Image

أنظر في كلا الاتجاهين قبل قراءة هذه المقالة

Bread assortment قام مختبر هانك للبيئات الافتراضية في آيوا بوضع المشاركين في حي افتراضي ثلاثي الأبعاد لإجراء دراسة جديدة حول تقنيات السيارة والمشاة.
مصدر الصورة: مختبر هانك للبيئات الافتراضية

أصبحت الأيام التي كنا ننظر فيها بالاتجاهين قبل أن نقطع الشارع من منسيات الماضي، حيث أن معظمنا لم يعد ينظر إلا نحو الأسفل، وهو يحدق بلا مبالاة في أعماق الشاشة. قد لا يبدو المشي بدون انتباه خطيراً مثل القيادة بدون انتباه، ولكنه قد يكون عاملاً مساهماً في الارتفاع الحاد في نسبة الموت والإصابات بين المشاة خلال السنوات الأربع المنصرمة، وذلك وفقاً لاتحاد مسؤولي السلامة على الطرقات السريعة.

ولكن هل يمكن استخدام نفس التقنية التي تشتت انتباهنا لإنذارنا من الخطر أيضاً؟ نشرت مؤخراً دراسة في مجلة Human Factors حول هذه المسألة، حيث درس فريق من علماء الحاسوب إمكانية مساعدة الشخص غير المنتبه على عبور طريق مزدحم بأمان بإرسال إشارات تحذير إلى هاتفه. يقول جوزيف كيرني، مؤلف مشارك في الدراسة وبروفسور في علوم الحاسوب في جامعة آيوا: “عادة ما يقف المشاة على حافة الطريق، على بعد ثانية واحدة من الموت المحقق، ولفترات طويلة من الوقت. وأثناء مرور السيارات بسرعة، يمكن لخطوة واحدة خاطئة أن تضع الشخص في خطر محدق”.

ولكن لا داعي للقلق، فلم يختبر الباحثون نظريتهم عن طريق دفع أشخاص حقيقيين إلى خضم السير المزدحم. يعمل كيرني في مختبر هانك للبيئات الافتراضية، والذي يستخدم “تكنولوجيا البيئة الافتراضية” لدراسة كيفية عبور البشر للشوارع المزدحمة. ارتدى المشاركون في الدراسة نظارات الواقع الافتراضي وسماعات رأسية، وحاولوا “التحرك” ضمن حي ثلاثي الأبعاد أثناء التراسل بالرسائل النصية، وكان الهاتف يصدر تحذيراً مرتفعاً عندما كانوا يوشكون على عبور طريق خطر.

تطابقت بعض النتائج مع المتوقع، حيث انتبه المشاة إلى التحذيرات وعبروا الشوارع بأمان في نهاية المطاف. غير أن كيرني لم يتوقع ردة فعل المشاة إلى إشارات التحذير التي انطلقت بعد البدء بعبور الشارع.

يقول كيرني: “لقد تفاجأنا بتصرف المشاة بعد البدء بالحركة، حيث أنهم لم يتوقفوا ويعودوا إلى الرصيف في جميع الحالات تقريباً، حتى مع سماع إنذار. كما وجدنا أيضاً أنهم قللوا من النظر إلى الطريق لتفقده بعد الحصول على هذا النظام للإنذار. ونسمي هذه المشكلة ’’إسناد العمليات الإدراكية إلى طرف آخر‘‘، أي أنك تسمح لهاتفك باتخاذ القرارات عنك”.

قد تبدو متابعة المشي بوجود سيارة مسرعة تتجه نحوك أمراً معاكساً للمنطق، وبدا هذا واضحاً في الدراسة. فقد أدت ثلث عمليات العبور الاختبارية، والتي بلغ عددها 300، إلى حوادث، ويقول كيرني أنه معدل أعلى بكثير مما نتج عن دراسات أخرى أجريت باستخدام المحاكاة. وعلى الرغم من أن المشاركين كانوا يعرفون أنهم لم يكونوا في خطر فعلي، يقول كيرني أن الحوادث مثلت صدمة حقيقية لهم، وأن الكثيرين منهم حاولوا القفز للابتعاد عن طريق السيارات الافتراضية.

تنطلق إشارات التحذير عند محاولة عبور طريق غير آمن

يقول كيرني أن الغريزة التي تدفع إلى الاستمرار بعبور الطريق بدلاً من العودة تتعلق بأثر يسمى تثبيط الاستجابة، وهو ما يقترح ببساطة أنه من الصعب إيقاف محرك ما بعد أن يبدأ بالدوران. وحتى لو كان الفعل الآخر- مثل التوقف عن العبور غير الآمن- سبيلاً للنجاة، فلم يختره بشكل غريزي سوى بضعة مشاركين، وفقاً لكيرني.

أما بالنسبة لمن يصرون على المشي والتحديق في أعماق الهاتف الخليوي، فلا داعي للذعر، حيث أن حوادث موت المشاة نادرة بشكل عام. ولكن من ناحية أخرى، يمكن تجنبها بسهولة، كما أنها بدأت تصبح أكثر انتشاراً.

وقعت حوالي 7,000 حادثة وفاة للمشاة في 2016، وذلك بزيادة 11% عن 2015، وفقاً للإدارة الوطنية لسلامة الطرقات السريعة. تعتبر هذه الزيادة الأكبر منذ 40 سنة، وأصبحت وفيات المشاة تشكل الآن 15% من مجمل الوفيات الناجمة عن حوادث السير سنوياً.

لا يمكن بطبيعة الحال أن نلقي باللوم كله على الهواتف الخليوية، حيث أن العوامل الجوية الصعبة، وعدم انتباه السائقين، والزيادة في عدد المشاة، ليست سوى بعض من العوامل الكثيرة التي تسهم في تصاعد هذه النسبة. ليست لدينا أرقام محددة حول عدد حوادث الوفيات الناجمة عن المشي بدون انتباه، ولكن هذا لا يعني استخفافاً بالمسألة.

في العام الماضي، أصبحت هونولولو أول مدينة في الولايات المتحدة تحظر المشي بدون انتباه، وإذا ضُبطت وأنت تحدق في هاتفك أثناء عبور الشارع، فسوف تغرم بمبلغ يصل إلى 99 دولار. وقد حذت مدينة مونكلير في كاليفورنيا حذو هونولولو بسرعة، وفرضت غرامات حتى على ارتداء سماعات الرأس في ممر المشاة. كما أنشئ مجاز مخصص للهواتف بطول حوالي 30 متر في حديقة ملاهي في تشونجشينج في الصين، وذلك لمنع تصادم الناس مع بعضهم أثناء المشي واستخدام الهاتف الخليوي، ولكن يجب أن نعترف أنه من الصعب التهام الوجبات السريعة واستخدام سناب تشات في نفس الوقت.

إن التكنولوجيا التي يدرسها كيرني، والمعروفة باسم تكنولوجيا الاتصال من سيارة إلى مشاة (اختصاراً V2P) موجودة من قبل، ولكن بين السيارات، ويصطلح عليها باسم V2V، أي من سيارة إلى سيارة، وهي تمكن السيارات من التواصل فيما بينها لاسلكياً لكشف الأخطار ومساعدة السائقين على تجنب الحوادث. كما يوجد تطبيق من سامسونج مخصص لنيويورك يسمى “لوك أب”، وهو ينذر المشاة لأخذ الحذر عند الوصول إلى تقاطع. يقول كيرني أن تقنيات الهاتف الخليوي التي أجروا الاختبارات عليها جاهزة للاستخدام، وبقيت فقط مسألة موافقة مصنّعي الهواتف الخليوية على تطبيقها.

يقول نيل جافني من الإدارة الفدرالية للطرقات السريعة أن ارتفاع نسبة المشاة وركاب الدراجات في حركة السير سيجعل من تقنية V2P “حلاً عملياً لتحسين السلامة في نهاية المطاف”. وتقدر الإدارة الوطنية للطرقات السريعة أن هذه الأنظمة الجديدة قد تؤدي إلى تخفيض حوادث التصادم مع المشاة بمقدار النصف تقريباً. يقول جافني: “يمكن تركيب أنظمة تحديد المشاة في المركبات، أو البنى التحتية، أو يمكن استخدامها من قبل المشاة أنفسهم لتقديم التحذيرات. ومن ضمن ذلك الأنظمة داخل المركبة مثل نظام تحذير المنطقة المحجوبة والتصادم الأمامي، أو الأنظمة المحمولة التي تقدم الإنذارات للمشاة. صحيح أن هذه التقنيات ما تزال في بداياتها، ولكن تطبيقاتها واعدة”.

وإلى ذلك الحين، لا مفر من الاعتماد على نصيحة قديمة، ولكنها ما تزال قادرة على إنقاذ حياتك: أنظر في كلا الاتجاهين قبل أن تقطع الشارع.

error: Content is protected !!