Image

تترافق الرحلات الجوية مع القليل من المخاطر الصحية، إلا أن الخطر الأكبر الذي تسببه قد لا يدركه المسافرون

Bread assortment زمن الرحلات الجوية التجارية آخذٌ بالازدياد شيئاً فشيئاً

في شهر فبراير من عام 2016 جرى الإعلان عن تنظيم رحلة جوية بين مدينة أوكلاند في نيوزيلاندا والعاصمة القطرية الدوحة، وكانت في حينها الرحلة الجوية الأطول زمناً في العالم، إذ تستغرق حوالي 17.5 ساعة. لم يمضِ وقت طويل قبل أن يجري تحطيم ذلك الرقم القياسي بالإعلان عن رحلات جوية أكثر طولاً، كما في الرحلة الجوية بين مدينتي سنغافورة ونيويورك والتي تستغرق 19 ساعة، والرحلة الجوية بين مدينتي سيدني ولندن والتي تستغرق 20 ساعة.

يوماً بعد يوم يزداد إقبال شركات الطيران على تنظيم مثل هذه الرحلات الجوية الطويلة جداً، والسبب في ذلك هو ظهور أجيال جديدة من الطائرات العملاقة القادرة على التحليق لمسافات طويلة، وهو ما يعزز من الفعالية والجدوى الاقتصادية للرحلات الجوية، وذلك على الرغم من أنها تسبب إرهاقاً أكبر للمسافرين. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل هناك زمن محدد للرحلة الجوية تُشكل بعده خطراً على صحة المسافرين؟

في الحقيقة، هناك عددٌ قليلٌ من المخاطر الصحية المرتبطة بالسفر جواً (بغض النظر عن المخاطر المرتبطة بالكوارث الجوية كسقوط الطائرة أو اختطافها)، وإن زيادة مدة الرحلة الجوية لبضع ساعات لن يؤثر كثيراً على صحة المسافرين. يقول فانانسي أنزالون، اختصاصي طب الطيران، والمدير السابق للرابطة الطبية للرحلات الجوية: “إن زيادة مدة الرحلة الجوية لفترة قصيرة لن تُحدث فارقاً مهماً. ولكن هناك العديد من الاعتبارات التي ينبغي الانتباه لها عند اتخاذ قرار بحجز مقعد في رحلة جوية طويلة”.

إن الجلوس بدون حراك في مقعد ضيق لساعات طويلة ليس أمراً مزعجاً وحسب، وإنما قد يؤدي أيضاً إلى الإصابة بالخثار الوريدي العميق، وهو حالة مرضية تنجم عن تشكل جلطات في الساقين بسبب ضعف الجريان الدموي فيهما. وكلما ازدادت فترةٍ الجلوس بدون حراك كلما ازداد خطر الإصابة بهذا المرض. ومن الاختلاطات الخطيرة للخثار الوريدي العميق أن تنحل الجلطات جزئياً ثم تتابع مسيرها في الدم لتعلق في أحد الأوعية الدموية داخل الرئة، ما قد يكون مميتاً. ولحسن الحظ فإن هذا الاختلاط نادر. ويمكن الحد من خطر الخثار الوريدي العميق عن طريق المشي ضمن الطائرة أو ثني وتحريك الساقين بشكل منتظم.

يقول أنزالون: “ينبغي على المسافرين عدم الجلوس المتواصل لأكثر من ثلاث أو أربع ساعات، وإنما النهوض والمشي ضمن الطائرة. كما إن ثني مشطي القدمين نحو الأسفل والأعلى بشكل متكرر يمكن أن يقي بشكل كبير من خطر الإصابة بالخثار الوريدي العميق”. من الضروري أيضاً للمسافر أن يُحافظ على إماهته، ويكون ذلك من خلال شرب كميات وافرة من المياه طيلة مدة الرحلة، وتجنب المشروبات المُدرة للبول، مثل المشروبات الغازية والقهوة. وينصح أنزالون بالبدء بهذه القواعد قبل يوم من موعد السفر.

من الجدير ذكره أن جفاف جو الطائرة يزيد من احتمال جفاف الأغشية المخاطية للمسافر وبالتالي زيادة خطر التقاطه للعدوى بالبكتيريا والفيروسات المختلفة (مثل فيروس الزكام أو الأنفلونزا). يقول أنزالون: “كلما ازداد زمن الرحلة، كلما ازداد خطر التعرض لأنواع البكتريا والفيروسات المختلفة، وبالتالي التقاط عدوى من المسافرين الآخرين على متن الطائرة”.

وهكذا، فقد يكون من سوء حظ المسافر أن يجلس إلى جوار مسافر آخر مريض. أما على الجانب الآخر، فإن الاعتقاد بأن إعادة تدوير الهواء ضمن الطائرة يزيد من خطر انتقال الأمراض المعدية هو محض خرافة. يقول جوخن هنكلباين، أستاذ التخدير بجامعة كولونيا الألمانية ورئيس الجمعية الألمانية لطب الرحلات الجوية: “إن تدفق الهواء وإعادة تدويره ضمن الطائرة هو عملية متطورة تقنياً، ولا تزيد من خطر التقاط العدوى من مسافر مريض إذا كان يجلس على بعد صفين أو أكثر من مسافر آخر”.

وبحسب أنزالون، فإن الخطر الأكبر لالتقاط العدوى يأتي من الاحتكاك مع الأسطح التي يمكن للبكتريا أن تتراكم عليها، مثل طاولة الطعام أو مرحاض الطائرة أو غيرها. يقول أنزالون: “من تجربتي الشخصية، فإن شركات الطيران الكبرى التي تقوم برحلات جوية طويلة جداً تبذل جهوداً مضنية للتأكد من نظافة وعقامة هذه الأسطح بشكل مستمر. ومع ذلك فإنني أنصح باستخدام معقمات الأيدي والمناديل المرطبة وتقليل الاحتكاك مع الأسطح التي يحتمل بأن تكون ملوثة”.

أما بالنسبة للأشعة الكونية، فلا يمكن فعل الكثير للوقاية منها، ولابد لكل مسافر على متن الرحلات الجوية أن يتعرض لكمية قليلة من الإشعاعات القادمة من الفضاء. يقول ستيفن باريت، مهندس الطيران بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “كلما أمضيت وقتاً أطول على متن الطائرة كلما تعرضت لكمية أكبر من الإشعاعات الكونية”. ولكن كمية الإشعاعات التي يتعرض لها المسافرون على متن الرحلات الجوية غالباً ما تكون أقل بكثير من الحد الأعلى المسموح به من الإشعاعات. يقول باريت (الذي أجرى دراسةً حول مقدار الإشعاعات التي يتعرض لها المسافرون في الطائرات): “وحدهم الأشخاص الذين يسافرون بكثرة على متن الطائرات قد يتجاوزون الحد الأعلى المسموح به من الإشعاعات، ومع ذلك فإن تلك الكمية من الإشعاعات لا تصل إلى الحد الذي يمكن أن يُسبب مخاوف صحية، مع الإشارة إلى أننا لا نعلم بعد ما إذا كانت تلك الجرعات المنخفضة من الإشعاع تترك آثاراً سلبيةً على المدى الطويل، وما إذا كانت ضارة بالفعل أم لا”.

يُذكر بأن المراكز الصحية لمكافحة الأمراض والوقاية منها كانت قد صنّفت قائدي الطائرات وباقي أعضاء فريق العمل على متن الطائرة ضمن فئة العمال الذين يتعرضون للمخاطر الإشعاعية. وتنصح الوكالة هؤلاء بالتقليل من الرحلات الجوية الطويلة التي يقومون بها، وتجنب التحليق على ارتفاعات عالية، وتجنب التحليق فوق القطبين الشمالي أو الجنوبي.

من المخاوف الصحية الأخرى للرحلات الجوية الطويلة جداً أن الضغط الجوي على متن الطائرة أقل من نظيره على سطح البحر، وعلى الرغم من أن ذلك لا يسبب إزعاجاً لمعظم المسافرين، إلا أنه قد يلحق ضرراً بالمسنين والمصابين بأمراض قلبية أو مشاكل صحية أخرى.

وبشكل عام، كلما كنت الرحلة الجوية أطول زمناً كلما ازدادت مخاطر حدوث شيء سلبي في أثنائها. ومن جهةٍ أخرى، فإن شركات تصنيع الطائرات قد عمدت في السنوات الأخيرة إلى زيادة حجم طائراتها وزيادة طاقتها الاستيعابية من الركاب. وإن زيادة عدد الركاب يعني زيادة خطر إصابة أحدهم بحالة طارئة على متن الطائرة. يقول هنكلباين: “يوماً بعد يوم يُصبح السفر بحد ذاته أكثر شيوعاً وانتشاراً، وأكثر ملاءمةً للمسنين والمصابين بحالات مرضية. وهكذا أصبح لدينا توليفة سيئة مكونة من ثلاثة عناصر: الجلوس الطويل غير الصحي، زيادة نسبة المسنين والمرضى بين ركاب الطائرات، عدم تناول الركاب لكميات كافية من المياه”.

ويُضيف هنكلباين: “لا توجد حدود آمنة لزمن التحليق في الجو، ويعتمد ذلك على حالة كل مسافر على حدة. ولكنني شخصياً أعتقد بأن الرحلة الجوية التي تستغرق أقل من 12-14 ساعة يمكن اعتبارها آمنة لجميع المسافرين، أما الرحلات الجوية التي تزيد عن ذلك فينبغي اختيار المسافرين المرشحين لها بعناية أكثر قليلاً”. تشير البيانات إلى أن نصف الحالات الطبية التي تحدث على متن الطائرات تنجم عن مشاكل قلبية وعائية، وتتظاهر بشكل إعياء أو دوخة. تتباين معدلات حدوث حالات طارئة على متن الرحلات الجوية من حالة واحدة لكل عشرة آلاف مسافر إلى حالة واحدة لكل 40 ألف مسافر.

تزوَّد العديد من الطائرات الحديثة بأجهزة ومعدات طبية مثل مزيلات الرجفان القلبي. كما يُتاح لكل مسافر على متن رحلة جوية طويلة جداً الاتصال المباشر بالأطباء في أي مكان حول العالم، وذلك بحسب أنزالون، الذي يُضيف: “لقد سبق لي أن تكلمت مع بعض قائدي الطائرات حول المشاكل الصحية التي قد تحدث ضمن الرحلات الجوية، وكيفية تعاملهم معها، وما إذا كانوا يطلبون استشارة أطباء أو لا”.

وبحسب هنكلباين، فإن قلّة قليلةً من شركات الطيران تقوم بتسجيل بيانات الحالات الطبية التي تحدث على متن طائراتها. ويأمل هنكلباين بأن تقوم هيئات الطيران المدني باعتماد سجل دولي موحد يجري من خلاله تسجيل الحالات الطبية التي تحدث على متن الطائرات وإرسال تقارير مفصلة حولها، فمن شأن ذلك أن يساعد على معرفة الأسباب الأكثر شيوعاً للمشاكل الطبية على متن الرحلات الجوية”. يقول أنزالون: “بالنسبة للغالبية العظمى من المسافرين، فإن الرحلات الجوية تمر بسلام حتى وإن كانت طويلة جداً. لقد أصبح السفر جواً آمناً جداً في أيامنا هذه”.

وللمفارقة، فإن التأثير الأكبر للرحلات الجوية لا يقع على المسافرين على متنها، وإنما على الأشخاص الذين يعيشون على الأرض أسفل منها. يقول باريت: “إن التأثير الصحي الرئيسي يكمن في الانبعاثات التي تصدر عن الطائرات وتأثيرها على البشر بصورة عامة”. ففي دراسة علمية قام بها باريت وزملاؤه، أشارت النتائج إلى أن حوالي 16 ألف شخص يموتون سنوياً بسبب تلوث الهواء الناجم عن الطائرات. حيث ترتبط الانبعاثات الغازية الصادرة عن الطائرات (سواءً في أثناء إقلاعها وهبوطها أو في أثناء تحليقها) بسرطان الرئة والأمراض القلبية الرئوية. يقول باريت: “ولكن الرحلات الجوية الطويلة جداً قد تُقلل من خطر الانبعاثات الغازية التي تصدر عن الإقلاع والهبوط المتكرر في الرحلات التي تتضمن وقفات متعددة. فمن حيث التأثير المباشر على صحة الإنسان تكون الرحلات الجوية المباشرة التي لا تتضمن وقفات متعددة هي الأقل خطراً. وحتى وإن كانت الانبعاثات الغازية الصادرة عن الطائرة في أثناء تحليقها عالياً مضرة بصحة، إلا أن الانبعاثات الصادرة عن الطائرة في أثناء الإقلاع أو الهبوط أو التحليق على ارتفاعات منخفضة هي الأكثر خطورةً، لأنها أكثر قرباً من الناس”.

ومن الحلول الجذرية لمشكلة الانبعاثات الغازية الصادرة عن الطائرات استخدام الطائرات الكهربائية، والتي لا يصدر عنها أية غازات سامة. ولكن كلما كانت الرحلة الجوية أطول كلما تراجعت فرص استخدام مثل هذه التقنية. يقول باريت: “يمكن استخدام الطائرات الكهربائية في قطع مسافات لا تتعدى 1500 كم تقريباً، ما يعني بأنها غير قادرة على الدخول بشكل فعال في مجال الرحلات الجوية الطويلة جداً، وبالتالي فلا نرى حلاً حقيقياً يلوح في الأفق”.

error: Content is protected !!