Reading Time: 4 minutes

هناك سبب وراء حصول الديناصور «التيرانوصور ريكس» (تي ريكس) على لقب ملك الديناصورات، فحجمه الهائل وفكيه القويين جعلا منه ديناصوراً يحسب له ألف حساب. لكن هذا النوع من الديناصورات لم يولد بهذه المميزات، إذ إنه مر بمرحلة نمو مراهقة، تماماً مثل المرحلة التي يمر بها البشر. أظهرت دراسة نشرت في يناير/ كانون الثاني 2020 في دورية «ساينس أدفانسز» أن بنية ديناصورات التيرانوصور ريكس اليافعة، وطريقة صيدها تختلف بشكل ملحوظ عن بنية وطريقة صيد الديناصورات البالغة.

من خلال تحليل عظام ساق هيكلين عظميين، وجد علماء الحفريات أن الهيكلين يخصان ديناصورات تي ريكس غير مكتملة النمو، ولا تعود لنوع أصغر حجماً من فصيلة التيرانوصورات، كما اقترح بعض الباحثين. خلص الفريق إلى أن نمو ديناصورات تي ريكس اكتمل في مرحلة متأخرة من المراهقة، ويوفر الهيكلين المكتشفين نافذة نادرة على هذه الفترة المبكرة من حياتها.

يقول «لورانس ويتمر»، عالم الحفريات في جامعة أوهايو، إن هذه الفصيلة من الديناصورات كانت سريعة النمو، ويضيف: «هكذا يصبح التساؤل هو، هل حقاً تعود هذه الهياكل العظمية لديناصورات التيرانوصور ريكس؟ أعتقد أن هذا الاحتمال راجح».”

شكل التيرانوصور ريكس خلال مرحلة المراهقة مثار جدل مستمر بين علماء الحفريات، بين من يقول إنه كان نسخة مصغرة عن الديناصورات البالغة، وبين من يرى أن شكلها كان مختلفاً. تقول «هولي وودوارد»، عالمة الحفريات بجامعة ولاية أوكلاهوما والباحثة الرئيسية في الدراسة: «إن الجدل انطلق خلال أربعينيات القرن العشرين، بعد اكتشاف جمجمة توجد حالياً في متحف كليفلاند للتاريخ الطبيعي. كان شكل الجمجمة غريباً لدرجة أن مجموعة من الباحثين افترضوا أنها تنتمي لجنس منفصل من التيرانوصورات أطلقوا عليه اسم نانوتيرانوس».

اكتشف الهيكلين العظميين اللذين أجريت عليهما وودوارد أبحاثها أوائل القرن العشرين -يحملان اسميّ «جين» و «بيتي»- في تكوين هيل كريك في مونتانا، وبذلك أعلن استمرار الجدل. يقول ويتمر إن العلماء لاحظوا أن أسنان فكي جمجمة متحف كليفلاند وجمجمة «جين» أكثر من تعداد أسنان ديناصورات تي ريكس البالغة. سبق أن لاحظ هو وزملاؤه أن الديناصورات اليافعة المنتمية إلى فصيلة «تربوصور»، القريبة من فصيلة التيرانوصور ريكس، لديها نفس عدد أسنان الديناصورات البالغة.

تربصور, ديناصور, ديناصورات

تربوصور — مصدر الصورة: Radim Holiš/ ويكيبيديا

مع ذلك، يقول ويتمر إن من المرجح أن تكون ديناصورات تي ريكس قد فقدت أسنانها حين بلوغها، ويعتقد هو وغيره من علماء الحفريات أن الهياكل العظمية الغريبة ربما تعود جميعها لديناصورات تي ريكس يافعة. ويقول بهذا الصدد: «لا تشير الأدلة كلها بالضرورة إلى نفس النتيجة، لكن الجزء المثير بالنسبة لي هو ما تخبرنا به الدراسة عن مسار نمو ديناصورات التيرانوصور ريكس وطريقة عيشها».

بدلاً من فحص الشكل الخارجي للعظام، تفحصت وودوارد وفريقها بنيتها الداخلية، إذ قاموا بتكبير عينات من عظم الفخذ وعظم الساق سمكها أقل من ملليمتر. تقول وودوارد: «تتحجر العظام حتى على المستوى المجهري، مما يسمح بمعاينة تلك البنية المجهرية التي تبدو شبيهة ببنية العظام الحديثة». للحفاظ على أكبر قدر ممكن من البيانات المأخوذة من الهياكل العظمية، أجرى الباحثون عمليات مسح ليزري ثلاثية الأبعاد على العظام قبل أخذ العينات، وأعدوا نسخاً مطابقة لعينات العظام التي أزالوها.

لاحظت وودوارد وزملاؤها عدداً من السمات التي أشارت إلى أن هذه الديناصورات كانت يافعة عند وفاتها، إذ إن ترتيب الألياف الدقيقة داخل أنسجة العظام كان متفرقاً في اتجاهات عديدة، بدلاً من انتظامها في طبقات دقيقة، على غرار البنية الملاحظة داخل عظام الحيوانات اليافعة الحديثة. احتوت العظام كذلك على آثار في الأماكن حيث كانت الأوعية الدموية.

في معرض حديثها عن هذا، تقول وودوارد: «إذا كان العظم ينمو بسرعة، فإنه في حاجة إلى مزيد من العناصر الغذائية لمساعدة الخلايا البانية للعظام على تأدية وظيفتها. يدل غنى العظام بالأوعية الدموية ووجود أنسجة عظمية متفرقة على أنها كانت يافعة وفي طور النمو، وذلك على عكس النمو البطيء الملاحظ بعد وصول الكائن إلى حجمه النهائي».

فحصوا كذلك حلقات النمو، الشبيهة بحلقات الأشجار، والتي تتشكل كل عام عندما يتوقف نمو العظام لفترة وجيزة، قبل أن تتواصل العملية مرة أخرى. بعد عد الحلقات في عظام جين وبيتي، خلصت وودوارد إلى أن هذه الديناصورات كانت تبلغ من العمر توالياً 13 و 15 عاماً عند وفاتها. تباينت المسافة بين كل حلقة وأخرى، مما يعني أن الديناصورات نمت ببطء في السنوات العجاف وبسرعة خلال سنوات الوفرة.

قد يستغرق تي ريكس البالغ، مثل «سو»، الهيكل العظمي القابع في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي بشيكاغو، 20 عاماً للوصول إلى طول يتجاوز 12 متر، ووزن يفوق 9500 كيلوجرام. يبلغ جين وبيتي، اللذين يقبعان في متحف بيربي للتاريخ الطبيعي في روكفورد بولاية إلينوي، نصف هذا الحجم فقط ويزنان على الأرجح 950 كيلوغرام.

هيبتها مصونة رغم صغر حجمها

يشير تحليل عظام جين وبيتي إلى أن ديناصورات التيرانصور ريكس استغرقت وقتاً طويلاً للوصول إلى حجمها الكلي. يعني هذا أنه خلال مرحلة البلوغ الممتدة، كانت هذه الديناصورات نحيفة واتبعت نمط حياة مختلف تماماً عن نظيراتها البالغة. ربما كان شكل تي ريكس في هذه المرحلة شبيهاً بالتماسيح الحديثة، التي تفترس حيوانات مختلفة في مراحل مختلفة من حياتها. تقول وودوارد إن التماسيح الصغيرة تتغذى على الحشرات والأسماك الصغيرة، بينما يمكن للتماسيح البالغة تناول أي شيء تقريباً.

سواء كانت يافعة أو بالغة، فمن المرجح أن تكون ديناصورات تي ريكس قد تغذت على أي شيء وجدته. لكن عندما لم يتوفر الطعام، فمن المحتمل أن هذه الديناصورات اليافعة قد تغذت على الحيوانات العاشبة الصغيرة وغيرها من الديناصورات الصغيرة التي لم يكتمل نموها بعد، مثل «إدمونتوصور». كانت التيرانوصورات اليافعة مثل جين رشيقة، وأسنانها أشبه بسكاكين معدة لتمزيق اللحم. يقول ويتمر: «ربما كان أسلوبها في الصيد يعتمد على الهجوم السريع والتراجع، في حين يميل التيرانوصور ريكس البالغ إلى الانقضاض على فريسته مباشرة». ويضيف: «في بعض النواحي، هذه الديناصورات اليافعة مرعبة أكثر من البالغة، ذلك أن البالغة كانت بطيئة نسبياً وتأخذ وقتاً في الدوران، لكن اليافعة كانت سريعة للغاية».

لم يكن تي ريكس البالغ سريعاً بما يكفي لمطاردة الفرائس الصغيرة، لكنه لم يكن في حاجة لفعل هذا. يقول ويتمر: «أصبحت ديناصورات تي ريكس البالغة حيوانات جبارة، إذ باتت عضلات فكيها ضخمة». ومع زيادة حجم أسنانها واتخاذها شكل مائلاً، اكتسبت القدرة على سحق العظام (نظرياً، بمقدورها تمزيق سقف سيارة بسهولة). يطابق هذا التحول ما لاحظه ويتمر في عينات تربوصور اليافعة، التي عثر عليها في منغوليا، والتي تبدو أيضاً أكثر رشاقة من الديناصورات البالغة.

قد تفسر قدرة تي ريكس على إيقاف النمو أو تسريعه سبب ازدهارها، بكافة أحجامها، خلال فترة ذروتها في أواخر العصر الطباشيري. وبهذا الخصوص تقول وودوارد: «ربما يظهر هذا أيضاً السبب وراء عدم عثورنا على أي حيوانات لاحمة متوسطة، أو كبيرة الحجم في منطقة هيل كريك». وتضيف: «كان على تي ريكس التنافس فقط مع نظيراتها الأخرى من نفس الحجم؛ لم يتوجب عليها التنافس مع أنواع أخرى، لأنها كانت دائماً المسيطرة بالتوازي مع ازدياد حجمها».