Image

هل يمكننا التوقف عن مناقشة هذا الأمر؟

Bread assortment في هذه الصورة شيئان لن يتوقف الناس عن ربطهما بالسرطان
حقوق الصورة: تشيفانون للتصوير الفوتوغرافي

يعتقد شخص واحد تقريباً من بين كل خمسة أميركيين بأن الشمس تدور حول الأرض، ولو حدث وأن اجتمع 12 شخصاً من هؤلاء ضمن هيئة محلفين يتم فيها النقاش حول خصائص نظامنا الشمسي، فلربما كانت مقالات الصحف حول الحكم تحت عنوان “هيئة المحلفين الأميركية تعلن بأن الشمس تدور حول الأرض”، ولكن ذلك لن يجعل هذا الأمر صحيحاً.

وبالمثل، فإن عناوين المقالات التي تقول بأن “المحكمة الايطالية تقرر بأن استخدام الهاتف المحمول يسبب الإصابة بأورام الدماغ” لا تعني بأن الهاتف المحمول يسبب الإصابة بها بالفعل. بل تعني بأن بعض الأشخاص الجهلة أرادوا منح المال لشخص لم يعد يستطيع السماع بعد الآن بسبب خضوعه لعملية جراحية أنقذت حياته، ولكنها أدت إلى استئصال العصب السمعي. ولذلك فلو توقفت عن قراءة هذا المقال الآن، فعليك أن تتذكر شيئاً واحداً، ألا وهو بأن الهاتف المحمول لا يسبب الإصابة بالسرطان. هذه هي نهاية القصة، وفيما يلي ما تبقى منها.

الأدلة المخالفة

بحثنا في هذا الجزء في كافة الدراسات التي أجريت على الفئران والجرذان والإنسان حول هذا الموضوع. فلو كان الهاتف المحمول يسبب الإصابة بالسرطان فعلاً، فمن المتوقع ملاحظة زيادة كبيرة في معدلات سرطان الدماغ بعد الازدياد الهائل في استخدام الهاتف المحمول خلال العقد الماضي. ومع ذلك، لم يحدث أي تغيير. بل في الحقيقة كان هناك بعض التغيير، إذ انخفضت معدلات سرطان الدماغ في الواقع. كما كان من المتوقع أيضاً أن نشهد ازدياد حدوث الأورام في أجزاء الدماغ التي تمتص كميات كبيرة من موجات الراديو، والتي تعتبر الطريقة التي يدّعي بها الناس بأن الهواتف تسبب السرطان. إلا أن ما حدث هو عكس ذلك تماماً، إذ كانت الأجزاء التي تمتص موجات الراديو ذات أورام أقل وليس أكثر. كما أن الأشخاص الذين يقضون الكثير من الوقت في استخدام الهواتف المحمولة ليسوا أكثر عرضة للإصابة بأورام الدماغ من أقرانهم الذين لا يستخدمونها. وكذلك فإن الأطفال الذين يستخدمون الهواتف المحمولة ليسوا أكثر عرضة لخطر الإصابة بالسرطان. بل أن موجات الراديو غير قادرة على أذية الحمض النووي. وتطول قائمة هذه الأدلة، والتي يمكنك استعراضها على موقع المعهد الوطني للسرطان.

“الأدلة” المؤيدة

وبالرغم من وجود هذه الأدلة، فلماذا قامت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) بتصنيف موجات الراديو على أنها مسببات محتملة للإصابة بالسرطان؟ لأنه وكما ذكرت الوكالة نفسها فإن: “الدراسات حتى الآن لا تسمح باستبعاد العلاقة بين استخدام الهواتف المحمولة وخطر الإصابة بالسرطان، على الرغم من أن الأدلة محدودة.” وكانت هذه الشكوك كافية للوكالة لتضع الهواتف المحمولة على القائمة 2B للمسببات المحتملة لإصابة البشر بالسرطان، والتي تتضمن بنوداً ورد فيها “هناك أدلة محدودة على احتمال سرطنتها للبشر، وأدلة أقل من كافية على سرطنتها لحيوانات التجارب”.

كما أن هناك العديد من أسماء المواد الكيميائية المخيفة في هذه القائمة جنباً الى جنب مع موجات الراديو الصادرة عن الهاتف المحمول. ولكن هناك مادة يمكنك التعرف عليها بشكل خاص، ألا وهي الألو فيرا (الصبار الحقيقي). كما أن الجل المنعش الذي يتم وضعه على حروق الشمس كمادة مهدئة، أو كقناع مرطب للوجه، هو من المسببات المحتملة للسرطان عند البشر، وذلك وفقاً للوكالة الدولية لأبحاث السرطان.

والمشكلة هي أن العلم لا يمكنه أن إثبات الأمور بشكل سلبي، حتى وإن كان هناك عدد لا يحصى من الدراسات الدقيقة. وسوف يكون هناك دائماً بعض الاحتمالات الصغيرة بأنه ينقصنا شيء بطريقة ما. ولهذا السبب فليس لدى الوكالة الدولية لأبحاث السرطان قائمة بالأشياء المعروفة بأنها لا تسبب السرطان.

وبدلاً من ذلك، وحتى لو كان هناك عدد قليل من الدراسات غير الدقيقة والتي تشير إلى احتمال وجود رابط بسيط جداً بين إحدى المواد والسرطان، فإن الوكالة ستقوم بإدراج هذه المادة. وعندما نشرت الوكالة نتائجها حول موجات الراديو، كتب اثنان من علماء الأوبئة في مجلة المعهد الوطني للسرطان بأن المقال الموجز للوكالة “يبدو مثل كتاب مرجعي حول كيف أن التحيزات والعيوب التي قد تتسلل إلى دراسات الهاتف الخلوي يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير قابلة للتفسير عملياً”. ولكن قوائم الوكالة لها عواقب حقيقية في العالم، إذ أن إساءة فهم هذه القوائم قد أدى إلى إرباك قضايا المحاكم في السابق أيضاً.

ويُذكر بأن المنظمات الصحية الرئيسية الأخرى ليست شديدة الحذر. إذ تقول الجمعية الأمريكية للسرطان بأنه لا يوجد دليل قوي على أن الهواتف المحمولة تسبب السرطان. ويوافقها في ذلك المعهد الوطني للسرطان، وكذلك المعهد الوطني للعلوم الصحية البيئية، وإدارة الغذاء والدواء، ولجنة الاتصالات الاتحادية، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. وهذه هي الوكالات المكلّفة بالنظر فيما إذا كانت المخاطر المحتملة تسبب تهديدات فعلية. وتعدّ الوكالة الدولية لأبحاث السرطان مثل خط الدفاع الأول، والذي تتمثل مهمته في النظر حتى في أضعف الأدلة، حتى تتمكن المنظمات الأخرى من الرجوع والبحث. ولكن عندما تقوم كل وكالة اتحادية بدراسة الأدلة وتقرر بأنه لا توجد بيانات كافية لدعم فكرة أن الهواتف الخلوية تسبب السرطان، فيجب أن نستمع إليها ونتجاوز وكالة (IARC). ولا تصدر هذه الوكالة أحكاماً بالاعتماد على ما يشكل تهديداً لصحتك بالفعل. بينما يقوم المعهد الوطني للسرطان ومعاهد الصحة الوطنية بذلك، وصرحوا بصوت عال وواضح بأن: الهواتف المحمولة لا تسبب الإصابة بالسرطان.

ولذلك فما عليك سوى المضي قدماً واستخدام الهاتف المحمول بقدر ما تريد. وحتى لو قمت بإلصاق الهاتف برأسك وإجراء مكالمات لمدة ثماني ساعات كل يوم، فإن كافة الأبحاث تقول بأنك ستكون على ما يرام. هؤلاء الإيطاليون قد يعرفون عن القهوة، ولكن يظهر بوضوح بأن المحلفين لديهم لا يعرفون أبسط الأمور عن البيولوجيا.

error: Content is protected !!