Reading Time: 4 minutes

ربما قرأت آخر تحديثٍ أدخلته شركة فيسبوك على تطبيقها، وهو إخفاء عدد الإعجابات عن العامة.

يقوم فيسبوك بتجربة إخفاء عدد الإعجابات التي تتلقاها المنشورات عن المستخدمين في بعض المناطق؛ فيطبقها فيسبوك في أستراليا، وإنستجرام في كندا.

لم يعد يظهر عدد الإعجابات في التصميم الجديد، لكن يمكنك بنقرةٍ بسيطة معرفة المُعجبِين بالمنشور وعددهم، ويبدو أن فيسبوك يواجه مشكلات كثيرة تتعلق بإخفاء ميزةٍ لا ضرر فيها، خاصةً عندما يكون سهلاً استكشافها.

نموذج إخفاء فيسبوك عدد الإعجابات عن مستخدميه

يقول فيسبوك إن الهدف من هذا التحديث هو جعل الناس مرتاحين في التعبير عن أنفسهم، وزيادة جودة المحتوى الذي يشاركونه. ويزعم أيضاً أن هناك مطالب من جمهور فيسبوك تتعلق بتحسين أمان المستخدم عند النشر، وضمان حريّة التعبير، وتجنّب عقلية القطيع. ولكن هل هناك من أسبابٍ علمية تقف وراء هذا التغيير؟

نموذج «ميوزيك لاب»

في عام 2006، قام كل من الباحثين الأميركيين «ماثيو سالجانيك»، و«بيتر دودز»، و«دانكان واتس» بإجراء تحقيقٍ بحثي حول السبب في التباين الملفت للانتباه بين نوعية الأغاني، ومدى شعبيتها في متاجر الأغاني على الإنترنت، أو ما يُسمى «الأسواق الثقافية».

قاموا بتصميم تجربةٍ أسموها «ميوزيك لاب»؛ عرضوا خلالها على المستخدمين الاختيار بين أغانٍ لفرقٍ غير معروفة؛ حتى يمكن للمستخدمين الاستماع لها عبر الإنترنت، وتحميل الأغاني التي أحبوها.

تم تقسيم المستخدمين إلى مجموعتين؛ فقد عُرضت الأغاني على المجموعة الأولى عشوائياً دون أي تفاصيل تتعلق بها، بينما عُرضت الأغاني على المجموعة الثانية مرتّبة وفقاً لإشارةٍ أو تقييم اجتماعي للأغنية، يظهر بوصفه تفصيلاً بجانب الأغنية؛ مثل عدد مرات التنزيل الفعلي لكلّ منها.

وغالباً ما ينظر الناس إلى عدد مرّات تنزيل أغنيةٍ ما باعتباره معياراً لمدى انتشارها وشعبيتها، وهو يشبه إلى حدٍّ ما عدد الإعجابات بمنشورات فيسبوك.

لقد كانت النتائج مذهلةً؛ فعند إظهار عدد مرات تحميل الاغنية بوصفه تفصيلاً بجانبها، يزداد عدد مرات تحميلها بشكلٍ كبيرٍ جداً؛ إذ تصبح أغنيةٌ واحدة أكثر شعبيةً من باقي الأغاني الأخرى، بينما لا يمكن التنبؤ بالأغنية التي ستحظى بالمركز الأول عند تكرار التجربة، ولن تحظى الأغنية الفائزة بأكبر عدد مرات التحميل في كل مرة.

وبناءً على نتائج هذه التجربة، اقترح باحثون أستراليون نموذج «ميوزيك لاب» لتوضيح كيف يصبح محتوًى شعبياً ما في الأسواق الثقافية؟ ولماذا يحصل عددٌ قليل فقط منها على شعبيةٍ كبيرة، بينما لا تحصل الأغلبية الباقية على شيءٍ البتة؟، والأهم بالنسبة إلينا؛ لماذا نعتبر تفصيل عدد مرات التحميل عاملاً مُحدِّداً لجودة المحتوى؟

افترض الباحثون أن استهلاك مُحتوًى ما على الإنترنت -مثل الأغاني- يتم من خلال خطوتين. أولاً: يُنقَر عليها بناء على تفاصيلها المُرفقة التي تثير فضولنا. ثانياً: القيام بتحميلها بناءً على جودتها، أي أن الجودة تأتي في المقام الثاني.

وذلك يوضح أن جاذبية الأغنية تحددها شعبيتها -عدد مرات تحميلها- إلى حدٍّ كبير. بمعنًى آخر، إن أحب الآخرون شيئاً ما، فإننا نميل تلقائياً إلى الاعتقاد بأن هذا الشيء يستحق التجربة، وإلقاء نظرةٍ مُتفحِّصة عليه.

وبالنتيجة يعتمد عدد مرات تنزيل الأغنية المُتوقع في المستقبل على جاذبيتها الحالية، التي تتمثل في عدد مرَّات تحميلها حالياً، وهذا يقودنا إلى النتيجة المعروفة جيداً في الأسواق عموماً؛ وهي أن شراء منتجٍ أو فكرةٍ ما في المستقبل يعتمد -إلى حدٍّ كبير- على مدى إقبال الناس عليه في السابق. تُعرَف هذه الظاهرة في علم الاقتصاد بتأثير «الغني يصبح أكثر ثراءً».

ما علاقة كل ما سبق بميزة إخفاء عدد الإعجابات التي سيطرحها فيسبوك؟

العلاقة بين تجربة «ميوزيك لاب» والفيسبوك بسيطة؛ فالأغاني يمكن أن تُعبِّر عن المنشورات، بينما يمثل عدد مرَّات التحميل عدد الإعجابات بالمنشور.

وبالنسبة إلى سوقٍ مثل سوق الأغاني، يشير نموذج «ميوزيك لاب» إلى أن إظهار تفصيلٍ ما يتعلق بشعبية الأغنية، مثل عدد التنزيلات، يعني بالمحصِّلة أن منتجاتٍ ذات جودةٍ منخفضة أو متوسطة قد تُستهلك أكثر من غيرها عموماً، بينما قد لا تحظى المنتجات ذات الجودة العالية بأي انتباه.

لكن هذا التأثير يصبح أكثر حدّة في سوق الأفكار، مثل فيسبوك؛ إذ يمكن أن تزيد شعبية فكرةٍ واحدة بشكلٍ كبير، وتهيمن على سوق الأفكار بكامله، وتحجب الأفكار الأخرى التي قد لا تقلُّ جودةً بل ربما تفوقها، ونتيجةً لذلك تمتلك الفكرة الأولى المزيد من الوقت للنمو وفرض السيطرة، بغضِّ النظر عن جودتها؛ أي تكتسب ميزة «المحرك الأول» أو «المبادر» الفعَّالة في السوق، وهي أحد المصطلحات الهامة في عالم التسويق.

وتشرح ميزة «المحرك الأول» جزئياً سبب هيمنة المقالات الإخبارية المفبركة في كثيرٍ من الأحيان، وسبب صعوبة تغيير قناعات الناس الخاطئة والضارة – التي قد يُكشف عنها النقاب فيما بعد – إلى قناعاتٍ صحيحةٍ وصحيةٍ أكثر.

وبالرغم من المزاعم التي تدعيها أسواق الأفكار، فإن هذه الأسواق لا تضمن أن المحتوى عالي الجودة سيصبح شعبياً وشائعاً، ويتجاوز المحتوى المنخفض الجودة.

وترى بعض الأبحاث الأخرى أن الأفكار عالية الجودة ستنتشر وتصبح المهيمنة في النهاية، إلا أنه من المستحيل التنبؤ المسبق بأفضلية أيٍّ منها، والوقت الذي سيستغرقه لحدوث ذلك، وبمعنى آخر: ستظهر شعبية منتجٍ ما كأنه لا علاقة له بجودته.

هل بالإمكان إصلاح هذا الخلل؟

يبدو الكلام السابق كأنه يرسم صورةً سوداوية لمجتمع الإنترنت؛ إذ يمكن أن تتدفق في وسائل الإعلام عبر الإنترنت المعلومات المضللة والأفكار الشعبية، والمعلومات غير الصحية، وبعض التحديات الخطرة على المراهقين؛ كالألعاب التي تتسبب في الانتحار مثلاً، وتجذب انتباه الجمهور.

ومع ذلك فإن المجموعة الأولى في تجربة «ميوزيك لاب» -التي لم يُعرض لها مؤشرٌ على شعبية الأغنية- يمكنها أن تعطينا بعض الأمل في الحل أو بعض التحسينات التي من الممكن القيام بها؛ إذ أفاد القائمون على تلك التجربة أن إخفاء عدد التنزيلات أفضى إلى سوقٍ أكثر عدالةً، يمكن التنبؤ به؛ فقد كانت الشعبية أكثر توازناً بين عددٍ أكبر من الأغاني المتنافسة، وأكثر ارتباطاً بالجودة؛ لذلك يبدو أن قرار فيسبوك في إخفاء عدد الإعجابات بالمنشورات قد يكون الخيار الأفضل بالنسبة إلى الجميع.

فالقرار قد يسهم في خلقٍ جو أفضل، وبيئة أكثر عدلاً ومصداقيةً لتبادل الأفكار والمعلومات، بالإضافة إلى الحدّ من الضغط النفسي على أصحاب المنشورات، وتقليل مستوى القلق والحسد الاجتماعي لديهم. فقد يحصل أصدقاؤهم على عدد إعجاباتٍ أكبر مثلاً؛ مما يثير حنقهم، وحسدهم، وأن شيئاً ما ينقصهم.

وربما قد نلاحظ تحسناً في جودة المحتوى إن قضى من ينشر على فيسبوك وقتاً أقل في اختيار الوقت المناسب للنشر، أو اتباع بعض الحيل والتكتيكات لنيل إعجاباتٍ أكثر بمنشوراتهم.

تم نشر هذا المقال بواسطة «ماريان أندريه رزويو» في موقع ذا كونفيرسيشن