Reading Time: 4 minutes

تخيل أن تكون قليل الحظ بدرجة كافية لتكون واحداً من 20% فقط الجاذبين دوناً عن سواهم لأنواع قليلة للغاية من البعوض، من بين أكثر من 3 آلاف نوع آخر، متخصصة في لدغ الإنسان من أجل الحصول على البروتين اللازم لها لأجل وضع بيضها، وإنتاج أفراد جديدة، تتخذك فريسة لهم من جديد.

يوجد أكثر من 3 آلاف نوع من البعوض حول العالم يميلون إلى لدغ الفقاريات الموجودة حولهم في بيئتهم. لا يحب البعوض أن يحصر اهتماماته في فئات تصنيفية ضيقة النطاق، لذا فالثدييات والطيور تقع ضمن اهتماماتها الواسعة. لكن عدد قليل جداً من هذه الأنواع وعلى غير العادة تطور حتى أصبح متخصصاً في لدغ الإنسان وتفضيله عن الحيوانات الأخرى.

من المفارقة أن هذه الأنواع القليلة تعد من أكثر ناقلات الأمراض البشرية فتكاً وكفاءة. ومن أشهرها، بعوضة «الأنوفيليس»، التي تعد الناقل الرئيسي للملاريا في أفريقيا، وبعوضة «الزاعجة المصرية» الناقل الرئيسي لحمى الضنك والحمى الصفراء في جميع أنحاء العالم، وفيروس زيكا مؤخراً. ومعاً يمثلون الآلاف من حالات الوفيات والملايين من حالات الإصابة بالأمراض حول العالم.

تحصل إناث البعوض على المغذيات والبروتين من دمنا من أجل بيضها، وإن كنت تتساءل عن كيفية استهداف إناث البعوض لنا، فالإجابة تكمن في رائحتنا البشرية، التي تعمل كشفرة تعريفية تميزنا عن بقية الحيوانات عن طريق عدة عوامل.  

كيف تفرق إناث البعوض بينك وبين الحيوانات الأخرى؟

الأمر يبدأ برصد ثاني أكسيد الكربون الذي يدل على وجود هدف محتمل قريب. ينتج الإنسان غاز ثاني أكسيد الكربون عندما يتنفس، وعند حدوث العديد من العمليات الحيوية بداخل جسمه؛ كالأيض الغذائي.

لذا، فارتفاع معدلات الأيض يعني إنتاج نسبة أكبر من ثاني أكسيد الكربون، الأمر الذي يزيد من فرص إعجاب إناث البعوض واستهدافها للضحايا. شرب الكحول وممارسة التمارين الرياضية يمكنهم أن يرفعوا معدلات الأيض. كذلك يحدث الأمر ذاته مع النساء الحوامل، فمتوسط معدلات الأيض لديهن  أعلى من النساء غير الحوامل.

كما وجدت إحدى الدراسات أن النساء الحوامل يخرجن  ثاني أكسيد الكربون بنسبة 21% أكثر من غير الحوامل، وكذلك للأشخاص ذوي كتلة الجسم المرتفعة. إلى جانب ارتفاع درجات حرارة الجسم والتي تجذب البعوض كذلك.

لكن كون ثاني أكسيد الكربون غاز واسع الانتشار، فلا يمكن لإناث البعوض الاعتماد عليه لوحده، فكل الكائنات الحية تتنفس وجميعها تقوم أجسادها بعمليات حيوية كالأيض الغذائي. لذا، تحتاج إناث البعوض أن تفرق بيننا وأي شجرة في الطريق أو أي مصدر آخر لثاني أكسيد الكربون.

وقتها يظهر حمض اللاكتيك كجاذب فعّال للبعوض إلى جانب ثاني أكسيد الكربون. يوجد حمض اللاكتيك بشكل أكبر في جلد الإنسان بحوالي 10 إلى 100 مرة تقريباً عن بقية الحيوانات، وتستطيع أن تميزه إناث البعوض عن طريق الرائحة. حمض اللاكتيك من أهمّ المركبات الكيميائية التي تلعب دوراً كبيراً في العمليات الكيميائية الحيوية داخل الجسم، ويتم إنتاجه بشكلٍ أساسي من الجلد، والعضلات، وخلايا الدم الحمراء. بالإضافة إلى بعض المكونات الأخرى كالأمونيا والأسيتون وغيرها من الأحماض تكتمل عملية الفحص وإعطائنا ختم «بشري».

تفضيلات بشرية: لماذا تختار أنثى البعوض لدغ إنسان دون آخر؟

ربما الأمر لا يتعلق بنا عندما نتحدث عن تفضيلات إناث البعوض لمجموعات من البشر دون أخرى. فغالباً يحدد البعوض يحدد بناءً على مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش فوق جلدنا.

تتأثر وتختلف الكائنات الدقيقة أو «الميكروبات» -معظمها بكتيريا وفطريات غير مسببة للأمراض- التي تعيش على الجلد وبصيلات الشعر من شخص لآخر حسب البيئة التي يعيشون فيها، والطعام الذي يتغذون عليه، والنظافة الشخصية. فكل ما نلمسه، نأكله، نشربه، نتفاعل معه يلعب دوراً في إيجاد أنواع جديدة، أو القضاء على أنواع كانت موجودة بالفعل

العامل الحاسم في إخبار البعوض إن كنّا نمثل وجبة شهية له أم لا، هي تركيبة الرائحة المنبعثة من هذا الخليط من المكونات العضوية. ومع هذه التركيبات المختلفة، لابد وأن تتمتع إناث البعوض من قدرات مذهلة وأجهزة فحص حساسة تمكنها من من شم وتمييز هذه الاختلافات.

للجينات دور لا يمكن إغفاله

بعض الأدلة تشير إلى أن جيناتنا كذلك تؤثر على الميكروبات التي نحملها على نطاق أضيق.

يُعتقد أن التباين الوراثي يؤثر على الأنواع المختلفة من الميكروبات التي تعيش على جلدنا. فربما يحدث ذلك من خلال إنتاج البروتينات التي يتم التحكم بها وراثياً في الجلد، والتي تعمل كحواجز وتمنع الميكروبات من التكاثر والنمو على الجلد، أو من خلال الفروقات الطبيعية لدى الأشخاص كميل البعض إلى التعرق أو التمتع ببشرة دهنية.

كذلك يتم تحديد فصائل دمنا بواسطنا عوامل جينية. ربما ليس من المستغرب أن البعوض يفضل أيضاً بعض أنواع الدم على أنواع أخرى. وجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص الحاملين لفصيلة دم O كانوا أكثر جاذبية من ذويهم الحاملين لفصيلة دم A. كما وقع  أصحاب فصيلة دم B و AB في المنتصف بينهما.

ومع ذلك، لا يفرز كل شخص إشارة كيميائية تكشف عن نوع دمه -15% لا يفعلون ذلك- وبالطبع تفضل أنثى البعوض الشخص الذي يرسل تلك الإشارة بغض النظر عن نوع دمه، بخلاف شخص لا يفعل ذلك.

لذا، فمواصفات الضحية المثالية لإناث البعوض هي:

  1. شخص يكشف عن فصيلة دمه من خلال الإشارات الكيميائية (حوالي 85% من الناس).
  2. فصيلة دم O.
  3. ارتفاع معدل الأيض وإنتاج ثاني أكسيد الكربون (النساء الحوامل، شرب الكحول، وممارسة الرياضة).
  4. ارتفاع مؤشر كتلة الجسم.
  5. ارتفاع درجة حرارة الجسم.
  6. يتمتع بتركيبة من الكائنات الدقيقة على جلده تروق للناموس.

يقول «جوزيف كونلون»، عالم الحشرات الطبي والمستشار الفني للجمعية الأمريكية لمكافحة البعوض، أنه رغم وجود أكثر من 350 مركباً من الروائح التي ينتجها الجلد البشري، ، فما يزال الباحثون غير قادرين على الوصول بدقة لأسباب تفضيل إناث البعوض لبعض الناس دون سواهم بالتحديد.

كتب «ريتشارد هافبيني»، المحاضر في العلوم البيولوجية بجامعة ستافوردشاير في بريطانيا، أنه على الرغم من أننا متأكدين تماماً من أن البعوض يختار مضيفه وفقاً للبكتيريا التي تعيش على سطح جلده، فإنه من غير الواضح سبب تفضيلهم للرائحة المنبعثة من المجموعة الميكروبية من جلد أحدهم أكثر من جلد الآخرين. وأضاف «إذا استطعنا تعلم هذا السر، فربما يمكننا تغيير التركيبة البكتيرية لبشرتنا لجعل أهدافنا أقل شهية للبعوض، حتى نسيطر على انتقال الأمراض وانتشارها على هذا النطاق الواسع.