Image

ارتباك فضائي

Bread assortment المجرة سينتوروس أي (في المركز)
مصدر الصورة: كريستيان وولف وفريق المسح السماوي/ الجامعة الأسترالية الوطنية

تنشر الشخصيات القوية الفاعلة تأثيراً لا يقاوم في جميع الاتجاهات، فتجمع حولها حاشية مرافقة. ويتكرر هذا النمط على المستويات السماوية أيضاً، حيث يدور القمر حول كوكبنا، إضافة إلى مجموعة من الأقمار الاصطناعية التي انضمت إلى أتباع الأرض. أما الشمس فتدور حولها الكواكب والأقمار والكويكبات والمذنبات. ولكن لا يمكن مقارنة أي منهما بالمجرات، مثل مجرتنا درب التبانة، والتي لا تحتوي على مليارات النجوم وحسب، بل تمسك حولها بالمزيد من الأتباع، وهي مجرات قزمة كاملة تدور بوداعة في محيطها.

لطالما اعتقد الفلكيون الفيزيائيون أن أتباع مجرتنا يتميزون بدرجة من الغرابة، لأن الكثيرين منهم يدورون حول لولب المجرة في مدار مستوٍ عمودي عليه، تماماً كما تدور الكواكب حول الشمس.

إذا كانت المجرات القزمة تتبع للنموذج المعياري للفلك، وهو نظرية تشمل معظم معلوماتنا حول تشكل الكون، فيجب أن تكون مبعثرة عشوائياً في محيط مجرتنا، مثل المعجبين الذي يتزاحمون حول نجم تلفزيوني لأخذ توقيعه، وليست مصطفة بشكل منتظم كسلسلة من الحراس الشخصيين.

لاحظ الباحثون بعد ذلك وجود مجرات قزمة موزعة في مستوٍ واحد حول مركز مجرة أندروميدا أيضاً. ولا بد أنهم ظنوا أن الأمر ما يزال غريباً، وأن هاتين المجرتين مجرد حالتين شاذتين وحسب.

ولكن الآن، تقترح دراسة منشورة في مجلة science أن هذه الأنماط قد لا تكون شاذة كما بدت أولاً. حيث اكتُشف صف مماثل من المجرات القزمة في 2015 حول سينتوروس أي (قنطورس A)، وهي مجرة على بعد 13 مليون سنة ضوئية. وبعد ظهور إشارات من هذا النمط على ثلاثة مجرات، يحاول الفلكيون إيجاد طريقة للتوفيق ما بين هذه المعلومات الجديدة والنظريات الموجودة حالياً.

يقول أوليفر مولر، المؤلف الرئيسي للبحث: “لقد وضحنا أن هذه البنى أكثر شيوعاً مما كنا نعتقد. فقد كنا نظن أن هذا مجرد ظاهرة غريبة حول درب التبانة وأندروميدا. ولكن الآن، أثبتنا وجودها في أنظمة معزولة أخرى. وأصبحنا بحاجة إلى تفسير لهذا النوع من البنى. وأنتظر بفارغ الصبر النظريات التي يمكن أن يطرحها الآخرون”.

بدأت تظهر بعض الأفكار الأولية هنا وهناك في محاولة لفهم ما يحدث حول هذه المجرات الكبيرة. وتركز بعض النظريات على فكرة القوى المدية في الفضاء.

يقول مولر: “إذا ظهر تفاعل بين مجرتين كبيرتين، فسوف تنشأ فيه بعض الجسور، أو الجسور المدية. حيث ستؤدي جاذبية المجرة الأكبر إلى انتزاع النجوم والغازات، بنفس الطريقة التي تؤدي فيها جاذبية القمر إلى ظاهرة المد والجزر على الأرض”. وتدور المجرات القزمة الناتجة حول المجرات الأكبر ضمن مستوٍ واحد في نفس الاتجاه، بشكل مشابه لما لاحظه مولر وزملاؤه.

ولكن العلماء لا يعرفون كم ستدوم هذه المجرات القزمة المدية بعد وقوع تصادم، وهو موضوع يؤثر على علم الفلك. يقول مولر: “ليس لدينا فكرة عن فترة حياة المجرات القزمة المدية. هل هي مستقرة؟ هذا يتضارب مع النموذج المعياري، الذي يقول إن المجرات القزمة هي أحجار البناء الأساسية التي يتألف منها الكون، وأنها أول المجرات التي نشأت، وأنها اندمجت لتشكيل مجرات أكبر، أي أنها الأجسام الأقدم. ولكن بوجود المجرات القزمة المدية، ستصبح الأجسام الأصغر عمراً”.

إن الانتقال من حجر بناء إلى مجرد نتيجة لاحقة أمر يستحق الكثير من التفكير. يقول مولر: “يعتقد الناس أننا اكتشفنا المادة المظلمة، ولكنها مجرد فرضية، وما زلنا نبحث عنها”.

تعتبر المادة المظلمة عنصراً هامة في النموذج المعياري، وتساعد على تفسير الجذب الثقالي ما بين الأجسام في الكون، والذي لا يمكن تفسيره بالمادة المرئية.

يقول مايكل بويلان-كولشين، وهو فلكي فيزيائي نظري كتب وجهة نظر مرافقة للدراسة: “أعتقد بدون شك أن عدم اكتشاف المادة المظلمة يشكل مشكلة بالنسبة لهذا النموذج. ولكنه ما يزال يحظى بالثقة لسبب وجيه، فهو يفسر الكثير من الظواهر، ولكنه لم ينجح كثيراً فيما يتعلق بهذا الموضوع، على الأقل حالياً”.

ويتابع: “أعتقد أن العلماء يشعرون بالحماس لأن العلم يتقدم عن طريق النظر في مواضيع تعجز النماذج الحالية عن معالجتها، وتقييم مدى الحاجة إلى تحديث هذه النماذج، أو دراسة الموضوع بشكل أفضل، أو ما إذا كان هناك مسألة أكثر عمقاً”.

لا تعد هذه الدراسة حكماً بالإعدام على النموذج الكوني المعياري، والذي يُحسب له أنه يفسر ما حدث في الكون بعد لحظات من الانفجار الكبير، ويمكن استخدامه لحساب عدد الذرات الموجودة في الكون بعد دقائق من نشأته، ويفسر وجود الإشعاع الخلفي الكوني، ويفسر توزيع المادة في الكون على الشكل الذي نراه حالياً. إنها قائمة قوية من الإنجازات لا يمكن مضاهاتها بسهولة.

يقول بويلان-كولشين: “لا يفسر هذا النموذج ملاحظاتنا الحالية وحسب، بل يمتد على مجال واسع من الزمن. إذ لا يوجد نموذج آخر يحقق ذلك ولو جزئياً”.

كيف يمكن أن نوفق ما بين هذه الملاحظات والنظرية؟ نحتاج إلى المزيد من الحسابات، والمزيد من التفكير، والمزيد من البيانات.

في إطار هذه الدراسة، قام مولر وزملاؤه بدراسة سرعات المجرات التابعة بشكل مقارن للأرض، وذلك لاستقراء المزيد من التفاصيل حول حركتها حول سينتوروس أي.

يقول بويلان-كولشين: “يمكننا أن نقيس سرعات المجرات على طول خط النظر لدينا، ولكننا لا نستطيع قياس سرعة المجرات العمودية على خط النظر، وبالتالي فنحن لا نعرف إن كانت تدور ضمن سطح مستوٍ أو أنها تبدو كذلك فقط”.

هناك وسائل للإجابة على هذا التساؤل. ومنها التلسكوب الفضائي جيمس ويب الذي سيبدأ بالعمل قريباً، إضافة إلى تلسكوب هابل الصنديد، ويمكن أن يساعدا الفيزيائيين الفضائيين على دراسة المزيد من المجرات وتوابعها. ويقول بويلان-كولشين أنه يمكن للباحثين بناء تصور أفضل عن كيفية دوران المجرات القزمة حول المجرات الكبيرة بالمقارنة بين الصور التي يتم التقاطها بفارق أشهر أو سنوات لنفس المجرة، خصوصاً في حالة مجرة أندروميدا القريبة، ولكن هذا لن يكون سهلاً. يقول بويلان-كوليشن: “إن هذا العمل أشبه بمحاولة قياس نمو شعرة على سطح القمر من الأرض. بطء شديد، وقياسات عالية الدقة، ولكنه ممكن”.

على الأقل، ستسمح هذه الملاحظات الجديدة بإلقاء نظرة عن كثب على كيفية تشكل مجراتنا. يقول مولر: “أعتقد أن هذا الموضوع يستحق الكثير من الاهتمام أكثر من ذي قبل. فقد كنا نشك في أننا متميزون، ونشكل حالة خاصة في الكون. وقد كان هذا ممكناً. ولكن بظهور مجموعة مجرات أخرى قريبة ذات ميزة مشابهة، يجب على الوسط العلمي أن يفكر بهذا الموضوع بشكل أعمق”.

error: Content is protected !!