Image

هل يمكن لجيناتك أن تجعلك قاتلاً؟

الجهود العلمية المبذولة للبحث في أسباب وجذور العنف.

Bread assortment
جينات قاتل

في ليلةٍ خريفيةٍ من عام 2006، جلس “برادلي وولدروب” في منزله الريفي في جنوب غرب ولاية تينيسي الأمريكية، وأمسك الإنجيل وبدأ يقرأ فيه، ثم ترك الإنجيل وأخذ يشرب بشراهة. بعد قليل خرج من منزله حاملاً معه بندقية الصيد من عيار 22، حيث كانت زوجته التي تجافيه قد وصلت بسيارتها للتو مع صديقتها ليسلي برادشو وأطفالها الأربعة. بدأ وولدروب بالجدال مع زوجته وصديقتها التي كانت تُفرّغ السيارة من الحاجيات. أشهر الزوج بندقيته بوجه برادشو ثم أرداها قتيلةً بثماني رصاصات، ولم يكتفِ بذلك، بل سحب سكينه وحز رأسها إمعاناً في جريمته. هربت زوجة وولدروب المذعورة إلى داخل المنزل فلحق هو بها حاملاً سكيناً وساطوراً أراد أن يقطع به إحدى أصابع زوجته قبل أن يجهز عليها. وفي المنزل صاح بأولاده: “تعالوا كي تودعوا أمكم!” ولكن الزوجة تمكنت بأعجوبة من الإفلات من بين يديه والنجاة بحياتها.

بعد ثلاث سنوات من تلك الحادثة، اعترف وولدروب في محكمة المقاطعة بكل شيء، ولكنه قال للقاضي بأنه كان تحت ضغطٍ نفسيٍ شديد، وأنه يشعر بالخزي تجاه كل ما فعله. واجه وولدروب عقوبة الإعدام مُداناً بتهمة القتل العمد.

لجأ فريق الدفاع عن وولدروب إلى حيلةٍ غير تقليدية لإنقاذه من ذلك المصير، حيلة لم تعرفها قضايا القتل المتعمد من قبل. فقد طلبوا سحب عينة دموية من وولدروب وإرسالها إلى مختبر علم الوراثيات الجزيئية بجامعة فاندربيلت بمدينة ناشفيل، وذلك بهدف التحري عن جينة محددة. أظهرت نتائج التحليل المخبري بأن وولدروب يحمل طفرة على الصبغي إكس، في الجينة المسؤولة عن تصنيع إنزيم أوكسيداز أحادي الأمين –آ. ٱعفي برادلي وولدروب من عقوبة الإعدام بعد أن تذرّع محاموه بأن الطفرة الوراثية التي يحملها تدفعه للسلوك الإجرامي.

يُعد إنزيم أوكسيداز أحادي الأمين مسؤولاً عن تفكيك النواقل العصبية الهامة، مثل الدوبامين والسيروتونين. وفي حال عدم تفكيكها، فإنها تتراكم في الدماغ وتؤدي إلى ضعف التحكم بالتدفّع وزيادة مستويات العنف والغضب. وبدورهم، ادعى محامو وولدروب بأن جيناته هي المسؤولة عن جنوحه للعنف والجريمة. من الجدير ذكره بأن علماء الجينات كانوا قد ربطوا بين عوز إنزيم أوكسيداز أحادي الأمين والسلوك الإجرامي منذ أكثر من عقدين من الزمن. ثم بدأت وسائل الإعلام منذ عقدٍ مضى بالحديث عن إحدى الجينات التي تُسبب عوز الإنزيم المذكور، والتي أطلق عليها اسم “جينة المُحارب”، وتُعد واحدةً من الجينات الأكثر إثارةً للجدل بسبب ارتباطها بالعنف والسلوكيات النفسية المضطربة.

كما عزى بعض العلماء الأمراض النفسية إلى أسباب وراثية. ففي شهر يناير من عام 2016 ضجت الأوساط العلمية في مجال الصحة النفسية بخبر اكتشاف علماء من جامعة هارفارد للجينة التي يحتمل بأنها مسؤولة عن انفصام الشخصية: في خلال سنوات المراهقة والشباب الأولى تُسبب طفرة وراثية حدوث فرط تشذيب للوصلات العصبية في الفص الجبهي للدماغ المسؤول عن اتخاذ القرارات، مما يؤدي إلى اضطراب وظائف مثل الانتباه والتحكم بالتدفّع. وعلى الرغم من أن نسبة بسيطة من مرضى الفصام يجنحون إلى العنف، إلا أن الأمر ذاته لا ينطبق على جميع المرضى النفسيين، إذ يمكن أن تزيد بعض الاضطرابات النفسية الخطيرة من خطر الجنوح للعنف بنسبة ضعفين أو ثلاثة، مقارنة مع غير المصابين بمثل تلك الحالات.

مع كل جريمة قتل مروعة تضج بها وسائل الإعلام، يتساءل العلماء ومسؤولو الأمن والساسة والخبراء النفسيون وجميع الناس حول ما يمكن فعله لمنع حدوث مثل تلك الجرائم مستقبلاً. هل من الممكن تحديد الأشخاص الخطرين قبل أن يؤذوا أحداً؟ هل هناك ارتباط جيني بين قاتل متسلسل، مثل تيد باندي، وقاتل جماعي، مثل آدم لانزا، ومرتكب جريمة على الطرقات، مثل جاسون دالتون، الذي أدانته شرطة ولاية ميشيغان بقتل ستة أشخاص عشوائياً في فبراير من عام 2016؟

قد يكون من الصعب الإجابة عن هذه التساؤلات. إلا أنه ومع النجاحات المستمرة لعلماء الوراثة في سبر أغوار الشخصية البشرية وأمراضها، يبدو بأننا نخطو لما هو أبعد من النظريات السلوكية، وننحو أكثر باتجاه تبني نظريات الحتمية الجينية. ففي الوقت الذي نُقرّ فيه بأن جيناتٍ محددةٍ تزيد من خطر الإدمان على الكحول (وهي حالة ترتبط بضعف الشخصية)، ونُقرّ كذلك بأن الجينات قد تُبدل من وظائف الدماغ وتدفع المرء نحو الإصابة بالقلق، يبدو بأننا حصلنا على أدلة تشير إلى أن الأمر ذاته ينطبق على الجنوح نحو السلوكيات العنيفة.

هل هناك رابط جيني بين تيد باندي وآدم لانزا؟ إنه سؤال صعب يجعلنا نستحضر في أذهاننا علم تحسين النسل.

يُعد كينت كيهل أحد أبرز خبراء العلوم العصبية وفصام الشخصية والاضطرابات النفسية في العالم. ويعمل كيهل حالياً داخل عربة متنقلة على الأراضي التي تتبع لإصلاحية غرب نيو مكسيكو، حيث يقبع 440 نزيلاً في قرية جرانتس الصغيرة. يجلس كيهل خلف مكتبه الصغير أمام شاشات حاسب موصولة إلى كاميرات مراقبة تُسجل ما يحدث في الجوار، مع أنبوب أسطواني يُصدر صوت طنينٍ عالٍ. إنه جهاز رنين مغناطيسي وظيفي يبلغ ثمنه حوالي 2.2 مليون دولار. يستخدم كيهل هذا الجهاز لفحص أدمغة نزلاء الإصلاحية من القَتَلة ومرتكبي جرائم الاغتصاب ومُشعلي الحرائق، وغيرها من الجرائم.

يمتلك كيهل تصوراً فريداً حول مادة بحثه. فقد عاشت عائلته على بعد أمتار من مكان سكن تيد باندي في حي تاكوما الهادئ. وقد أحدث اعتقال باندي في العام 1975 واتهامه لاحقاً بقتل أكثر من 36 امرأة على مدى عقدين من الزمن، صدمةً هائلة عند جيرانه. تساءل كيهل: “كيف يمكن لشخص ترعرع في هذا الوسط الهادئ أن يجنح نحو ارتكاب مثل هذه الجرائم الشنيعة؟”. لقد دفع هذا التساؤل عالم العلوم العصبية بجامعة نيو مكسيكو لإمضاء ما يقارب 25 سنة في البحث عن الإجابة.

يعاني المُعتلّون النفسيون من انفصال عاطفي شديد، وتتراجع لديهم مشاعر التعاطف وتأنيب الضمير. وقد وجد كيهل بأن هذه الشريحة من الناس تشكل حوالي 16% من تعداد السجناء في أمريكا، وحوالي 1% من تعداد السكان العام. ولتصور ذلك بشكل أوضح، يمكن القول بأن شيوع الاعتلال النفسي يماثل شيوع اضطراب الشره المرضي، ولكن تشخيصه أكثر صعوبة، وهو ما يشكل خطورة كبيرة لأن المعتلّين نفسياً يكونون أكثر جنوحاً للعنف. وتُشير التقديرات إلى أن المجرمين المصابين باعتلال نفسي يُدانون بأربعة جرائم اعتداء قبل أن يبلغوا سن الأربعين. وقد أظهرت الدراسات على التوائم بأن هناك مكونات جينية خاصة تُميز المُعتلين نفسياً، ولكن القليل فقط من الخبراء يعتقدون بأنها سبب مباشر للاعتلال النفسي. يعتقد كيهل بأن الاعتلال النفسي قد يعود إلى عيوب في القشرة الحوفية وشبه الحوفية في الدماغ، والتي تُستخدم في توليد العواطف والتحكم بالاندفاع وإيلاء الانتباه. ولإجراء الفحص، يضع كيهل رأس النزيل تحت وشيعة تقوم بإرسال واستقبال إشارات مغناطيسية. ثم يقوم كيهل بعرض عبارات على النزيل من قبيل “السرقة من مكان العمل” أو يعرض عليه صور حوادث سيارات. ويسأل النزيل عن تقييمه عن مدى العدائية الأخلاقية لكل عبارة أو صورة.

عندما يفكر النزيل بالإجابة عن السؤال، تبدأ الخلايا العصبية في دماغه بإرسال سيالات عصبية، ويقوم الحاسوب بتسجيل زمن استجابة الخلايا العصبية وتحديد المنطقة من الدماغ التي تنشطت في أثناء ذلك. وعند المقارنة بين شخص سليم نفسياً وشخص مُعتل نفسياً، فإن الأول تتنشط لديه مناطق مثل منطقة اللوزة المتصلة بالأحاسيس والتعاطف، في حين أن المعتل نفسياً لا تنشط لديه هذه المنطقة بشكل كبير. وبناءً على المنطقة التي تتنشط من الدماغ، يمكن لكيهل تحديد الكيفية التي يجيب بها النزيل عن السؤال. فإذا حاول النزيل على سبيل المثال خداع كيهل أو إعطاءه إجابات يعتقد بأنها مناسبة، فسيظهر لديه نشاط ضعيف في منطقة اللوزة، بينما يظهر النشاط الأكبر في المنطقة التي تعنى بالقضايا المنطقية.

بالمجمل، قام كيهل بجمع بيانات لأكثر من 4000 مجرم في ثمانية سجون في ولايتين أمريكيتين، ما يمكن اعتباره اليوم أكبر مكتبة للعلوم العصبية الجنائية في العالم. وجد كيهل بأن المُعتلين نفسياً يميلون لأن تكون لديهم كمية أقل من المادة الرمادية في منطقة الدماغ التي يُركز عليها في استقصاءاته، بالإضافة إلى حجم لوزة أصغر. بالمختصر، يقول كيهل: “إنهم يمتلكون أدمغة مختلفة، وإن 50% من هذه الفوارق تنجم عن الجينات. إن ذلك ليس مستغرباً عند الباحثين في مجال العلوم العصبية.”

اكتسبت جهود كيهل شهرة كبيرة، بحيث أن أهالي الأطفال المصابين باضطرابات نفسية كثيراً ما يطلبون استشارته. أما كيهل فإنه يشعر بالحزن لعدم قدرته على فعل شيء لهؤلاء الأطفال، فهو لا يمتلك حتى الآن إجابات واضحة على تساؤلات أهاليهم. ويقول: “تصلني رسالة واحدة في الأسبوع على الأقل من أهالي أطفال يعانون نفسياً، ويسألونني: هل يشكو طفلنا من اعتلال نفسي؟ وربما أكون آخر شخص يمكن أن يجيبهم عن سؤالهم!”.

بدأت جهود البحث عن الجذور الجينية للعنف مع دخول سيدة إلى المستشفى الجامعي بمدينة نايميخن الهولندية في العام 1978، حيث طلبت استشارة الأطباء حول حالة بعض الرجال في عائلتها (ابنها وبعض أخوتها)، فقد كانت تشتبه بأنهم يعانون جميعاً من نفس الاضطراب العقلي. اثنان منهم قاما بجرائم حرق متعمدة، في حين أن أحدهم حاول اغتصاب شقيقته، وحاول آخر قتل مديره في العمل عن طريق صدمه بسيارة، وقام آخر بإشهار السكين بوجه شقيقاته مجبراً إياهن على خلع ثيابهن.

في الحقيقة فإن العنف العائلي قد بدأ يلفت الأنظار منذ سبعينيات القرن السابع عشر وذلك بحسب ما تُظهر شجرة عائلة مفصلة لأنساب مرتكبي حوادث العنف جرى رسمها في العام 1962. بعد مضي أكثر من عقد على زيارة تلك السيدة لمستشفى نايميخن، تمكن الباحثون من اكتشاف السبب. توجد لدى الرجال الذين يجنحون للعنف طفرة وراثية على الصبغي إكس. وأدرك الباحثون لاحقاً بأن تلك الطفرة تقع على الجينة المسؤولة عن إنتاج إنزيم أوكسيداز أحادي الأمين. وبما أن الجينة تقع على الصبغي إكس الذي توجد لدى الرجال نسخة واحدة منه فقط، لذلك يكون الرجال أكثر عرضة للمعاناة من آثاره، بينما النساء يمتلكن نسختين من هذا الصبغي، فإذا كانت الجينة على النسخة الأولى معيبة، فإنها غالباً ما تكون طبيعية على النسخة الثانية وتعمل بشكل جيد، وبالتالي يمكنها التعويض عن العيب الجيني في النسخة الأولى. ولكن بالمقابل، يمكن للنساء نقل تلك الصفة الوراثية إلى أبنائهن. بعد التوصل إلى تلك المعلومات أجريت فحوص للنساء في العائلة سالفة الذكر للتأكد من وجود هذه الجينة المعيبة لديهن أو لا.

وجد باحثون بأن عائلة ألمانية تمتلك تاريخاً في ارتكاب الأعمال العنيفة والاغتصاب وإشعال الحرائق كانت تتوارث نفس الاضطراب الجيني.

ومن ذلك الحين، وجدت عدة مشاريع بحثية عوامل جينية أخرى ترتبط مع السلوك العنيف. ففي العام 2011، وجد باحثون ألمانيون ارتباطاً بين النزعة إلى السلوك الإجرامي وطفرة في الجينة المسؤولة عن إنتاج بروتين يُدعى أتيكول-و-ميثيل ترانسفيراز (COMT). وكما هو الحال مع أنزيم أوكسيداز أحادي الأمين، فهو ينظم مستويات الدوبامين. وبعد أربع سنوات، قام باحثون فنلنديون بإجراء دراسة على نزلاء السجون ووجدوا بأن مرتكبي أعمال العنف غالباً ما تكون لديهم طفرات في الجينة المسؤولة عن إنتاج إنزيم أوكسيداز أحادي الأمين، أو طفرات في الجينات المسؤولة عن إنتاج بروتين CDH13، وهو البروتين الذي يساعد خلايا الدماغ على إصدار الإشارات الكهربائية. جرى نشر هذه الدراسة في مجلة الطب النفسي الجزيئي، وخلص الباحثون فيها إلى أن طفرة CDH13 والخلل الخلوي الناجم عنها هو “عامل معقول” للسلوك الإجرامي العنيف. وكانت دراسات سابقة ربطت بين هذه الطفرات الجينية والإصابة بكل من التوحد والفصام واضطراب قلة الانتباه وفرط النشاط.

إن التصور بأن الأسس البيولوجية للعنف قد تكون موجودة فعلاً أربك العديد من العلماء والباحثين في مجال الأخلاقيات، إذ يؤكد هؤلاء على أن العوامل البيئية تلعب دوراً كبيراً في كيفية تعبير الجينات عن نفسها وتأثيرها في سلوك الشخص. فعلى سبيل المثال، إن امتلاك جينة تزيد من خطر سرطان الثدي لا يعني بأن المرأة ستصاب حتماً بسرطان الثدي، وامتلاك جينة ترتبط بالفصام لا يعني بأن صاحبها سيُصاب حتماً بهذا المرض النفسي. يقول دانييل وينبيرجر، مدير معهد ليبر لتطور الدماغ بجامعة جون هوبكنز الأمريكية: “الجينات هي البرامج التي تُشغل كل خلية في الجسم في كل ثانية من حياتها. فإذا ورث أحدهم أخطاءً في تكوينه الجيني، فقد تضعه جيناته على بداية طريق جديد، ولكنها لن تقرر وجهته النهائية. إنها ليست قدراً محتوماً، وإنما مجرد عوامل تزيد من خطر الإصابة بحالة ما، شأنها في ذلك شأن العوامل البيئية المحيطة.”

هناك العديد من الأشخاص الذين يحملون نفس الطفرة الجينية الموجودة لدى المجرم الذي قتل صديقة زوجته، ولكنهم لن يقوموا بإيذاء أي أحدٍ مطلقاً.

بعد كل ذلك، هناك العديد من الأشخاص الذين يحملون نفس الطفرة الجينية التي يحملها برادلي وولدروب، الرجل الذي قتل صديقة زوجته، ولكنهم لن يقوموا بقتل أو إيذاء أي أحد. ومع ذلك، فقد أصبحت المحاكم ساحة للنقاش العلمي والأخلاقي حول دور الجينات في جعل الشخص مؤهباً للقيام بأفعال إجرامية. تشير بيانات المحاكمة الأمريكية إلى أن فرق الدفاع عن المتهمين الجنائيين احتجت حوالي 80 مرة بعوامل جينية، وذلك في الفترة بين عامي 1994 و2011. تقول ديبورا دينو، مديرة مركز القانون والعلوم العصبية بجامعة فوردهام الأمريكية : “يبذل المحامون جهوداً مضنية للبحث عن تفسير بيولوجي للسلوكيات الإجرامية عند المتهمين”.

في قضية وولدروب، أسقطت هيئة المحلفين عقوبة الإعدام عنه واستبدلتها بعقوبة السجن. إذن، فقد نجحت الذرائع الجينية في إنقاذ حياة قاتل. وقد سُئل أحد أعضاء هيئة المحلفين عما إذا كانت جينات وولدروب هي من ألجأته إلى القتل، فقال: “نعم، إنني متأكد من ذلك!” ولكن دينو تقول بأن دور الطفرات الجينية وارتباطها بزيادة خطر الجنوح للعنف قد أسيء فهمه في المحاكم ووسائل الإعلام. يهدف علم الوراثيات السلوكية إلى دراسة تأثير العوامل الجينية والبيئية في سلوك الإنسان. إنه علم متداخل مع العديد من فروع العلم الأخرى، مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الإحصاء، وغيره من العلوم. تقول دينو: “على الرغم من أن الجينات تؤثر في السلوك، إلا أنها لا تتحكم به ولا تسيطر عليه”.

في الحقيقة، فإن العوامل البيئية – وهي عوامل متنوعة جداً مثل سوء التغذية والصراعات الاجتماعية والاقتصادية، والفقر والتربية وغيرها – تبقى صاحبة التأثير الأكبر في سلوك الشخص عندما يصل إلى سن البلوغ. فمن المعروف لدى علماء النفس بأن اضطهاد الطفل هو عاملٌ كافٍ بمفرده ليزيد خطر جنوحه لاحقاً إلى العنف. وكانت دراسة علمية أجريت في العام 2002 ونُشرت في مجلة العلوم قد خلُصت إلى أن الأطفال الذكور الذين ينشؤون في كنف عائلات منحرفة أو تمارس ألواناً من العنف والعقاب على الأطفال يزداد لديهم خطر تكوين شخصيات معادية للمجتمع وتجنح نحو العنف وإيذاء الآخرين. بالطبع فلن يجنح جميع الصِبية المضطهدين إلى العنف، ولكن المقصود هو أن الطفرات الجينية – مثل تلك التي تؤدي إلى خلل عصبي أو فرط نشاط في الدماغ – هي عوامل مؤثرة وتزيد من خطر جنوح الشخص للعنف، ولكنها بالتأكيد ليست العوامل الوحيدة أو السبب الجذري للاضطراب.

في العام 2012 وقعت حادثة قتل جماعي مؤسفة في مدرسة ساندي هوك الابتدائية بمدينة نيوتاون بولاية كونيتيكت الأمريكية. حيث قام مراهق يُدعى آدم لانزا بقتل 20 طفلاً من أطفال المدرسة و6 من موظفيها وأمه ثم انتحر في النهاية. شارك جوليان فورد، اختصاصي طب النفس السريري عند الأطفال والمراهقين، في إعداد التقرير الاستقصائي الرسمي المكون من 114 صفحة والذي تناول شخصية المراهق آدم لانزا. كما قامت هيئة الفحوص الطبية بالولاية بإرسال عينة من دماغ المراهق إلى علماء الجينات بجامعة كونيتيكت وطلبت منهم تحليل الحمض النووي الخاص به. كانت تلك المرة الأولى التي تجري فيها دراسة الجينوم الخاص بقاتل جماعي.

على الرغم من الطلبات العديدة التي أرسلها موقعنا بوب ساي إلى كل من الطبيب الفاحص، وجامعة كونيتيكت، وعلماء الجامعة، إلا أن أياً منهم لم يوافق على الكشف عن محتويات التقرير أو حتى مناقشة ما الذي كانوا يبحثون عنه في الجينوم الخاص بالقاتل. ولكن غالب الأمر أنهم كانوا يبحثون عن طفرة جينية مرتبطة بالأمراض النفسية. في حياته الباكرة، عانى لانزا من الأرق وصعوبات في النطق. كان خجولاً، هادئاً، ومنعزلاً عن الناس. عندما كان في الصف الخامس الابتدائي كتب قصةً عنوانها “كتاب جريني الكبير”، وذلك ضمن نشاطٍ صفي. تحكي القصة حكاية امرأة عجوز تطلق النار على الأطفال وتحتفظ بجثة طفل كعباءة لها. لاحقاً، جرى تشخيص إصابة لانزا بمتلازمة أسبرجر، والقلق، واضطراب الوسواس القهري. وعلى الرغم من أن متلازمة أسبرجر لا ترتبط بالعنف، إلا أنها قد تكون أخفت سلوكه الإجرامي وأفكاره العنيفة. وبناءً على نصيحة أحد الأطباء النفسيين، أخرجت والدة آدم طفلها من المدرسة كي تتولى مهمة تعليمه في المنزل. وعلى الرغم من أن العديد من الأشخاص لاحظوا المشاكل التي يعاني منها لانزا، إلا أن “اضطراباته العاطفية الشديدة هي الشيء الذي لم يتمكن المحيطون به من ملاحظته” بحسب فورد.

تُعد المراهقة فترةً حرجةً، ليس بسبب تقلبات المزاج الناجمة عن ارتفاع مستويات الهرمونات فقط، وإنما لأنها أيضاً الفترة التي يزداد فيها احتمال ظهور الاضطرابات النفسية. فعلى سبيل المثال، غالباً ما تظهر أعراض الفصام بشكل مفاجئ في فترة المراهقة وبداية البلوغ. وفي دراسة أجرتها جامعة هارفارد في يناير من عام 2016، تمكن العلماء من تحديد جينة يُحتمل بأنها مسؤولة عن هذا التوقيت: إنها الجينة المسؤولة عن عملية التشذيب المتشابك الطبيعية، والتي يقوم الدماغ بموجبها بمسح الارتباطات غير الفعالة بين الخلايا العصبية التي تنشأ في أثناء تطور الدماغ. يحدث ذلك في قشرة الدماغ قبل الجبهية، حيث يقع مركز التفكير والتخطيط. يواجه الأشخاص الذين يحملون طفرة جينية تؤدي إلى تسارع عملية التشذيب احتمال أكبر للإصابة بالفصام.

يقول ستيفن ماك كارول، اختصاصي العلوم الجينية والمعد الرئيسي للدراسة: “لهذا السبب من المهم جداً أن يحصل المراهقون على الرعاية المناسبة. فغالباً عندما تبدأ الأعراض المرضية بالظهور يكون المراهق تحت إشراف طبيب أطفال لا يمتلك خبرةً كافيةً في الطب النفسي.”

ومن القصص الناجحة التي ذكرها ماك كارول قصة برنامج أسترالي مستمر للصحة النفسية بدأ في العام 2006 وأطلق عليه اسم هيدسبيس headspace، يدير البرنامج أكثر من 80 عيادةً تقع في أماكن غير تقليدية وتمتاز بسهولة الوصول إليها من قبل العامة. يقول ماك كارول: “تقع بعض تلك العيادات في مراكز التسوق، وتتميز بتصميم عصري وألوان جذابة وفرش مريح، كي لا يشعر الشخص بأنه يجلس ضمن عيادة. أتمنى لو كان بالإمكان تعميم هذه التجربة على جميع البلدان”. ولكن ماذا عن أطفال من أمثال آدم لانزا، والذي تسرب من خلال ثغرات نظام الرعاية الصحية؟ هل كانت الاختبارات الجينية لتساعد على توقع سلوكه الإجرامي؟ في الوقت الحالي، لا. ويشكك الباحثون بالقدرة على تحقيق ذلك في المستقبل أيضاً. يقول ماك كارول: “لا نمتلك حالياً ما يكفي من معلومات حول الجينات كي نستخدمها كجزء من عملية التشخيص”.

هناك العديد من التحفظات حول ما نبحث عنه وما يمكن أن نحصل عليه، بالإضافة إلى مخاوف بشأن خصوصية المريض ووصمة العار التي قد تلحق به، وما الذي يمكن فعله عند معرفتنا بوجود استعداد جيني للعنف لدى شخص ما. ولكن بأية حال، فإن معرفة المزيد عن الواسمات الجينية، حتى وإن لم تُفضِ إلى التحري عن المجرمين، فسوف تساعدنا على تحقيق فهم أفضل للعنف وجذوره. وكلما فهمنا الموضوع بشكل أفضل كلما ساعدنا ذلك على منع أشباه تلك الجرائم من الحدوث.

إذن، من الصعب أن نوقف عملية التحري عن الدلائل الجينية. يمتلك دانييل وينبيرجر، اختصاصي العلوم العصبية بجامعة جون هوبكنز، أكبر مجموعة من الأدمغة المحفوظة لأشخاص متوفين كانوا مصابين باضطراب الكرب ما بعد الصدمة. فقد دأب على دراسة هذه الأدمغة بحثاً عن أدلة جزيئية تُشير إلى مرض نفسي ما. يقول وينبيرجر: “اقتصرت معرفتنا لعقودٍ من الزمان على ماهية أعراض الأمراض النفسية، وسلوكيات المصابين بها، وما الذي يشعرون به، إلا أننا لم نعلم شيئاً عن الأسباب الكامنة وراءها. واليوم، وبفضل علم الجينات، أصبحنا نعرف أموراً كانت منذ 10 سنوات محض خيالٍ علمي.” ومع ذلك، فإن وينبيرجر لا يخفي قلقه من النتائج التي قد يصل إليها العلم، والكيفية التي ستتعامل بها المجتمعات معها. ويختم بالقول: “يحمل الجينوم الخاص بكل إنسان مستويات مختلفة من خطر الإصابة بأمراض مختلفة، وفي النهاية لابد أن يُصاب كل إنسان ببعض تلك الأمراض”.

error: Content is protected !!