Reading Time: 4 minutes

قالت منظمة الصحة العالمية في وقتٍ سابق إن حاملي فيروس كورونا الذين لا تظهر عليهم الأعراض لم يكونوا في الواقع السبب الرئيسي لانتشار فيروس كورونا، ولكن المنظمة تراجعت عن بيانها هذا بعد يومٍ واحدٍ من صدروه. أثار ذلك البيان ارتبك الكثيرين إلى حدٍّ كبير، ولكّن حقيقة ذلك التصريح أكثر تعقيداً بعض الشيء كالعادة. 

تقول مونيكا غاندي، الباحثة في الأمراض المعدية في قسم فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المعدية والطب العالمي في مستشفى سان فرانسيسكو العام: «كانوا يحاولون توضيح الفكرة حول مقدار العدوى التي تتسبب بها الحالات التي لا تظهر عليها الأعراض مقابل من تظهر عليهم أعراضٌ لاحقة أو خفيفة». 

وتشير غاندي إلى أنّ جعل هذه النقطة مثار جدلٍ في مؤتمرٍ صحفي رئيسي للمنظمة- وذلك بعد أيامٍ قليلة فقط من تغيير المنظمة موقفها من وجوب ارتداء القناع الواقي- خرج عن السياق وأدى لسوء فهمٍ أثار جلاً كبيراً. لكن ذلك لم يغير من الحقائق المتعارف عليها شيئاً. تقول غاندي:  «من المسّلم به أن الحالات التي لا تظهر عليها الأعراض تنشر الفيروس».

تقول منظمة الصحية العالمية إنه صحيح بالفعل أننا لا نعلم حتى الآن إلى أي درجةٍ ينشر بها الأشخاص الذين لا تظهر عليهم الأعراض أو من لا تظهر عليهم الأعراض (ولكنها تظهر لاحقاً) فيروس كورونا. تقترح بعض النماذج الأولية أنّ المصابين ممن لا تظهر عليهم أعراض فيروس كورونا يسهمون بانتشار الفيروس بنسبةٍ تصل إلى 55%، مما يشكل نسبةً كبيرةً من عدد الإصابات. وتقول غاندي: «لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه عن هذا النوع من انتشار الفيروس. ما نعرفه هو أن الأشخاص الذين لا يعانون من الأعراض أو الذين ستظهر عليهم الأعراض لاحقاً هم بالتأكيد جزءٌ من المعادلة. في الواقع، لقد انتشر الفيروس بسرعةٍ كبيرة بالرغم من إجراءات الإبعاد والإغلاق الاجتماعي، وذلك يعني أنه لا يمكن أن تكون الحالات التي تظهر عليها الأعراض هي من تقوم بنشر الفيروس فقط».

وهذا يعني أنه لا يجب أن نعتبر تصريح منظمة الصحة العالمية إشارةً على أنه يجب التوقف عن ارتداء القناع أو التوقف عن ممارسة التباعد الاجتماعي. تقول غاندي: «لقد كانت اجراءات الاغلاق والتباعد الاجتماعي ضرورية، ولا يمكننا القول عكس ذلك». وتضيف غاندي: «في الواقع، تشير الدلائل إلى أن هذين الإجراءين لهما تأثير حقيقي على كيفية انتشار فيروس كورونا رغم أنهما قد لا يفعلان ذلك بالطريقة التي نتخيلها».

يبدو أن معدل انتشار الحالات التي لا تظهر عليها الأعراض بازديادٍ مضطرد، وقد يكون السبب في ذلك تعرّض الناس لحملٍ فيروسي أقل بسبب التباعد الاجتماعي وارتداء القناع الواقي. لقد كانت نسبة الحالات التي لا تظهر عليها الأعراض في بداية الجائحة منخفضةً بناءاً على المسوحات الشاملة للكشف عن جميع الحالات- 6% في سنغافورة؛ 18% على متن سفينة دياموند برنسس السياحية التي لم يُسمح لها بالرسو في طوكيو في وقتٍ سابق من هذا العام، حيث بقيت راسيةً في الخليج لمدة 27 يوماً قبل أن يُسمح للركاب بمغادرة السفينة. لكن التقديرات اللاحقة تقول أن النسبة كانت أعلى بكثير. فقد وجدت مهمة اختبارٍ شامل في سان فرانسيسكو أن حوالي 50% من المصابين لم تظهر عليهم أي أعراض. بينما كانت النسبة 81% من الحالات بدون أعراض بين ركّاب إحدى السفن السياحية- حيث كان الجميع يرتدي الأقنعة الواقية وتم اختبارهم جميعاً- والتي كانت تبحر قبالة سواحل أمريكا الجنوبية.

هناك ارتباطٌ مهم أيضاً بين الدول التي طُبق فيها ارتداء القناع الواقي مبكراً- معظمها ضربها مرض السارس سابقاً- وبين معدلات الوفاة المنخفضة التي سببها فيروس كورونا. تقول غاندي: «إذا إذا نظرت إلى هذه البلدان، فهناك ارتباط شبه كامل، بغض النظر عما تفعله أيضاً».

في الواقع، إن مفهوم مقدار الحمل الفيروسي الذي يتعرّض له المرء ودوره في شدّة المرض ليست جديداً. يبدو أن الانفلونزا تعمل بنفس الطريقة، وكذلك أمراض الجهاز الهضمي التي تسببها فيروسات النوروفيروس والأمراض المنقولة بالجنس مثل التهاب الكبد الوبائي سي. الفكرة هي أنه كلما زاد عدد الجسيمات الفيروسية التي يتعرض لها الشخص، كلما كان احتمال إصابته بالمرض أكبر. قد يكون من الصعب جداً على جهاز المناعة مقاومة تدفق الفيروس بكمياتٍ كبيرة إلى الجسم، في حين يمكن له التعامل بسهولة مع كميات أصغر. إذا كان هذا الأمر ينطبق على فيروس كورونا، فقد تكون هذه الأخبار جيدةً في الواقع.

تقول غاندي: «لا يمكن أن لا نمرض ونكون محصنين في نفس الوقت. لم يتضح بعد مقدار الحماية التي يتمتع بها المتعافون من فيروس كورونا بفضل الأجسام المضادة التي ينتجها نظام المناعة، لكن ربما تتكون لدى المرضى مناعةٌ ضد المرض لبضعة أسابيع أو أشهر على الأقل، وربما أطول. إذا كانت معظم مرضى كوفيد-19 لا تظهر عليهم أي أعراضٍ على الإطلاق، يمكنهم أن يطوروا مناعةً ضده، مما يجعلهم أقلّ عرضةً لتطور المرض لدرجةٍ خطيرة أو لنقل الفيروس للآخرين في حال الإصابة به في المستقبل. يكتسب هذا الأمر أهميةً بالغة في ظلّ غياب لقاحٍ فعال، والذي قد يستغرق تطويره عاماً أو أكثر».

وتشير غاندي إلى أنّ الأولوية الآن هي للأشخاص الذين يتطور لديهم المرض إلى درجةٍ خطيرة. إذا تمكنا من منع تطور أعراض المرض لديهم بالفعل، فهذا أمرٌ جيد. في النهاية، تشير كل البيانات المتوفرة بين أيدينا في الوقت الحالي إلى أن ارتداء القناع الواقي والتباعد الاجتماعي لا يزالا المفتاح الأساسي لمكافحة انتشار فيروس كورونا.

لا يزال أمامنا الكثير لنعرفه عن فيروس كورونا. على سبيل المثال، لا نعلم ما هو دور المصابين الذين لا تظهر لديهم الأعراض في نشر الفيروس؟، وليس من الواضح أيضاً عدد الاشخاص الذين لا تظهر لديهم سوى أعراض خفيفة- لا يعانون أسوأ من الصداع أو جفاف الحلق واللذان يمكن تجاهلهما بسهولة– وما زال بإمكانهم نشر الفيروس كما الأشخاص الذين تظهر لديهم الأعراض بشكلٍ أوضح. 

لكننا علمنا الكثير من المعلومات المفيدة في الأشهر القليلة الماضية. قد لا يحميك ارتداء القناع الواقي من الإصابة بالفيروس تماماً، ولكنه قد يمنع تطور المرض عن طريق تقليل الحمل الفيروسي الذي يمكنك التقاطه. وذلك يعني أن ارتداء القناع الواقي ليس من أجل حماية الآخرين وحسب، بل من أجل مصلحتك الخاصة. سيكون من الضروري اتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة، خصوصاً عندما تبدأ الدول بالافتتاح مجدداً.