Image

احتاج إثبات هذا الأمر إلى كسوف شمسي، وبعض الميكروفونات والتلاميذ.

Bread assortment عندما لا تستطيع النحلة أن ترى طريقها نحو زهرة أخرى بشكل جيد، فإنها تخفف من سرعتها وتتوقف في نهاية المطاف.
مصدر الصورة: بيكساباي

عندما تغيب الشمس، يستريح النحل المجتهد، وهو ما يحدث أيضاً عندما تختفي الشمس بطرق أخرى.

هناك حكايا كثيرة تدعم الفرضية القائلة بأن الكسوف الشمسي يخدع الحيوانات ويجعلها تبدأ حياتها الليلية، ولكن بدون الكثير من الأدلة في الأدبيات العلمية، حيث إن الأبحاث في هذا المجال تُجرى بشكل متقطع، وهذا يعود بشكل جزئي إلى أن فرص دراستها غير متاحة إلا فيما ندر. ويستطيع الفلكيون الذين يمضون حياتهم في دراسة المواضع والأزمنة أن يشاهدوا كسوف الشمس لمرات كثيرة، أما علماء الأحياء المشغولون بمسائل أخرى فقد يعتبرون رؤيته مرة أو اثنتين ضرباً من الحظ السعيد.

أتيحت فرصة العمر هذه لمجموعة من العلماء الأميركيين في أغسطس 2017، وكانوا مستعدين لاستغلالها، حيث إن أميركا لم تشهد كسوفاً شمسياً منذ أن كانت شركة سوني على وشك إطلاق جهاز الووكمان في الأسواق. أما هذه المرة، فقد كان علماء الحشرات في جامعة ميسوري على أهبة الاستعداد للاستفادة من التقنيات الحديثة، حيث قاموا بإرسال ميكروفونات مزودة بوصلة يو إس بي إلى مجموعات من العلماء الهواة المتطوعين من أوريجون إلى ميسوري، وقد كان نصف هؤلاء العلماء الهواة عبارة عن تلاميذ في المرحلة الابتدائية. وبعد معالجة البيانات، تبين للباحثين بشكل مؤكد أن النحل، على شاكلة البشر، يجد صعوبة في التنقل أثناء الظلام الذي يسود فترة الكسوف، ويفضل المكوث في مكانه حتى يعود ضوء الشمس، وهو ما أشارت إليه تقارير سابقة، ولكنها لم تبينه بشكل قاطع.

أظهرت أبحاث سابقة أن النحل يهبط على الأرض عند حلول الظلام في الظروف المخبرية، ولكن لم تُجمع ملاحظات في ظروف طبيعية إلا خلال الكسوف الشمسي في 1932. يقول زاك ميلر، وهو مؤلف مشارك في الدراسة: “لم تُذكر أية ملاحظة مسجلة حول النحل إلا في قصة واحدة عن شخص قال إن نحلة هبطت على ذراعه وزحفت إلى داخل كمه عندما أظلمت الدنيا تماماً”.

وقد أدركت الباحثة الرئيسية في الدراسة كانديس جالين أثناء حديثها مع أحد الزملاء أن عبور القمر أمام الشمس في 2017 سيمثل فرصة أخرى لاختبار مسألة توقف النحل عن الطيران مع اختفاء الشمس. ولملء الفراغ البحثي بطريقة جادة، لجأت كانديس مع ميلر إلى الاستعانة بصفوف من التلاميذ في ميسوري ومجموعات تطوعية في أوريجون ويوتاه ووايومينج وآيداهو، وذلك لمساعدتهم على اختبار تقنية جديدة كان مختبرهم يعمل على تطويرها لكشف وجود النحل في البرية عن طريق أزيزه. قام الباحثان بتوزيع ميكروفونات تستمد طاقتها من منفذ يو إس بي على 16 موقعاً في مسار الكسوف، وطلبوا من جيش المتطوعين أن يتنصتوا على النحل. لا تستطيع هذه التقنية حالياً التمييز بين أنواع النحل المختلفة عن طريق الأزيز فقط، ولكن الملاحظات المحلية كانت تشير إلى أن معظم الحشرات كانت من أنواع النحل الشائعة.

ساعد تلاميذ المدارس على تحليل النتائج، وقد أظهرت أن النحل يوقف نشاطه فعلاً عندما يعم الظلام بشكل كامل. ومن بين عشرات الميكروفونات التي تم توزيعها، التقط واحد فقط أزيزاً منفرداً. يقول ميلر أن هذا السلوك كان متوقعاً، حيث لا يستطيع النحل في أميركا الشمالية أن ينجز الكثير في حال عدم الرؤية، ولكنه أشار إلى أن بعض أنواع النحل في أميركا الجنوبية ترى بشكل جيد في الظلام، وتوقع أن تتابع هذه النحلات عملية التأبير أثناء الكسوف.

أجابت الدراسة أيضاً عن بعض التساؤلات حول المرونة السلوكية لدى النحل. فعندما تكون مستويات الإضاءة ضعيفة قبل الظلام وبعده الكامل في الكسوف، كان الأزيز أطول، وهو ما يعبر عن سرعة طيران منخفضة كما يقول ميلر، لأن النحل يستغرق وقتاً أطول للوصول إلى وجهته. ويبين هذا التغير في الطيران أن النحل يمتلك درجة من التحكم في أفعاله لا تعتمد بشكل كامل على الجينات، وأنه قادر على الاستجابة لظروف الإضاءة الضعيفة بالإبطاء من حركته. يسمي علماء الأحياء هذه الظاهرة (المرونة السلوكية)، وهي تعني القدرة على تغيير السلوك استجابة للظروف الخارجية. وعلى سبيل المثال، يبدي البشر مرونة مماثلة عندما يقودون السيارة ببطء في الضباب أو الثلج، كما يقول ميلر: “يجب أن تبطئ من سرعتك حتى تلتقط جميع الإشارات البيئية المحيطة بك لتجنب وقوع حادث مروع”.

أثناء انهماك الفلكيين بقياس الهالة الشمسية ورسم خرائط الحفر على القمر، لم يكن جالين وميلر الباحثين الوحيدين المشغولين بما يحدث على الأرض، فقد أجرى باحثون آخرون من جامعة ميسوري تجارب خاصة بهم على الأسماك والطيور والخفافيش. وحالياً، يعمل علماء النبات في نفس الجامعة على بحث يصف كيف تأثرت النباتات بنقص الإضاءة أيضاً.

وبالعودة إلى مختبر جالين، فقد كان الكسوف مجرد تجربة ميدانية لنظام تسجيل الأزيز. ويعمل الباحثون على تطوير نظام متكامل من الميكروفونات والبرمجيات المرافقة كوسيلة بديلة للأدوات المستخدمة حالياً لدراسة أعداد النحل الطائر ووجهاته وأنواعه. غالباً ما تكون الأساليب الأخرى تدميرية، مثل الطريقة التي تعتمد على تفحص النحل بعد تصيده بفخاخ السكر، حيث يمسك العلماء بالنحل باستخدام مزيج قاتل من السكر ومواد التنظيف. ويأمل الباحثون أن الإصدارات اللاحقة من نظام الميكروفونات ستسمح لهم بالتمييز بين أنواع النحل المختلفة وتعقبها. ويمكن لهذه المعلومات أن تساعد على التعامل مع مسائل تتعلق بالتغير المناخي، مثل تغير فترات تفتح الأزهار من سنة إلى سنة، وذلك بدراسة أماكن وأوقات تجمع أنواع معينة من النحل في كل فصل.

يقول ميلر: “ما زالت هذه التقنية في بداياتها بدون شك، ولكننا بدأنا باكتساب القدرة على الإجابة عن أسئلة معينة حول العلاقة ما بين النباتات والنحل باستخدام الصوت فقط”.

error: Content is protected !!