Image

سيتعاون "فيرجو" و كواشف "ليجو" على التقاط الاصطدامات الكونية الهائلة

Bread assortment صورة جوية للكاشف "فيرجو" قرب بيزا، إيطاليا
مصدر الصورة: مجموعة فيرجو

منذ حوالي 1.76 مليار سنة، ارتطم ثقبان أسودان يدوران حول بعضهما، ما تسبب بنشأة جسم جديد أثقل من الشمس بـ 53 مرة. وأثناء هذه العملية، تولدت تموجات في نسيج الزمان/المكان، وانطلقت هذه الأمواج الثقالية بسرعة الضوء من موقع الحدث، والمسمى GW170814، ووصلت إلى الأرض في 14 أغسطس، ومع عبورها الأرض، تمكن كاشفا “ليجو”، ومرصد “فيرجو” في إيطاليا (لأول مرة) من التقاط الإشارة.

يوجد كاشفان “ليجو”، والاسم هو اختصار لمرصد الأمواج الثقالية بكاشف التداخل الليزري، الأول في ليفينجستون في لويزيانا، والثاني في هانفورد في واشنطن. في السنة الماضية، أعلن أحدهما عن التقاط الأمواج الثقالية لأول مرة، وهو اكتشاف كبير أثبت صحة توقعات ألبرت أينشتاين، ففي نظريته حول النسبية العامة، شبّه نسيج الزمان/المكان بمادة فيزيائية يمكن أن يتغير شكلها بسبب الأجسام الضخمة مثل الثقوب السوداء.

وعندما تتعرض هذه الأجسام إلى تغيرات تتعلق بطاقتها، مثل تصادم اثنين منها أو ابتلاع ثقب أسود لجسم آخر أو تحول نجم إلى مستعر أعظم، تتسبب بتموجات في نسيج الزمان/المكان شبيه بالمويجات التي نراها عند رمي حجر في بركة ماء. ومن أجل تعلّم المزيد حول نشأة الثقوب السوداء، ومدى صحة النسبية العامة، يجب أن نرصد هذه الأمواج، لأن الثقوب السوداء لا تصدر الضوء، وبالتالي ليس لدينا أي أسلوب آخر لرصد سلوكها.

ومنذ التقاط تلك الأمواج لأول مرة، التقط “ليجو” المزيد من الإشارات الموجية، لكن كانت حماسة الجمهور تقل مع كل اكتشاف جديد. لماذا يجب أن نكترث بهذه الموجة الثقالية الجديدة؟ ومع وجود كاشف “فيرجو” الجديد الذي انضم للعمل، أصبح لدينا ثلاثة مواقع تقوم برصد هذه الأمواج، ما سيضيف المزيد من التفاصيل إلى كل عملية رصد.

إن وجود مرصد ثالث يضيف المزيد من الموثوقية إلى كل إشارة، ويقلل بعشرة أضعاف من احتمال الإنذار الخاطئ، كما يقدم للمزيد من العلماء المزيد من المعلومات حول استقطاب الأمواج، وهي خاصية توقعتها النسبية العامة، فإذا تناقضت القياسات مع حسابات أينشتاين، يمكن للعلماء أن يصححوا النظرية لزيادة دقتها، أو يقوموا باستبدالها بشكل كامل.

تقول لورا كادوناتي، أستاذة في معهد جورجيا التكنولوجي ونائبة المتحدث الرسمي باسم التكتل العلمي بكاشف “ليجو”: “ما نحاول فعله بشكل أساسي هو اكتشاف قدرتنا على مناقضة نظرية النسبية العامة، لأن الفهم العلمي يتطور بهذه الطريقة. إذا لم تكن التوقعات والنتائج متوافقة، علينا أن نضع نظريات جديدة”.

كما يمكن لثلاثة مراصد تحديد مصدر الأمواج بشكل أدق بكثير من مرصدين، بشكل مشابه لإشارة النظام العالمي لتحديد الموقع والتي تدلك على أقرب محل للقهوة على خرائط جوجل. وهي تعتمد على شبكة كاملة من الأقمار الاصطناعية التي تتصل بهاتفك، وتقيس الفترة التي تستغرقها الإشارة للوصول إليه، وتحسب موضعك بالضبط على سطح الكوكب بناء على أزمنة الوصول المختلفة. فإذا اعتمد النظام على قمرين اصطناعيين فقط، لن يستطيع أن يفعل أكثر من تحديد وجودك ضمن منطقة كبيرة وحسب. ومع إضافة المزيد من الأقمار الاصطناعية، تتقلص مساحة هذه المنطقة.

في حالة الأمواج الثقالية، يقوم العلماء بشيء مشابه، أي محاولة تحديد المنطقة التي تولدت فيها هذه الأمواج بناء على الزمن الذي استغرقته الإشارة للوصول إلى كل من الكواشف. وفي هذه الحالة، وصلت الإشارة إلى كاشف ليفينجستون أولاً، وبعد ذلك بحوالي 8 ميلي ثانية إلى هانفورد، وأخيراً إلى بيزا في إيطاليا بعد مرور 6 ميلي ثانية إضافية.

تمكن العلماء في نهاية المطاف من حصر المنطقة بقطاع من الكون بقياس 60 درجة مربعة، وهي منطقة هائلة الحجم، حيث أن القمر يحتل فقط حوالي 0.2 درجة مربعة من السماء، ولكنها أصغر بعشرة أضعاف من المنطقة التي تمكنوا من تحديدها باستخدام كاشفين فقط. ستنشر النتائج في دورية “فيزيكال ريفيو ليترز” Physical Review Letters، وهي متوافرة حالياً على الموقع الإلكتروني لكواشف “ليجو”.

مع بدء عمل مراصد جديدة للأمواج الثقالية، قد تستمر هذه المنطقة بالتقلص. حيث تعمل اليابان حالياً على كاشف تحت الأرض باسم “كاجرا” KAGRA، بينما تحاول الهند بناء نسخة مطابقة من كواشف “ليجو”. تقول كادوناتي: “بحلول عام 2020، سيصبح لدينا خمسة مراصد تعمل بشكل متناسق مع بعضها البعض. هذه هي الخطة”.

إن معرفة مصدر الموجة الثقالية في الفضاء بدقة سيسمح للفلكيين بتوجيه تلسكوبات من أنواع أخرى إلى تلك المنطقة، مثل التي تلتقط النيوترينوات، والأمواج الراديوية، والأشعة السينية، وغيرها، لمحاولة اكتشاف ما يوجد فيها. لا تطلق الثقوب السوداء الضوء، ولكن بعض الأجسام مثل النجوم النيوترونية، وهي بحجم مدينة وكتلة أكبر من كتلة الشمس، تطلق الضوء. وبالتالي، عندما ينهار نجم نيوتروني، أو يبتلعه ثقب أسود، يمكن لهذا الحدث أن ينتج أمواجاً ثقالية وإشارات أخرى في نفس الوقت.

على الرغم من أن اندماج الثقوب السوداء الذي رصد في هذه الدراسة الأخيرة ليس من فئة الأحداث متعددة الإشارات التي تحدثنا عنها، فإنه يبين أنه من المحتمل رصدها في المستقبل. تقول كادوناتي: “لقد فتح هذا الحدث الباب لاحتمال رصد إشارات متعددة الأنواع، مثل الأمواج الثقالية، والأمواج الكهرطيسية، والنيوترينوات، ناتجة من نفس المصدر. وسنحصل منها على العديد من الأدلة حول الطبيعة الفيزيائية للمصدر نفسه”.

وحتى قبل دخول كواشف جديدة في الخدمة، يعمل علماء كواشف “ليجو” ومرصد “فيرجو” على تحسين حساسية الآلات الموجودة حالياً، ويمكن بزيادة الحساسية التقاط إشارات أضعف صادرة عن مناطق أبعد في الكون، ومع كل عملية رصد، يضيف العلماء رقماً جديداً حول ثقب أسود أو نجم نيوتروني جديد، وقطعة جديدة إلى أحجية تشكل الأجسام الكونية العملاقة.

error: Content is protected !!