Reading Time: 5 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


يهدد موسم الإنفلونزا الموسمي بمضاعفة عدد الوفيات الناجمة عن جائحة كورونا، لكنني أعتقد أن ذلك ليس حتمياً ويمكن الحيلولة دون حدوثه.

هناك نوعان شائعان من اللقاحات –لقاح المكورات الرئوية ولقاح المستدمية النزلية– والتي تحمي من الالتهاب الرئوي الجرثومي. تزيد هذه البكتيريا من حدّة الإنفلونزا وكوفيد-19 على حدّ سواء، وغالباً ما تؤدي الإصابة بها إلى الوفاة.

لقد قادتني دراستي لاتجاهات المرض ومعدلات التطعيم إلى الاعتقاد بأن الاستخدام الواسع النطاق للقاحات المكورات الرئوية والمستدمية النزلية؛ يمكن أن يحمي من الأعراض الخطيرة لمرض كوفيد-19 الذي يسببه فيروس كورونا.

أنا متخصص في علم المناعة وعلم وظائف الأعضاء، ومهتم بدراسة تأثير «الالتهابات المشتركة» على المناعة، وقد توصلت إلى رؤيتي هذه من خلال مقارنة ظاهرتين ما زالتا لغزاً وتبدوان غير مرتبطتان. الأولى هي إصابة الأطفال والرضع بفيروس كورونا، ولكن نادراً ما يتطور المرض لديهم أو يدخلون المشفى. أما الثانية فهي تباين عدد الحالات والوفيات بسبب فيروس كورونا بشكلٍ كبير من دولةٍ لأخرى، وحتى من مدينةٍ لأخرى حتى قبل بدء عمليات الإغلاق. لقد أثارت هذه الظاهرتان الكثير من التساؤلات لديّ، وبدأت بالبحث عن إجابةٍ لها.

خطر لي تفسير محتمل: معدلات التطعيم. يُطعّم معظم الأطفال بدءاً من عمر الشهرين ضد أمراضٍ عديدة، وكذلك البالغون، ولكن بمعدلاتٍ أقل، حيث تتباين معدلات تطعيم الرضع والبالغين بشكلٍ كبير في جميع أنحاء العالم. هل يمكن للاختلافات في معدلات التطعيم ضد مرضٍ واحدٍ أو أكثر أن تلعب دوراً في تفسير التباين الكبير في التعرّض لمخاطر كوفيد-19؟

نظراً لأني أجريت دراساتٍ سابقة تناولت أوبئةً أخرى مثل وباء الإنفلونزا الكبرى عام 1918 والإيدز، وعملت في تطوير اللقاحات، كان لدي فكرة وافية عن كيفية استيضاح العلاقة بين البيانات ذات الصلة لاختبار فرضيتي.

ترتبط معدلات التطعيم ضد المكورات الرئوية بانخفاض حالات ووفيات كوفيد-19

قمت بجمع بعض البيانات الوطنية والمحلية حول معدلات التطعيم ضد الأنفلونزا وشلل الأطفال والحصبة، والنكاف والحصبة الألمانية والدفتيريا، والكزاز والسعال الديكي والسل، والمكورات الرئوية والمستدمية النزلية من النوع بي. حاولت اكتشاف العلاقة بينها وبين معدل حالات الإصابة والوفاة بكوفيد-19 في 24 دولة شهدت تفشي الوباء في نفس الوقت تقريباً. كما أخذت بعين الاعتبار العوامل المؤثرة الأخرى مثل النسبة المئوية للسكان الذين يعانون من السمنة أو السكري، أو كبار السن.

وجدت أن لقاحات المكورات الرئوية هي اللقاحات الوحيدة التي توفر حماية ذات دلالة إحصائية معنوية ضد كوفيد-19. كان معدل التطعيم هو الأدنى بين الرضع والبالغين في دولٍ مثل إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا والبرازيل، وبيرو وتشيلي، والتي عانت من ارتفاع كبير في معدل الإصابة بفيروس كورونا. أما الدول التي عانت من معدلات إصابةٍ أقل بفيروس كورونا، مثل اليابان وكوريا والدنمارك وأستراليا ونيوزيلندا، كان لديها معدلات تطعيمٍ أعلى ضد المكورات الرئوية بين البالغين والرضع على حد سواء.

وقد أشارت دراسة حديثة لم تخضع لمراجعة الأقران في مايو كلينيك أيضاً إلى وجود ارتباطات قوية جداً بين التطعيم ضد المكورات الرئوية والحماية من فيروس كورونا. وقد تجلى ذلك بوضوح خصوصاً بين مرضى الأقليات الذين يتحملون وطأة جائحة فيروس كورونا أكثر. يشير التقرير أيضاً إلى أن اللقاحات الأخرى، أو اللقاحات المشتركة، مثل لقاح المستدمية النزلية ولقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية المشترك، قد توفر الحماية ضد الفيروس أيضاً.

تكتسب هذه النتائج أهمية خصوصاً بالنسبة للولايات المتحدة، نظراً لاختلاف معدلات تطعيم الأطفال ضد المكورات الرئوية، حيث تبلغ بين 74 – 92%. وبالرغم من أن مراكز السيطرة على الأمراض توصي بأن يحصل جميع البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً والذين يقعون ضمن الفئات المعرضة لمخاطر الإصابة العالية بكوفيد-19، وجميع البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً على التطعيم ضد المكورات الرئوية؛ فإن نسبة من يأخذ اللقاح من البالغين المعرضين لمخاطر عالية تبلغ 23% فقط، بينما تبلغ 64% بالنسبة لكبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً.

وكذلك الأمر بالنسبة للحصول على لقاح المستدمية النزلية. فرغم أن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها توصي أهالي الرضع وبعض البالغين المعرضين لمخاطر عالية بالتطعيم ضد المستدمية النزلية من النوع بي، إلا أن نسبة من يحصلون عليه تبلغ 80.7% فقط من الأطفال في الولايات المتحدة، والقليل جداً من البالغين المعرضين للخطر بسبب مشاكل وأمراض مناعية. كما تتدنى معدلات التطعيم ضد المكورات الرئوية والمستدمية النزلية بشكلٍ كبير بين الأقليات في الولايات المتحدة وفي البلدان التي ضربها الفيروس بشدة.

اعتماداً على هذه البيانات، أدعو إلى التطعيم الشامل ضد المكورات الرئوية والمستدمية النزلية بين الأطفال والبالغين المعرضين للخطر وجميع البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً للوقاية من الأعراض الخطيرة لمرض كوفيد-19.

التطعيم, كورونا, انتشار كورونا في العالم

على اليسار: معدلات التطعيم المشتركة لكل من الأطفال وكبار السن (فوق 65 عام)، يمين: عدد الإصابات بفيروس كورونا لكل مليون من السكان خلال 90 يوماً في 24 دولة. لدول ذات معدلات التطعيم المرتفعة ضد المكورات الرئوية لديها معدلات إصابة منخفضة بفيروس كورونا

كيف يقي التطعيم ضد المكورات الرئوية من كورونا؟

من المنطقي أن تقدم لقاحات المكورات الرئوية والمستدمية النزلية الحماية ضد أعراض مرض كوفيد-19 الخطيرة لعدة أسباب. فقد كشفت الدراسات الحديثة أن غالبية مرضى كوفيد-19 الذين ادخلوا إلى المستشفى، كانوا مصابين بالمكورات العقدية المسؤولة عن الإصابة بالالتهاب الرئوي، أو المستدمية النزلية أو غيرها من البكتيريا المسببة للالتهاب الرئوي. لذلك يجب أن تحمي لقاحات المكورات الرئوية والمستدمية النزلية مرضى فيروس كورونا من هذه العدوى، وبالتالي تقلل بشكلٍ كبير من خطر الإصابة بالالتهاب الرئوي الخطير.

وقد وجدت أيضاً أن لقاحات المكورات الرئوية والمستدمية النزلية، وربما لقاحات الحصبة الألمانية، قد تمنح حمايةً خاصة ضد فيروس كورونا من خلال «المحاكاة الجزيئية». تحدث المحاكاة الجزيئية عندما يعتقد الجهاز المناعي أن أحد الميكروبات يشبه ميكروباً آخر. وفي حالة فيروس كورونا، تبدو البروتينات الموجودة في لقاحات المكورات الرئوية، وبدرجة أقل، البروتينات الموجودة في لقاحات المستدمية النزلية والحصبة الألمانية أيضاً، مشابهة للعديد من البروتينات التي ينتجها فيروس كورونا.

يشبه إثنان من البروتينات الموجودة في لقاح المكورات الرئوية البروتينات الغشائية والبارزة في فيروس كورونا، والتي تسمح له بإصابة الخلايا. يشير هذا الأمر إلى احتمال وقاية لقاح المكورات الرئوية من عدوى فيروس كورونا. كما يمكن أن يكون هناك نوعان من المحاكاة، مثل محاكاة البروتين النووي، أو محاكاة بوليميراز الحمض النووي الريبوزي واللذان يتحكّمان بتكائر الفيروس. تُصنع هذه الفيروسات بعد حدوث العدوى الفيروسية، وفي هذه الحالة قد يسيطر لقاح المكورات الرئوية على تكاثر فيروس كورونا، ولكن لا يمنعه.

وفي كلتا الحالتين، قد توفر هذه اللقاحات حماية بالوكالة ضد عدوى فيروس كورونا، ويمكننا توفيرها الآن، حتى قبل أن يكون لدينا لقاح مخصص لفيروس كورونا. قد لا تكون هذه الحماية كاملة، وقد يظل الناس يعانون من فيروس كورونا، لكن مثل معظم الرضع والأطفال، قد يتمتعون بالحماية من أسوأ آثار الفيروس بفضل هذه اللقاحات.

          اقرأ أيضاً: كيف تعمل اللقاحات لقتل الفيروسات؟

محاربة الالتهاب الرئوي المرتبط بالإنفلونزا خلال جائحة فيروس كورونا

في حين أن الحماية المحددة التي توفرها هذه اللقاحات الأخرى ضد فيروس كورونا لم تُختبر بعد عبر التجارب السريرية، فإنني أدعو إلى تطبيق أوسع للتطعيم ضد المكورات الرئوية والمستديمة النزلية لسبب إضافي واحد ومثبت.

يُعد التهاب المكورات الرئوية أو المستدمي -كلاهما تسببه البكتيريا- السببان الرئيسيان للوفاة بعد الإنفلونزا الفيروسية. في الواقع، نادراً ما يتسبب فيروس الإنفلونزا في الوفاة بشكل مباشر، لكن الفيروس يجعل الرئتين أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات الرئوية البكتيرية، والتي قد تكون مميتةً غالباً. لقد أثبتت العشرات من الدراسات حول العالم أن زيادة معدلات التطعيم ضد المكورات الرئوية والتطعيم ضد المستدمية النزلية من النوع بي يخفض بشكلٍ كبير الالتهاب الرئوي المرتبط بالإنفلونزا.

وتُظهر دراسات مماثلة أن تكلفة هذه اللقاحات مقبولةٌ نظراً للوفورات التي يحققها من خلال تخفيض معدلات الاستشفاء المرتبط بالإنفلونزا وحالات القبول في وحدة العناية المركزة والوفيات. وفي سياق جائحة كوفيد-19، فإن خفض معدلات الاستشفاء المرتبط بالإنفلونزا الموسمية لوحده والقبول في وحدة العناية المركزة من شأنه أن يوفّر المزيد من الموارد لمحاربة فيروس كورونا بغض النظر عن أي تأثير قد يكون لهذه اللقاحات على فيروس كورونا نفسه. وبرأيي هذا هو السيناريو الأفضل.

باختصار، لا نحتاج إلى انتظار لقاح لفيروس كورونا لإبطاء انتشاره

أعتقد أنه يمكننا ويجب علينا أن نتحرك الآن من لمكافحة فيروس كورونا بجميع الأدوات المتاحة لدينا، بما في ذلك لقاحات الإنفلونزا والمستدمية النزلية والمكورات الرئوية، وربما لقاح الحصبة الألمانية أيضاً.

إن الوقاية من الالتهاب الرئوي ومضاعفات المستدمية النزلية المرافقة للإنفلونزا أو لكوفيد-19، وربما التطعيم بالوكالة ضد فيروس كورونا نفسه، سيساعد الجميع بطرقٍ عديدة. سيوفر إعطاء هذه اللقاحات المضادة لهذه الأمراض للناس -وهي متوفرة وتم اختبارها جيداً سابقاً- سيوفر المال عن طريق توفير أسرّة المستشفيات ووحدات العناية المركزة، كما ستعمل على تحسين الصحة العامة من خلال الحد من انتشار العدوى المتعددة، وتعزيز الاقتصاد من خلال العناية بالأشخاص الأصحاء.