Reading Time: 4 minutes

خرج باحثون علينا مؤخراً بدراسةٍ تقول إن «أفضل حلٍّ متاحٍ لمشكلات المناخ هو إعادة تشجير مناطق جديدة على نطاقٍ عالمي واسع». يزعم أولئك الباحثون أنّ زراعة الأشجار في مساحةٍ من الأراضي تصل إلى 900 مليون هكتار؛ أي ما يعادل مساحة الولايات المتحدة، يمكن أن يحتجز نحو 205 مليار طن من الكربون؛ أي ثلثي انبعاثات غاز الكربون من الغلاف الجوي، التي تَسبب بها الإنسان فعلياً.

وبالرغم من أن أفضل الحلول الحالية المُقترحة للحدِّ من التغير المناخي، هي الحد من استخدام الوقود الأحفوري قدر الإمكان، فإننا سنبقى بحاجةٍ إلى التخفيف من غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، وامتصاص الفائض منه خلال هذا القرن، لإبقاء مدى ارتفاع درجة الحرارة دون 1.5 درجة مئوية. لذلك يمكننا التفكير في زراعة مساحاتٍ إضافية بالأشجار لمواجهة التغير المناخي؛ فالقيام بذلك لا يبدو صعب المنال، وربما يمكن تحقيقه.

لقد قام الإنسان، منذ فجر الزراعة، بقطع نحو 3 تريليونات شجرة؛ أي ما يعادل نصف عدد الأشجار على كوكب الأرض، وفي سياق الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لاستعادة عافية بيئة الأرض، تعهدت 43 دولة عبر العالم بإعادة زراعة 292 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة بالأشجار، وهي مساحةٌ تبلغ عشرة أضعاف مساحة المملكة المتحدة، إلا أن الدراسة الجديدة تقول إننا بحاجة إلى تشجير عشرة أضعاف هذه المساحة تقريباً.

تشجير, غابات, التغير المناخي, أشجار

تمتص الأشجار ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتخزن الكربون على هيئة لحاء وأنسجة أخرى

قد تكون عملية استعادة الحياة البرية، وإعادة تشجير الأراضي أسهل في المستقبل؛ لأن الكثير من الأراضي ستصبح خاليةً في العديد من بقاع العالم، وربما تتساءل كيف ذلك؟ بحلول عام 2050 سيرتفع عدد سكان العالم من 7.7 مليار شخص إلى 10 مليارات حسب ما هو مُتوقع، إلا أنه بحلول ذلك الوقت يُقدَّر أن نحو 70% منا سيهجر الريف، ويعيش في المدن؛ مما يجعل تلك الأراضي المهجورة مثاليةً لتطبيق عمليات التشجير، واستعادة الحياة البرية فيها. على سبيل المثال، نجحت أوروبا بالفعل في استعادة النظام الغابي إلى مساحةٍ تعادل 2.2 مليون هكتار من الغابات المتدهورة سنوياً، بين عامي 2000 و 2015. وفي إسبانيا مثلاً نجحت عمليات إعادة التشجير في زيادة مساحة الغابات من 8% عام 1990 إلى 25% من مساحة البلاد الكلية حالياً.

وفي الواقع لا تُعتبر عملية استعادة الغابات على نطاقٍ واسع أمراً صعب التحقيق، وهو أمر من شأنه أن يحقق فوائد جمة للناس. ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، وصل التدهور البيئي إلى حدّ خطر وحَرِج في الصين. ووصل الأمر إلى حالةٍ تشبه حالة «قصعة الغبار» التي ضربت الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، واقتُرحت حينها -في الصين- 6 برامج جريئة، تستهدف تحريج نحو أكثر من 100 مليون هكتار من الأراضي لتجاوز المشكلة.

وكان أشهر تلك البرامج وأضخمها برنامج «Grain for Green»؛ فقد أدى فعلاً إلى الحد من تدهور التربة، وعمل على استقرار معدلات الأمطار المحلية، بل ساعد على التخفيف من حدّة الفقر من خلال دفع تعويضاتٍ للمزارعين الذين قبلوا بتكريس أراضيهم لعمليات إعادة التشجير.

والأمر الجيد في الدراسة الجديدة، هي أنها تشير إلى أنَّ إعادة تشجير 900 مليون هكتار من الغابات؛ لن تؤثر في الأراضي الزراعية التي يُفترض أن تلبي متطلباتنا الغذائية المتزايدة مُطلقاً. وذلك ممكنٌ بالتأكيد، ويتماشى مع الدراسات الأخرى، بل إن إعادة التشجير قد تسهم في زيادة الإنتاج الزراعي، كما هو الحال في الصين؛ فقد أدّت برامج إعادة التشجير فيها إلى استقرار معدلات الأمطار، وزيادة خصوبة التربة.

يمكن زراعة مليار هكتار من الغابات إذا استثنينا الصحارى والمناطق الحضرية

يمكن زراعة مليار هكتار من الغابات إذا استثنينا الصحارى والمناطق الحضرية

تشجير, غابات, التغير المناخي, أشجار

هكذا ستبدو الغابات الجديدة، طبعاً مع الغابات الحالية

لا حل دون خفض الانبعاثات

ينبغي أن يُجرى مزيد من التدقيق حول الأرقام التي أوردتها الدراسة الجديدة، التي تقول إن مقدار ما ستحتجزه إعادة تشجير 900 مليون هكتار يصل إلى 205 مليار طن من الكربون. يبدو هذا الرقم مرتفعاً جداً مقارنةً بالدراسات السابقة والنماذج المناخية. لقد نسي واضعو الدراسة الجديدة كمية الكربون الموجود فعلياً في التربة وأشجار المناطق المتدهورة -التي ستحل محلها الغابات الجديدة- حيث تمثل كمية الكربون التي ستحتجزها الغابات الجديدة الفرق بين الاثنين.

ويمكن للغابات المثالية احتجاز الكثير من الكربون، ولكن لا يمكن الوصول إلى هذه العتبة إلا بعد مئات السنين، لا عقدين من النمو الغابي الجديد، كما تفترض الدراسة.

يشير أحدث تقريرٍ أصدرته اللجنة الدولية للتغيرات المناخية «IPCC» أن الغابات الجديدة يمكنها أن تُخزِّن في المتوسط 57 مليار طن إضافي من الكربون حتى نهاية القرن الحالي، وهذا الرقم يُعتبر ضخماً، ويعادل سُدس الكربون الموجود حالياً في الغِلاف الجوي. لذلك ينبغي النظر إلى عملية إعادة التشجير بوصفها أحد الحلول من بين الكثير لمواجهة التغير المناخي.

حتى وإن استقرت زيادة درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية، فإن الدراسة تشير إلى أن خمس الأراضي المُقترحة لإعادة التشجير يمكن أن تصبح حرارتها أعلى، وغير صالحةٍ لاستزراعها مجدداً، بحلول عام 2050 بسبب التغير المناخي، إلا أن الدراسة هنا تتجاهل دور التخصيب بثاني أكسيد الكربون؛ لأن تركيزات غاز ثاني أكسيد الكربون الأعلى في الغلاف الجوي؛ تزيد من كفاءة التمثيل الضوئي لدى النبات عموماً. يعني ذلك أن النباتات تحتاج كمية مياهٍ أقل مع بقاء نموها وإنتاجيتها بالحد الأقصى في درجات الحرارة المرتفعة. وفي الواقع يتمثل التهديد الأكبر حالياً في النشاط البشري المتمثل في إزالة الغطاء الغابي، والذي يتم في الغابات المدارية، بالإضافة إلى الحرائق المفتعلة التي تخرج عن السيطرة غالباً، وليس في ارتفاع درجات الحرارة.

إن إعادة تشجير مساحةٍ بحجم الولايات المتحدة سيكون لها فوائد هائلة على البيئات المحلية، وستحتجز كمية هائلة من انبعاثات الكربون التي يتسبب فيها الإنسان، ومع ذلك لا تُعد بديلاً عن تقليل انبعاثات الكربون.

وفي الحقيقة إن تَمكّنا من تخفيض انبعاثات الكربون إلى الصفر -بحلول عام 2050-؛ فستبقى هناك حاجة لامتصاص انبعاثات الكربون المتبقية في الغلاف الجوي حتى نهاية القرن لإبقاء ارتفاع درجة الحرارة دون 1.5 درجة مئوية. إن إعادة التشجير ضرورية للتخفيف من الكربون في الغلاف الجوي، ولكنه لن يكون حلاً بديلاً عن تخفيف النشاط البشري، الذي لا يزال يسهم في النسبة الأعلى من الانبعاثات.

ولا يزال هناك أمرٌ محبطٌ آخر؛ فإعادة التشجير الضخمة المقترحة لا يمكن تحقيقها إلا إذا عملنا على صيانة الغطاء الشجري الحالي في العالم وزيادته. فمثلاً ازدادت عمليات إزالة الغطاء الغابي في غابات الأمازون المطيرة -وهي الأكبر عالمياً- منذ تولى السُّلطَة الرئيس البرازيلي اليميني المتطرف، «جير بولسونارو». وتُشير التقديرات الحالية إلى أنه تُزال في كل دقيقةٍ مساحةٌ من تلك الغابات، تُعادل مساحة ملعب كرة قدم.

لن يكون الأمر سهلاً، لكن على المجتمع تحمل المسؤولية وحماية الغابات الموجودة، بالإضافة إلى حماية الغابات الجديدة دوماً للمساعدة في إبقاء الكربون مُحتجزاً في الأشجار، والحد من انبعاثات نشاطنا البشري.

تم نشر هذا المقال بواسطة كلا من «مارك ماسلين» و«سايمون ل. لويس» في موقع ذا كونفيرسيشن