Reading Time: 4 minutes

هل يمكن أن تؤثر المتغيرات التي تتعرض لها الأم خلال فترة الحمل على سلوك الأطفال في المستقبل وفي مراحل عمرية أكبر؟ هل تتأثر سلوكياتنا بالعوامل البيولوجية لأجسادنا؟ هل يمكن أن يتنبأ علم الأعصاب بالسلوك الإجرامي؟ 

هذه التساؤلات ناقشتها عدة دراسات بحثية. ففي العام 2014، قدّم الباحثان «أدريان راين»، أستاذ الطب النفسي في جامعة بنسلفانيا، بالاشتراك مع «أندريا جلين»، أستاذ علم النفس في جامعة ألاباما ورقة بحثية نشرت في دورية نيتشر، شملت قراءة مستفيضة لمضمون 185 دراسة بحثية، تناولت العلاقة بين علم الأعصاب والتنبؤ بالجريمة، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على النظام القضائي في الولايات المتحدة الأميركية.

وفقًا للبحث يعتبر السلوك الإجرامي والعنف المتزايد من مشاكل الصحة العامة، وظهرت مجموعة متزايدة من المؤشرات عن أن السلوك الإجرامي له أساس بيولوجي عصبي؛ والتقدم في علم الأعصاب يزيد من فهمنا لكيفية تأثير العوامل البيولوجية على سلوكنا سواء كان خيراً أو شراً.

قدمت الدراسة لمحة عامة عن التشوهات العصبية البيولوجية المرتبطة السلوك الإجرامي، كما تم بحث العوامل الوراثية والبيئية التي قد تسهم في هذه التشوهات السلوكية والانحرافات الأخلاقية.

علم الوراثة

الصحة النفسية, علم الأعصاب, الحمل, التدخين, الخمور, الأطفال, المراهقين

تقاربت النتائج التي توصلت إليها أكثر من 100 دراسة وراثية سلوكية ذات تصميمات مختلفة تمت أغلبيتها في الولايات المتحدة الأميركية، وأحدثها هي دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا عام 2017، بما فيها دراسات عن التوائم الذين تم تربيتهم في نفس الظروف، ودراسات عن التبني بُنيت جميعها على الاستنتاج بأن السلوك المعادي للمجتمع والعدوانية له أساس وراثي كبير.

ركزت الأبحاث مؤخراً على تحديد الجينات التي تسبب السلوك المعادي للمجتمع، ما يقرب من نصف الدراسات الـ 185 أبلغت عن نتائج إيجابية. ومن المرجح أن تكون مساهمة أي جين في السلوك العدواني صغير للغاية، ومن المحتمل أن يؤدي الجمع بين أكبر عدد من المتغيرات الجينية إلى زيادة كبيرة في خطر السلوك العدواني. 

رغم ذلك قد تكون معرفة الجينات الفردية مفيدة في تحسين فهمنا للآليات والمسارات التي تزيد من خطر السلوك العدواني، كما أن البيئة تلعب دوراً مؤثراً بالقدر ذاته. من ضمن العوامل البيئية التي تساهم في زيادة خطر السلوك العدواني، هي التعرض للإساءة في مرحلة الطفولة المبكرة.

تأثير متغيرات مرحلة الحمل

حمل, أم, الصحة النفسية, علم الأعصاب, الحمل, التدخين, الخمور, الأطفال, المراهقين

تصاب بعض الأمهات بمضاعفات ما بعد الولادة أبرزها اكتئاب ما بعد الولادة حيث ترفض الأم طفلها خلال السنة الأولى من عمره. هذه عوامل تؤثر بدورها على ارتكاب الشخص لجرائم عنيفة، وذلك وفق الدراسة التي أجريت في الدنمارك

كما أظهرت 5 دراسات أخرى وجود ارتباط بين المضاعفات في مرحلة الولادة، ومشاكل السلوك الخارجي، مثل العنف وفرط النشاط والحركة عند الأطفال. ارتبط سوء النمو الجنيني خلال الثلث الثاني من الحمل بالانحراف العنيف في وقتٍ لاحق، والإساءة العنيفة في مرحلة البلوغ، وقد تكون العلاقة بين سوء النمو العصبي الجنيني وعدوان الطفولة واضطراب سلوك المراهقين، أكثر وضوحاً عندما تقترن بآثار الولادة في ظروف مادية سيئة، أو المرور بالشدائد الاجتماعية. كما ارتبطت المخالفات الإجرامية بمؤشر آخر للاضطراب في نمو الجنين، وهو تجويف الحاجز النخاعي، وهو السائل الدماغي الشوكي.

تأثير التدخين والخمور

الصحة النفسية, علم الأعصاب, الحمل, التدخين, الخمور, الأطفال, المراهقين

يعد تدخين الأم للسجائر وتعاطي الخمور خلال فترة الحمل من العوامل التي قد تهيئ الأفراد للإساءة العنيفة في مرحلة البلوغ، وهي النتائج التي تم تكرار رصدها عبر دراسة منشورة عام 2016 تتحدث عن تأثير تدخين الأم على سلوك الطفل المتسم بالعدوانية وفرط الحركة؛ هذا بخلاف المشاكل الصحية الأخرى في عدة قارات مثل أمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا.

ثبت وجود ارتباط بين تعاطي أي كميات من الكحول حتى لو كانت كميات صغيرة أثناء الحمل بزيادة عنف الأطفال. يدور الجدل العلمي حالياً حول ما إذا كان التعرض للنيكوتين يتسبب في نقص الأكسجين عند الجنين؛ والذي يؤدي بدوره إلى ضعف في قدرات المخ لدى الطفل.

كما أشارت الدراسة التي أعدتها جامعة سان باولو في البرازيل، إلى أن التعرض لمستويات كبيرة من الرصاص أثناء الحمل، وفي مرحلة الطفولة يؤثر وبشكلٍ كبير على سلوكيات الأطفال التي تتسم بالعنف والعدوانية، وهو ما أظهرته ست دراسات بحثية في البرازيل. كما يرتبط تعرض الأم إلى مستويات كبيرة من الرصاص خلال الثلث الأول والثاني من الحمل بزيادة خطر التعرض للاعتقال لارتكاب جرائم عنيفة في سن الرشد؛ 21 عامًا.

ارتبط رصد مستويات مرتفعة من المنجنيز في دم الأم خلال فترة الحمل زيادة السلوك العدواني لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و 9 سنوات. وارتبط سوء التغذية في الثلث الأول أو الثاني من الحمل بحدوث اضطراب في الشخصية، ومشاكل السلوك في مرحلة المراهقة بزيادة تقدر بضعفي الأطفال الذين حظيت أمهاتهم بتغذية جيدة خلال فترة الحمل.

فيما يتعلق بالسلوك المعادي للمجتمع، لوحظ كثيراً حدوث اضطرابات في الغدة النخامية، وهي غدة موجودة في قاعدة المخ تتحكم في إفراز العديد من الهرمونات، وأيضًا يحدث اضطرابات في الغدة الكظرية والتي تتحكم في قيام الجسم بوظائفه بشكل سليم ، كما أن الإجهاد النفسي في المراحل العمرية المختلفة قد ينتج عنه تغيرات دائمة في سلوكيات الأفراد بشكل معادي للمجتمع.

كما أشارت الورقة البحثية إلى احتمال وجود علاقة سببية بين ضعف بنية القشرة الدماغية المدارية أو الوظيفة من ناحية، والجريمة من ناحية أخرى. تبين أن إصابة الرأس لدى الأفراد الطبيعيين ظاهريًا تسبق ظهور السلوك العنيف. على سبيل المثال؛ تم العثور على مستويات أعلى من العدوان في قدامى المحاربين الذين عانوا من إصابات في الرأس اخترقت إلى القشرة البطنية الأمامية البطنية.

اختتمت الورقة البحثية بطرح التساؤل: إذا كان من الممكن أن توفر علم الجريمة العصبية رؤى متواضعة للغاية حول كيفية الحد من المخالفات المستقبلية، ويمكن إعادة النظر إلى طريقة التأهيل التي يتم بها التعامل مع المخالفين الجنائيين، لماذا لا يتم الاسترشاد بهذه الأبحاث، والتي تعتبر متناثرة في الوقت الحالي ولكن رغم ذلك يمكن الاسترشاد بها في البحوث المستقبلية؟

هل يمكن بالفعل أن نعيش في عالم مثالي بلا جريمة إذا تم تتبع أسباب السلوكيات العنيفة والقضاء عليها؟ هل ينجح العلم في ذلك، أم أن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية هي الغالبة بطبيعة الحال؟