Reading Time: 4 minutes

أثار ظهور تقنية الجيل الخامس في الاتصالات «5G» مخاوف كثيرة بين الناس، إلى درجةٍ أدت إلى ظهرت حركاتٍ مناهضة لنشر هذه التقنية في العديد من البلدان في الأشهر الأخيرة. 

وقد طوّرت بعض الجماعات اليمينية نظريات المؤامرة التي تربط بين تقنية الجيل الخامس وجائحة فيروس كورونا. وذهب بعض النشطاء إلى حدّ اضرام النار في أبراج الاتصالات في بلجيكا وهولندا ومؤخراً في كيبيك بكندا، واُتهم زوجان من سانت أديل رسمياً بالتورط في اضرام النار في برجين للهواتف المحمولة، ويُزعم أنهما وراء موجة الحرائق التي دمرت سبعة أبراجٍ على الأقل في الضواحي الشمالية لمونتريال.

وانتشرت الأخبار الكاذبة المتعلقة بشبكة 5G بسرعة البرق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تناقلها المشاهير والشخصيات المؤثرة، وعززت المخاوف حول المزاعم المتعلقة بالآثار الصحية المحتملة لشبكة الجيل الخامس.

تزعم احد نظريات المؤامرة أن انتشار مرض كوفيد-19 في ووهان الصينية مرتبطٌ بالعدد الكبير لأبراج شبكة الجيل الخامس في المدينة، لكن في الواقع، لم تُنشر بعد شبكة 5G بالكامل فيها. هناك نظرياتٌ كاذبة أخرى تزعم انّ الموجات المنبعثة من تجهيزات البنية التحتية لشبكة 5G تتسبب بضعف جهاز المناعة لدى الإنسان.

واضطرت منظمة الصحة العالمية لتحذير الناس من هذه المعلومات الخاطئة المتعلقة بشبكة الجيل الخامس، وقالت أنها لا تساعد على انتشار مرض كوفيد-19، وأن فيروس كورونا لا ينتشر عبر موجات الراديو أو عبر شبكات الهاتف المحمول، فالفيروس ينتشر في عدة بلدان لا تمتلك بعد تقنية الجيل الخامس في الاتصالات.

تقنية ثورية

من المتوقع أن تتمكن شبكة الجيل الخامس من التعامل بشكلٍ أفضل مع الانفجار الهائل في حركة نقل البيانات المتوّقع في السنوات المقبلة. بالإضافة إلى تحسين قدرات شبكة الجيل الرابع التقنية بتحسين قدرتها على نقل البيانات الضخمة والمتزامنة بين الأجهزة.

مقارنة بين قدرات شبكة الجيل الخامس والرابع

من بين فوائد شبكة الجيل الخامس، تسريع أتمتة الصناعات والتوسع في إدخال المركبات ذاتية القيادة، وتطوير المدن الذكية، والعلاج والعمليات الجراحية عن بعد. ستعتمد شبكة الجيل الخامس على ثلاثة عوامل رئيسية لتحقيق ذلك؛ زيادة سرعة الاتصال من خلال استخدام نطاقات التردد العالي، وتقليل زمن الوصول، واستخدام الجيل التالي من تجهيزات البنية التحتية مثل الهوائيات الموجهة. يمكن أن تتكامل هذه الهوائيات مع أجهزة ترحيل الإشارة في تجهيزات الشوارع والمباني ووسائل النقل والمرافق لدعم توزيع الاشارة المُوجّه.

إذا أخذنا بعين الاعتبار الأخطار المحتملة والحقيقية على صحّة الإنسان، ما هي التكلفة الاجتماعية لهذه الأجهزة الجديدة فائقة الترابط؟

نشر شبكة الجيل الخامس في كندا

وفقاً لتقرير هيئة تقنيات المعلومات والاتصالات في كندا «ICTC»، فإنّ نشر شبكة الجيل الخامس في كندا ما يزال في مرحلة ما قبل التسويق التجاري حتّى الآن. سيستغرق الأمر عدة أشهر أخرى قبل أن يتمكن الكنديون من الاستفادة فعلياً من المزايا المتقدمة وخدمات هذه الشبكة.

وقد أعلنت كبرى شركات الاتصالات منذ نهاية العام الماضي عن البدء بإنشاء شبكاتها الخاصة واختيار مصنعي المعدّات التي ستسخدمها. فقد تعاقدت شركة اتصالات «روجرز» الكندية مع شركة اريكسون السويدية، وشركة «فيديوترون» مع شركة سامسونج، بينما اختارت شركة «بِل» شركة نوكيا الفنلندية، واختارت شركة «تيلوز» شركة هواوي الصينية. تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الفيدرالية لم تأذن بعد للموردين الكنديين باستخدام معدات شركة هواوي الصينية نظراً للمزاعم المتعلقة بتجسس الشركة لصالح الحكومة الصينية.

إن اعتقال «منج وانزو»، المديرة المالية لشركة هواوي في مطار فانكوفر بطلبٍ من الولايات المتحدة، وتصاعد التوتر الدبلوماسي بين كندا والصين وضع كندا في موقفٍ محرج. وما تزال نتائج التحقيقات بشأن تهديد الشركة للأمن القومي قيد الانتظار، لذلك من غير المعلوم بعد إذا ما كان سيُسمح لشركة هواوي بالمشاركة في بناء شبكة الجيل الخامس في كندا حتى الآن.

أشار استطلاع للرأي نشره معهد «أنجوس ريد» في أواخر ديسمبر/كانون الأول من عام 2019 إلى أن غالبية الكنديين( 69%) لا يرغبون في أن تلعب عملاق الاتصالات الصيني أي دورٍ في نشر تكنولوجيا شبكة الجيل الخامس في كندا. وقد استمر هذا الانقسام في الرأي في مسحٍ آخر أجري في فبراير/شباط الماضي أيضاً.

بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع حدوث تأخيرٍ في تخصيص الترددات وإشادة شبكات الجيل الخامس بسبب جائحة فيروس كورونا الحالية. حيث يذهب تقريرٌ صدر حديثاً لشركة إريكسون أنّ شبكة الجيل الخامس لن تكون متاحةً تجارياً بالفعل حتى عام 2022، وقد توقع التقرير نفسه أن يبلغ عدد المستفيدين من هذه التقنية نحو مليار شخصٍ بحلول عام 2023.

انتشار خدمات شبكة الجيل الخامس عالمياً (العاملة حالياً والمخطط تنفيذها لاحقاً)

لا خطر على صحة الإنسان

يشعر العديد من العلماء بالقلق بشأن الآثار المحتملة للتعرض للحقول الكهرومغناطيسية الناتجة عن الأجهزة المتصلة بشبكة الجيل الخامس. تذكر بعض الدراسات إلى أن أعراضاً لوحظت لدى الأطفال الذين لديهم «حساسية مفرطة كهرومغناطيسية» مثل الإجهاد والصداع ومشاكل القلب وضعف الوظائف المعرفية (الذاكرة والانتباه..)، ومع ذلك، لا يوجد تشخيصٌ مثبت علمياً ولا يمكن إثبات وجود علاقة سببية بين هذه الأعراض- التي لا تزال مجهولة السبب- وبين التعرض للحقول الكهرومغناطيسية.

وقد خلصت الأبحاث التي تحققت منها منظمة الصحة العالمية والسلطات الصحية في العديد من البلدان- بما في ذلك كندا– أن شبكة الجيل الخامس لا تشكل خطراً على صحة الإنسان  بالنظر إلى المعايير الدولية والوطنية في الحدّ من التعرّض للترددات اللاسلكية.

من الحقائق الثابتة أن الموجات الكهرومغناطيسية، مثل الموجات المنبعثة من أجهزة الميكروويف، والأجهزة المنزلية، والحواسب، وأجهزة الواي فاي، والهواتف الخلوية، وغيرها من الأجهزة اللاسلكية هي إشعاعات غير مؤينة للوسط الذي تمر فيه. وهي، على النقيض من الأشعة السينية أو الأشعة فوق البنفسجية، ليست قويةً كفاية كي تؤذي الخلايا البشري وتؤثر على جهازنا المناعي.

المخاوف من شبكة الجيل الخامس

أصبح استخدام شبكة الجيل الخامس قضيةً مثيرةً للجدل ولمخاوف المجتمع. في الواقع، ليست هذه المرة الأولى (ولن تكون الأخيرة) التي يواجه فيها التقدم التكنولوجي تحدياتٍ بسبب الخوف غير المنطقي الناجم عن عدم اليقين حول مخاطر التكنولوجيا التي يُنظر إليها على أنها عدوانية ومؤذية للبشر.

ومع ذلك، يجب أن لا يقودنا الحماس الغامر لمحبي التكنولوجيا وغيرهم من «المستهلكين الأوائل» للابتكارات التكنولوجية إلى الانغماس بـ «الحلول التكنولوجية» التي من شأنها أن تقدم تقنية الجيل الخامس كتقنيةٍ تُستخدم في كل مناحي الحياة. من ناحيةٍ أخرى، يجب أن لا يقودنا التشكيك بالتكنولوجيا ومعارضة النشطاء المناهضين للجيل الخامس والباحثين عن المؤامرة إلى اضطراباتٍ اجتماعية.

بين هذين النقيضين- وفي السياق الحالي للتحول في النموذج- نوصي بطريقة ثالثة؛ إعادة ربط علاقة المجتمع بالتكنولوجيا بطريقة عقلانية. لقد حان الوقت لمساءلة الشركات والسلطات العامة والمواطنين حول التحديات والفرص والعيوب والمزايا التي يتيحها التوجه نحو رقمنة المجتمع على نطاقٍ واسع، ويعتبر نشر تقنية الجيل الخامس جزءاً من هذه العملية وتمثل تحدياً جديداً وفرصة لتقدم المجتمع في نفس الوقت.

من الممكن تبني التحول الرقمي دون إهمال اتخاذ الاحتياطات الصحية والبيئية اللازمة. يجب ألا نقع في أتون نظرية الحتمية التكنولوجية التي تفترض أن  تكنولوجيا المجتمع تحدد تطور هيكله الاجتماعي وقيمته الثقافية ونعتقد أنه ليس لدينا قدرةٌ على التحكم الكامل بهذه التقنيات.