بعض من هذه التحليلات كيف يمكن أن تؤثر لغة الجسد على العامة. وتحاول أخرى في أحيانٍ أخرى كشف ما تضمره الشخصيات العامة أو مشاعرهم بناءً على إشارات خفية. على سبيل المثال، قال أحد المحللين، بعد المناظرة الأولى لترامب وبايدن، لصحيفة الإندبندنت البريطانية إنه يمكن تفسير تركيز نظر بايدن إلى منبره عندما كان يتحدث ترامب على أنه «خضوع للهجوم»، أو علامة على ضبط النفس.

ويتخذ تحليل لغة الجسد أهميةً أكثر في بعض المجالات. فمثلاً، تستخدم العديد من إدارات الشرطة والوكالات الفيدرالية تحليل لغة الجسد في التحقيق الجنائي، وتزعم أن هذه الأدوات يمكنها المساعدة في تقييم نوايا الناس أو مدى صدقهم. وحسب تحقيقٍ لمنظمة انترسبيت الإخبارية الاستقصائية نُشر في أغسطس/ آب، يقوم استشاريو لغة الجسد بتدريب جهات تطبيق القانون الفيدرالية والمحلية في جميع أنحاء البلاد.

في الواقع، يتفق علماء النفس وغيرهم من الباحثين على أن لغة الجسد يمكن أن تعبّر عن حالات عاطفية معينة. لكن العديد من الادعاءات المبالغ بها لا تدعمها الأدلة العلمية. على سبيل المثال، الزعم بأن إيماءة معينة واحدة كافية لاكتشاف ما يفكر به أو يريده المرء، كأن يكون التواصل البصري المستمر للشخص المتكلم مع الآخرين لفترة طويلة دليلاً على أن الشخص يكذب. وأن الابتسامة التي لا تترافق بتجعد المنطقة حول العينين مصطنعة، أو الإشارة باصبعٍ واحدة وإغلاق باقي قبضة اليد استعراض للسيطرة، وغير ذلك الكثير.

يقول «فينسينت دينو»، باحث علوم التواصل في جامعة مونتريال: «التواصل غير اللفظي في السياسة مهم للغاية لأنه يخلق انطباعاتٍ معينة لدى الجمهور يمكن أن تؤثر على مدى ثقتهم في رجال السياسة». ويضيف: «ولكن بالنسبة لتعليقات مدعي المعرفة بلغة الجسد في وسائل الإعلام، فإن ما نراه يندرج غالباً في نطاق الترفيه أكثر من كونه علماً، ويمكن أن يساهم في نشر المعلومات المضللة».

بدأت الأبحاث الحديثة حول لغة الجسد -والتي يطلق عليها غالباً السلوك غير اللفظي- في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بهدف إثبات أن تعابير الوجه التي تكشف عن المشاعر؛ هي سمة مشتركة بين الناس. ووفقاً لـ «ديفيد ماتسوموتو»، عالم النفس بجامعة ولاية سان فرانسيسكو ومدير شركة «هيومن تيل» التي تقدم خدمات التدريب على لغة الجسد، وإجراء الأبحاث لصالح الشركات والهيئات الحكومية، فإن تلك الأبحاث اُستلهمت جزئياً من عمل تشارلز داروين «التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان».

منذ ذلك الحين، درس الباحثون كيف تتفاعل أجزاء من الدماغ بالاتفاق مع تعابير وجه محددة، وكيف يبدأ الأطفال في تقليد إيماءات الوجه واليدين لدى البالغين. لكن العلماء قاموا أيضاً برسم مخططاتٍ تفصيلية تظهر مدى تعقيد ودقّة لغة الجسد، والتي قد يكون من الصعب أحياناً فهمها بالرغم من انتشارها في كل مكان.

بالنسبة لباحثين «مثل دينو»، فقد توسع نطاق التواصل غير اللفظي ليشمل أي شيء يتجاوز الكلمات المنطوقة للشخص. فقد يترك المتحدث انطباعاً من خلال هز كتفيه، أو حك أنفه أو الطرق بقدمه على الأرض أو تدوير عينيه، وحتى مسح العرق عن جبينه كما كان يفعل الرئيس «ريتشارد نيكسون» في المناظرة الرئاسية الشهيرة عام 1960 بينه وبين «جون كينيدي». كما تُعتبر ملابس الشخص ونبرة كلامه وتوقفاته المؤقتة، واستخدامه كلماتٌ مثل «آه» و «ممم» أثناء التحدث، تُعتبر إشاراتٍ غير لفظية يمكنها ترك انطباعٍ أيضاً لدى المشاهد.

في حين أن العديد من الخبراء يحذرون من أن لغة الجسد معقدة وتعتمد على السياق، كانت فئة صغيرة من الاستشاريين والمتخصصين تطبّق لسنوات أبحاث لغة الجسد في مجالاتٍ لا تعد ولا تحصى، بما في ذلك التدريب المهني وعروض العمل التقديمية، وحتّى في فحص المسافرين عبر المطارات.

يقول «مارك بودين»، مستشار لغة الجسد ومؤلف كتاب «الفوز بلغة الجسد»، والذي يُعد مرجعاً للعديد من الشركات ورجال السياسة: «أساعد الناس على التأثير وإقناع الآخرين بجدارة رسالتهم بالثقة والمصداقية من خلال مساعدتهم في إتقان أساليب محددة في تواصلهم غير اللفظي». يركّز بودين بشكلٍ عام على المكان الذي يتواجد فيه الشخص ومقدار المساحة التي يشغلها بالإضافة إلى التركيز على إيماءاتهم.

يزعم بعض المحللين أيضاً أنهم قادرون على استخدام هذه الإشارات للكشف عن الدوافع والعواطف الخفية. على سبيل المثال، تعرض بعض القصص الإخبارية محللين يشرحون أن طريقة استخدام ترامب ليديه أثناء خطاباته تشير إلى أنه يؤمن بما يقوله فعلاً، أو أنه عندما يلمس الناس وجوههم فهذا دليل واضح على التوتر.

لكن دينو يقول: «إن ربط حالة العقل بإيماءات محددة، أو استنتاج أن إيماءة ما سيكون لها تأثيرٌ محدد على الجمهور هو أمر مشكوك فيه». ومع ذلك، فإنّ محللين مثل جو نافارو، وهو عميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي ومؤلف كتاب «ما الذي يقوله كل جسد»، الذي يتناول تفسير السلوكيات غير اللفظية، كسب الملايين من خلال الترويج والعمل بهذا النوع من الأفكار.

يقول نافارو، والذي يقدم تحليلاتٍ للغة جسد السياسيين لصالح دورية بوليتيكو، ويكتب لقناة «سي إن بي سي» حول كيفية قراءة لغة الجسد لشخصٍ يرتدي القناع الواقي أثناء جائحة فيروس كورونا، إن لديه طريقة خاصة لتقييم المتحدثين مثل المرشحين للرئاسة: «أقوم بتسجيل المقابلات ثم أشاهدها بدون صوت، وأبحث عن السلوكيات التي تظهر على المشاركين، مثل عدم الراحة أو تجعّد الجبين، أو قطب الحاجبين أو العض على الشفتين أو فتح ياقة القميص للتهوية وغير ذلك». ويجادل نافرو بأنه من السهل مثلاً ملاحظة حركات شفاه دونالد ترامب عندما يتفاعل مع سؤال يبدو أنه لا يحبه.

وبالرغم من أن عمل نافارو والمحللين الآخرين يمكن أن يجذب الكثير في الواقع، إلا أن العديد من الخبراء غير متأكدين مما إذا كانت أساليبهم موثوقةٌ ويمكن تبنيها كما يزعمون.

يقول ماتسوموتو: «تنقل تعابير وجهنا وبعض حركات جسمنا أنواعاً معينة من الحالات العاطفية، لكن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك في الواقع. إذ أن هناك الكثير من الحركات التي يقوم بها الناس تعبر عن أشياء مختلفة. على سبيل المثال، قد يعبّر رفع الحاجبين عن عدم التصديق، ولكنه قد يشير أيضاً إلى عدم الراحة أو المفاجأة. وقد تعني إيماءات اليد نفسها أشياء مختلفة في ثقافاتٍ مختلفة».

ويشكك دينو وماتسوموتو في مزاعم أولئك المحللين الذين يقدمون استنتاجات قوية بناءً على لغة الجسد. يجادل دينو أنه، وبسبب غموض لغة الجسد وتعقيدها الكبير، لا يمكن حتى لخبراء الإدراك والوعي استكشاف أفكار ونوايا الشخص بناءً على سلوكه غير اللفظي لوحده.

وتتفق «دون سويت»، الباحثة في علوم التواصل بجامعة أيداهو، مع دينو وماتسوموتو. حيث تقول: «من غير المرجح أن يكون هناك تفسيرٌ محدد لسلوكٍ غير لفظي واحد مطلقاً، مثل أن تكشف الكذب أو عدوانية المرء من خلال إيماءاتٍ معينة».

غالباً ما تنظر سويت وزملاؤها الباحثون إلى لغة الجسد والكلمات المنطوقة في إطارٍ مشترك، لأنهما عادة ما يُستخدمان معاً عند الحديث عن شيءٍ واحد. كما يفحص الباحثون السياق الذي يؤطر سلوك وكلام الشخص، وبالتالي الكشف عن السلوك النموذجي أو المنحرف لدى المتكلم.

تستشهد سويت بتحليلٍ سابق تناول عشرات الدراسات التي حققت في أكثر من 1300 تقييماً لـ 158 إشارة يمكن أن تشير إلى الخداع. حيث ركزت هذه الدراسات على إشارات لغة الجسد التي يربطها الناس أحياناً بالكذب، مثل التململ أو تجنب التواصل البصري، وقد أظهرت هذه الدراسات أن هذه الإشارات لا ترتبط مطلقاً بالكذب أو قد يكون لها ارتباط قليل نسبياً.

لهذا السبب، يتجنّب بعض الباحثين ببساطة، مثل عالمة النفس في جامعة كاليفورنيا، «إيريس بلاندون-جيتلين»، أخذ مثل هذه الإشارات غير اللفظية بعين الاعتبار لوحدها في أبحاثهم. تقول إيريس: «يركز بحثي في معظمه على فهم مضمون ما يقوله الناس، ويبتعد قليلاً عن السلوك غير اللفظي. وقد وجدت أن الكذب يتطلّب جهداً ومهارة بشكلٍ عام، وأن الكاذبون يميلون إلى سرد قصصٍ بسيطة أكثر وبتفاصيل أقل».

يدافع نافارو عند مواجهته بهذه الشكوك حول أساليبه ويقول: «من السهل ملاحظة الإيماءات غير اللفظية بسرعة، وهي حقيقية ودقيقة للغاية». ويشير إلى دور لغة الجسد في فهم ما يشعر به الطفل قبل أن يتمكن من التحدث، وما إذا كان المرء يشعر بالأمان في وجود سلوكٍ في محيطه يمثل تهديداً محتملاً،  وحتى أنه يشير إلى أن العديد يختارون شركاؤهم بناءً على الإيماءات غير اللفظية. لكن نافارو يتفق مع فكرة أن بعض أنواع السلوك يمكن تفسيرها بشكلٍ أكثر موثوقية من غيرها، وأن السلوك غير اللفظي لا يكفي للجزم بخداع المرء.

بالرغم من تحفظات الخبراء، فقد اُستخدم تحليل لغة الجسد في التحقيق في القضايا الجنائية أيضاً. حيث يلجأ رجال الشرطة والوكلاء الفيدراليون والمدعون العامون لاستخدام هذه الأساليب بغية الكشف عما إذا كان المشتبه به يقول الحقيقة أم لا، وحتى إذا ما كان الشخص المدان بارتكاب جريمةٍ ما يشعر بالندم لفعلته.

ولكن، مثل العديد من أنواع العلوم القضائية الأخرى، فقد ثبت أنه لا يمكن الاعتماد على تحليل لغة الجسد في هذا المجال بالفعل. يقول دينو: «يمكن لهذه التقنية، والتي أعتبرها علماً زائفاً، أن تؤثر سلباً في أحكام القضاة والمحلفين في القضايا والمحاكمات. قد تبدو الادعاءات غير المدعومة بالأدلة حول لغة الجسد وكأنها تقدم حلولاً بسيطة للتحدي المعقّد للغاية والمتمثل في تقييم مدى صدق المشبوهين أو كذبهم، ولكن حتى البحث العلمي لا يقدم  إجاباتٍ واضحة بالفعل حول هذا الأمر».

ومع ذلك، يشير دينو إلى أنه يمكن للعاملين في سلك الشرطة والأمن والقضاء الاستفادة من بعض أنواع السلوك غير اللفظي الذي يعتمد على الأدلة العلمية. على سبيل المثال، من خلال تدريب رجال الشرطة على التصرف بطريقةٍ تُشعر المشتبه بهم بالثقة والارتياح تجاههم، وبالتالي عدم دفعهم لارتكاب تصرفاتٍ عدوانية.

ويحذّر سويت الناس من القفز بسهولة إلى استنتاجاتٍ تؤكّد تصوراتهم المسبقة حول سياسي أو مشتبهٍ به ما. قد يبدو الشخص غير مرتاحٍ أو متوتراً وخائفاً في لحظةٍ معينة، ولكن نادراً ما يعرف المراقبون السبب. قد يخيل للمراقب أنه لاحظ إيماءةً أو حركة معينة تنبئه بما يفكّر فيه شخص آخر، لكن الحقيقة هي أنه وجد تبريراً لتصوره المسبق بأن ذلك الشخص كاذب أو عدواني.

ويحذّر ماتسوموتو الناس في الوثوق بما يقوله مدعو المعرفة بلغة الجسد على وسائل الإعلام. ويقول أخيراً: «هناك الكثير من المعلومات الرائعة التي تنبئنا بها سلوكيات الناس غير اللفظية وإيماءاتهم، ولكن عليك أن تكون حذراً بشأن ما يُعرض على وسائل الإعلام».