Image

هجوم أميركي منسَّق بالمرشَّات من الأرض والسماء.

Bread assortment طائرة ترش الحقول بالمبيدات الحشرية. وقد بدأت عدة مقاطعات في نورث كارولينا تطبِّق أساليب مشابهة بهدف الحدِّ من أسراب البعوض.
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

ربما بالغتْ أفلام الخيال العلمي قليلاً عندما صورت لنا الأعاصير وهي تجلب أسماك القرش، غير أن سكان نورث كارولينا اكتشفوا بشكل عملي أنها يمكن أن تجلب الحشرات العملاقة، فقد تعرضت أكثر من 24 مقاطعة -بعد التعرض للإعصار فلورنس- إلى هجوم كاسح من نوع عملاق من البعوض، مما يمثل كابوساً حقيقياً بالنسبة للكثيرين.

وقد كان المشهد أشبه “بفيلم خيال علمي سيئ الإخراج” على حد تعبير روبرت فيليبس، وهو من سكان مقاطعة كمبرلاند في وسط الولاية، وقد قال لصحيفة فايتيفيل أوبزرفر: “قلت لزوجي: ياللهول… انظري إلى حجم هذا الشيء! أعتقد أنني سأضطر إلى استخدام بندقية إذا أصبحت هذه الحشرات أكبر حجماً”.

غير أن نورث كارولينا باشرت التصدي للغزاة، كما خصَّص الحاكم روي كوبر مبلغ 4 مليون دولار من صندوق الإغاثة لمكافحة هذه الحشرات، فبدأت الشاحنات المحملة بمبيدات بالبعوض تنتشر في شوارع كمبرلاند لرشِّها في الهواء، وذلك كما أوردت فايتيفيل أوبزرفر. وقد صنف خبراء الصحة هذه الحشرات بالتحديد على أنها أقرب إلى الإزعاج منها إلى الخطر الجدي، ولكنهم حثُّوا الجميع على ارتداء الملابس طويلة الأكمام ورش أنفسهم بطاردات البعوض، حيث إن نسبة منها قد تكون حاملة لبعض الأمراض، مثل فيروس غرب النيل.

كما تتمتع بعوضة Psorophora ciliata بسمعة مخيفة، حتى بين العلماء الذين يدرسون البعوض يومياً، وإضافة إلى كونها من أكبر الأنواع في أميركا الشمالية، فهي تتميز بلسعة مؤلمة للغاية، كما يشير لقبها الشائع “gallinipper” (الذي يعني على وجه التقريب: العضَّاضة الشَّرِسة)، ويبدو أنها تفتخر بهذه المكانة أيضاً، حيث تشير الأدبيات العلمية إلى “عدوانيتها الأسطورية”. وهو ما دعا سكان نورث كارولينا -مدفوعين برعب منطقي للغاية- إلى ممارسة شيء من علم الحشرات للهواة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من أن هذه الحشرات تبدو ككابوس خارج من قلب المناطق الاستوائية، إلا أنها منتشرة في الواقع على كامل مساحة النصف الشرقي من الولايات المتحدة، من تكساس إلى نيوهامبشر، حيث تضع الإناث بيوضها في أي مكان يحوي تربة رطبة، وتقبع البيوض هناك في انتظار فيضان أو مطر غزير، وقد جلب الإعصار فلورنس كلا الأمرين عندما تسبَّب في هطول أمطار غزيرة في نورث كارولينا في الشهر الماضي، مما أطلق موجة شديدة من التفقيس، وبعد أن تتشبع البعوضة بالماء، تصل إلى البلوغ في أقل من أسبوع، مما أدى إلى حدوث هذه الأزمة في نورث كارولينا.

وقد بادر الحاكم روي كوبر إلى مكافحة الأسراب بسرعة، معلناً عن تخصيص 4 مليون دولار من صندوق الإغاثة لمساعدة أكثر من نصف مقاطعات الولاية على الحد من انتشار البعوض، وقد أوردت فايتيفيل أوبزرفر أن الموجة الأولى من الإجراءات المضادة بدأت مع انطلاق الشاحنات المحملة بالمبيدات الحشرية لتجوب شوارع مقاطعة كمبرلاند، متبوعةً بهجوم جوي في الأسابيع المقبلة لتغطية المناطق المصابة. ويمكن للأفراد أيضاً أن ينضموا إلى المعركة باستخدام أقراص صغيرة توضع في الأماكن التي توجد فيها مياه مكشوفة (مثل أحواض شرب الطيور والبرك الصغيرة)، حيث تُطلق بكتيريا قاتلة ليرقات البعوض.

وقد اتخذت مقاطعات تكساس إجراءات مماثلة في الخريف الماضي بعد خروج البعوض من الأرض إثر العاصفة الاستوائية هارفي، وذلك باستخدام طائرات النقل الاحتياطية لدى سلاح الجو الأميركي لرش منطقة حول هيوستن بمساحة رود آيلاند تقريباً، وقد أتت هذه الاستجابة القوية للغاية بسبب إصابة الأعاصير لولايتين في نفس الوقت بضربتين حشريتين متتابعتين، حيث أشبعت الأمطار البيوض المطمورة بالماء وأيقظت الأنواع النائمة مثل العضاضة الشرسة، وهي حشرات تنشط فقط في أوقات الفيضانات، ونادراً ما تحمل الأمراض. ولكن البرك المتبقية بعد انحسار الفيضانات قد زادت من احتمال تكاثر أنواع أخرى من البعوض أيضاً؛ وذلك نظراً لحاجة معظم أنواعه إلى مساحات مائية مكشوفة لوضع البيوض، حتى أن مصطفى دبون (مدير مكافحة البعوض وحاملات الأمراض في مركز الصحة العامة لمقاطعة هاريس في تكساس) قد قال لمجلة The Scientist في ذلك الحين: “إن المياه ستزداد بسبب الفيضان، مما سيؤدي بدوره إلى زيادة البعوض، ويجب أن نفعل كل ما في وسعنا لمواجهة هذه المشكلة”.

وتعد عمليات الرش الجوي والقنابل البكتيرية أحدث أسلحة مكافحة البعوض، غير أن الولايات المتحدة كانت تستهدف هذه الحشرات منذ أكثر من نصف قرن بوسائل بدائية؛ فبعد فترة الكساد الكبير -مثلاً- أُطلقت مجموعةٌ من البرامج في فترة الصفقة الجديدة (فترة الإصلاحات ما بعد الكساد الكبير في الولايات المتحدة) لتوظيف جهود أكثر من 200,000 شخص للعمل على حفر الخنادق، وذلك بهدف تصريف المياه من المستنقعات في الجنوب. ويقدر مؤرِّخو الصحة العامة أنه بحلول العام 1945 تمكَّن العمال من حفر خنادق تكفي للإحاطة بالكرة الأرضية وأكثر، مما أدى إلى تجفيف أكثر من مليون فدان (يكفي الفدان الواحد لتفقيس مليون بيضة بعوض) من الأراضي الزراعية.

وأتت الضربة النهائية في الأربعينيات من مكتب مكافحة الملاريا في مناطق الحرب، وقد تم تأسيسه في أتلانتا لحماية الجنود من التعرض للملاريا بسبب لسعات البعوض في القواعد العسكرية الجنوبية، حيث قام بتنظيم عملية رش شاملة لخمسة ملايين منزل جنوبي تقريباً على مدى سنتين. وقد أعلنت المنظمة (التي نعرفها اليوم باسم: مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها CDC) أن البلاد خالية من الملاريا في 1949.

غير أن نورث كارولينا لن تحتاج إلى عملية واسعة النطاق كهذه، حيث سيتكفل البرد القارس المقبل بقتل أية عضاضة شرسة تتمكَّن من النجاة من عمليات الرش، وذلك وفقاً لتوقعات الخبراء. كما توجد ناحية إيجابية أخرى هي أن هذه البعوضة تستمتع بالوجبات الخفيفة المؤلَّفة من يرقات أنواع أخرى من البعوض، إلى حد أن بعض علماء الحشرات اقترحوا تربيتها للحد من انتشار أنواع أخرى من البعوض أشد خطراً، لكن فكرة إطلاق البعوض الكبير لافتراس البعوض الصغير لم تكتسب الزخمَ الكافي، وقد يعود هذا إلى الخوف من العواقب الوخيمة التي رأيناها مراراً وتكراراً في أفلام الخيال العلمي، ولكن لا شك في أن سكان نورث كارولينا سيرحِّبون بنتائج فكرة كهذه.

error: Content is protected !!