Image

1 من 10 من البشر فقط هم عسراويون. فما سبب ذلك أصلاً؟

Bread assortment ما يقرب من 10 في المئة من الناس يستخدمون أيديهم اليسرى، مثل الرئيس باراك أوباما، والذي يظهر في الصورة وهو يوقع على كتاب الضيوف في البرلمان الكندي في أوتاوا في يونيو من عام 2016. حقوق الصورة: كنديان برس / جاستن تانج

أثناء الدراسات العليا، قمت بكسب كمية صغيرة من المال من خلال وقوفي ليتم رسمي في دروس الرسم في مختلف أقسام الفنون. خلال هذه الساعات الطويلة التي كنت أقضيها واقفاً، كنت أتفحص الغرفة وأحسب عدد الفنانين الطموحين الذين كانوا يستخدمون أيديهم اليسرى. وفي وقت لاحق من حياتي المهنية، فعلت نفس الشيء، أي حساب عدد الأشخاص العسراويين، ولكن هذه المرة في دروس البيولوجيا التي كنت أقوم بتعليمها.

وكان الشيء المضحك بأنه في أي صف، فقد كان حوالي 10 في المئة من الطلاب عسراويين. وقد اتضح بأن هذا ينطبق على جميع فئات البشر،. فعلى الصعيد العالمي، يكون حوالي 90% من الناس ممن يستخدمون أيديهم اليمنى. ولكن لماذا؟

لطالما أستطيع أن أتذكر، فقد كنت مفتوناً بأمر سيطرة إحدى اليدين على اليد الأخرى، وربما كنت أغبط قليلاً أولئك الأشخاص النادرين الذين يستخدمون أيديهم اليسرى. إذ أدت ندرتهم إلى بعض الغموض، حيث كانوا يستخدمون تلك الكراسي والطاولات غير التقليدية والتي يكون فيها سطح المكتب على الجانب “الخاطئ”.

فما الذي نعرفه عن الوراثة المرتبطة بكون الشخص يستخدم اليد اليمنى أو اليسرى، أو حتى الاثنتين؟ وكيف يساعد ذلك في تشكيل فهمنا لعلم الأحياء بشكل عام؟

ما هي سيطرة إحدى اليدين على الأخرى؟

بالنظر إلى كون سيطرة إحدى اليدين على الأخرى هي من الأمور الأساسية والواضحة، فإننا لا نعرف سوى القليل عن علم الوراثة المرتبط بها.

من الأمور المعقدة أن تحديد سيطرة إحدى اليدين على الأخرى ليس واضحاً. إذ أن سيطرة اليد التي تستخدمها في الكتابة (والرسم) هي وظيفة ما لا يقل عن ثلاثة أشياء: الوراثة بالتأكيد، بالإضافة إلى البيئة، وربما الاحتمال العشوائي أيضاً.

البيئة المحيطة بنا يمكن أن تضغط علينا لتبني سلوكيات معينة، مثل سيطرة إحدى اليدين على الأخرى، حتى لو لم نكن مصممين وراثياً بتلك الطريقة.
حقوق الصورة: شترستوك

لماذا البيئة؟ فكّر في تلك القصص التي ربما لم تكن ملفتة لراهبات المدارس الكاثوليكية وهن يضربن مفاصل الأصابع لأي شخص يستخدم يده اليسرى في الكتابة. (يقسم أبو زوجتي بأن هذه القصص صحيحة).

يرتبط اليسار مع الشر في العديد من الثقافات. إذ كان هناك – وربما ما زال – ضغط كبير ضد جعل اليد اليسرى هي اليد المسيطرة.

ويمكن للمرء أن يستخدم اليد الأخرى ولكن بشكل أقل فعالية. جرب استخدام مقص مخصص لليد اليمنى بيدك اليسرى.

هذا لم ينجح، أليس كذلك؟

فحقيقة أن المقص – وغيره من الأجهزة والأدوات اليدوية المتنوعة من شوك الحلويات إلى المناشير – مصمم للأغلبية التي تستخدم اليد اليمنى تعني بأنه من الأصعب استخدامها باليد اليسرى، مما يؤدي إلى ضغط كبير لتقوم بالتكيف واستخدام يدك اليمنى.

ماذا يعني الشخص “الأيمن” بالضبط؟

يعني هذا الضغط بأن العديد من الدراسات التي حدّدت سيطرة إحدى اليدين عن طريق تحديد اليد المسيطرة في الكتابة قد تكون قد أخطأت في تصنيف جزء كبير من الناس.

والحل الذي اعتمده العديد من الباحثين هو فحص مجموعة من السلوكيات. إذ أن هناك عدد مدهش من الأنشطة التي تظهر اليد المسيطرة، بما في ذلك السلوك البديهي للبالغين الذي يتم التفكير فيه بشكل موجز، بالإضافة إلى الأنشطة التي تتطلب رصانة أكبر مثل الخياطة أو استخدام الملعقة.

والتطور الذي يكتسب أهمية عندما ننظر إلى علم الوراثة هو أنه يمكن للباحثين تصنيف الناس في إحدى ثلاث مجموعات: الذي يستخدمون أيديهم اليمنى أو اليسرى أو كلتيهما، أو إلى مجموعتين: الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليمنى والذين لا يستخدمون اليد اليمنى.

الوراثة تلعب دوراً بالتأكيد، ولكن ما هو نوع هذا الدور؟ هل الوراثة المرتبطة بسيطرة اليد هي حتمية – أي كمفتاح للتبديل بين اليمين واليسار – أم أنها أكثر غموضاً؟

يمكن أن يكون هناك نمط وراثي أو خليط وراثي يجعلك أكثر ميلاً لأن تكون ممن لا يستخدمون اليد اليمنى؟ ومن ثم يمكن أن تكون اليد المسيطرة وظيفة لهذا النمط الوراثي وتفاعله مع البيئة والاحتمال العشوائي.

عدم التناظر الأيمن / الأيسر هو أمر شائع في الواقع

هناك حالات أخرى كثيرة من عدم التناظر بين اليسار واليمين في البيولوجيا البشرية. ولعل أكثر ما يلفت النظر هو عدم تناظر أعضائنا الداخلية، كالقلب والرئتين والقناة الهضمية.

ولكن الأمر الذي كان له دور مركزي في فهم الوراثة المرتبطة بسيطرة إحدى اليدين هو كون التفاف الشعر في فروة الرأس باتجاه عقارب الساعة أو بعكس اتجاه عقارب الساعة. وكما هو الحال مع دوران الزوابع والأعاصير، فإن الشعر في فروة الرأس يشكل دوامة مركزية لها اتجاه للدوران. (أنا لا أختلق ذلك، أحضر زوجاً من المرايا، أو انظر إلى الشخص الذي يجلس إلى جانبك، وتحقق من ذلك أو ألق نظرة على هذه الصورة).

يمكن أن يكون اتجاه دوران شعر الرأس باتجاه عقارب الساعة (كما هو في الصورة) أو بعكس اتجاه عقارب الساعة.
حقوق الصورة: نوج هان / فليكر

وكان اتجاه دوران شعر الرأس محور إحدى الدراسات الأساسية حول الوراثة المرتبطة بسيطرة إحدى اليدين. وقام العالم أمار كلار بقضاء الوقت في مراكز التسوق المحلية وسجل خلسة اتجاه دوران شعر الرأس عند المتسوقين. وكان الاتجاه عند معظمهم باتجاه عقارب الساعة. ولم يسجل اليد المسيطرة عند المتسوق، ولكنه لم يكن مضطراً لذلك. عليك أن تتذكر بأن التحيز في سيطرة إحدى اليدين يكاد يكون عالمياً.

ولأن 90 في المئة من البشر يستخدمون اليد اليمنى، فقد خلص كلار إلى أن سيطرة اليد اليمنى ودوران الشعر باتجاه عقارب الساعة كانا مرتبطين. ثم قام مباشرة باستطلاع آراء مجموعة أصغر من الناس الذين لديهم اتجاه دوران الشعر بعكس اتجاه عقارب الساعة ووجد بأن هذه المجموعة انقسمت إلى نصفين بين اليد اليمنى وغير اليد اليمنى.

وبهذه الطريقة، أظهر كلار بأن سيطرة إحدى اليدين واتجاه دوران الشعر مرتبطان، ولكن ليس بطريقة أن “كافة الأشخاص الذين يستخدمون أيديهم اليمنى يكون اتجاه دوران شعرهم باتجاه عقارب الساعة. أو أن جميع الأشخاص الذين يستخدمون أيديهم اليسرى يكون اتجاه دوران شعرهم بعكس اتجاه عقارب الساعة”.

هل هناك جين واحد لسيطرة إحدى اليدين؟

اقترح كلار نموذجاً بديلاً رائعاً والذي لا يتطلب سوى جين واحد لتحديد كل من اتجاه دوران الشعر وسيطرة إحدى اليدين.

العديد من الجينات لها أشكال مختلفة، تسمى الألائل. إذ يحمل كل منا نسختين من كل جين في الجينوم، أحدهما من الأم والآخر من الأب. في بعض الحالات – ولكن ليس جميعها – يكون أحد هذه الألائل “مسيطراً”. (هل تتذكر جريجور مندل ودراسته حول البازلاء المجعدة والملساء؟)

في نموذج كلار للشعر واليدين، يملك جين سيطرة إحدى اليدين اثنين من الألائل. وإذا كان لديك نسخة أو نسختين من الأليل المسيطر، فيكون اتجاه دوران الشعر باتجاه عقارب الساعة وتكون من الذين يستخدمون أيديهم اليمنى. ولكن عندما يكون لديك نسختين من النموذج الآخر، فهنا تلعب الاحتمالات دوراً، وعندها تصبح الأمور مثيرة للاهتمام.

تفسير كلار هو أن هؤلاء الأفراد لديهم دائماً اتجاه دوران الشعر النادر بعكس اتجاه عقارب الساعة، وأنهم ممن لا يستخدمون اليد اليمنى في نصف الحالات تقريباً. وبعبارة أخرى، تكون سيطرة إحدى اليدين عند هؤلاء الأفراد هو مجرد احتمال جيني.

هذا النوع من المزيج الوراثي والبيئي والاحتمال العشوائي البسيط يكمن وراء معظم البيولوجيا البشرية، من الطول أو الوزن إلى مقاومة الأدوية أو قابلية الإصابة بالسرطان. يمكن بعدها لفهم وراثة سيطرة إحدى اليدين عند الإنسان أن يساعدنا في فهم الوراثة البشرية بشكل عام.

ماذا عن الأنواع الأخرى؟

ماذا عن عدم التناظر وسيطرة إحدى اليدين عند الأنواع الأخرى؟

مثل العديد من السلوكيات “المعقدة” (التفكير أو اللغة أو استخدام الأدوات)، فقد كنا نعتقد بأن سيطرة إحدى اليدين هي سمة فريدة بالإنسان. ولكن بمجرد أن بدأنا بالبحث بشكل فعلي، فقد اكتشفنا “سيطرة إحدى اليدين” عند العديد من الأنواع الأخرى، من الحلزونات إلى الكنغر، وحتى عند أسلافنا التطوريين القدماء.

فالحلزون لس لديه يد مسيطرة (أو أي يد على الإطلاق)، ولكن قوقعته تلتف إما إلى اليمين (تقريباً في كل الحالات) أو إلى اليسار (نادرة جداً).

نوعان مختلفان من حلزون البحر. أحدهما يلتف نحو اليمين بشكل طبيعي، بينما يلتف الآخر نحو اليسار.
حقوق الصور: ويكيميديا

ويُذكر بأن رأسيات الأرجل والأخطبوط والحبار والسبيدج هي مجموعة من الرخويات (مثل الحلزون) التي لها أذرع، كما تبين بأن لها “أيدي”. عندما درست سلوك رأسيات الأرجل لفترة وجيزة في الثمانينيات، لم نكن نعتقد بأن الأخطبوط أو الحبار يمكنه أن يميز بين اليسار واليمين، ولكن الدراسات الأحدث تدل على أنها قادرة على ذلك وأن لها ذراع أو جانب مفضل.

كما أن أسماك البلطية الآكلة للحراشف هي نوع من الأسماك الزاحفة التي تتغذى حصراً على حراشف الأسماك الأخرى الأقل حظاً وذلك بهجوم تفضيلي من اليسار أو من اليمين.

وتصل قطتك إلى الغذاء بواسطة مخلبها المسيطر، ولكن الكلب بارع في رفع كلا الساقين أثناء التبول.

دعونا نقوم بالتجارب

إن التحدي الرئيسي في استكشاف الوراثة المرتبطة بسيطرة إحدى اليدين عند البشر هو عدم رغبتنا (المبررة تماماً) في القيام بالتجارب على البشر. فأنا لن أقوم بتعديل ابنتي وراثياً لمعرفة فيما إذا كان بإمكاني جعلها تستخدم اليد اليسرى، إلا أنني سأكون مستعداً للتجربة على الحلزون.

ولأن سيطرة إحدى اليدين توجد عند الأنواع الأخرى، فيمكننا دراستها لتحديد الآلية الوراثية. هذا النهج المقارن يكمن وراء جميع الكائنات النموذجية. فعلى سبيل المثال، هذا هو السبب في دراسة عملية التمثيل الغذائي عند ذباب الفاكهة لفهم البيولوجيا الغامضة ووراثة تداخل الصبغيات والسرطان.

ومع ذلك، فإن إحدى النقاط الهامة التي يجب مراعاتها هي أن الأنظمة المماثلة لا تخضع بالضرورة لنفس الجينات. فعلى سبيل المثال، وجد كلار بأن عدم تناظر الأعضاء يتم تحديده من قبل مسار وراثي يختلف عن المسار المرتبط بالتفاف شعر الرأس وسيطرة اليد. ومن المحتمل أن تكون سيطرة إحدى اليدين عند القطط أو الحلزونات وراثية، إلا أن جيناتها قد لا تكون متطابقة مع تلك المعنية عند البشر.

سرطان البحر الأميركي يتساوى لديه احتمال أن يكون أيمن أو أيسر المخلب.
حقوق الصورة: شترستوك

كما تختلف سيطرة اليد عند الحيوانات عنها عند البشر بطريقة أخرى أيضاً. فالتحيز الشديد موجود عند البشر، لدرجة أن نسبة 90 إلى 10 في المئة لا وجود لها. ومن المرجح أن تكون القطط على سبيل المثال ذات مخلب أيمن أو أيسر بنفس النسبة. ويمتلك سرطان البحر الأميركي مخلباً كبيراً “للسحق” ومخلباً أدق “للقطع” ولكن المخلب الكبير المسيطر من المرجح أن يكون على اليمين أو اليسار بالتساوي. ويميل الكنغر إلى أن يكون أعسر، وتميل قرود الشمبانزي لأن تكون يمينية، ولكن التحيز في كل منهما ليس قوياً كما هو الحال عند البشر.

لماذا التحيز عند البشر؟ إن سيطرة إحدى اليدين هي أمر معقد من الناحية البيولوجية وتنطوي على تنسيق كبير بين الدماغ واليد. والدماغ غير متناظر في حد ذاته، حيث يلعب نصفا الكرة الدماغية الأيمن والأيسر أدواراً مختلفة في تنسيق الأنشطة مثل التعرف على الأنماط أو اللغة.

ومن المثير للاهتمام، يبدو بأن هناك اختلافات طفيفة في بنية الدماغ بين الشخص الأيمن والأعسر. إذاً، فهل هذا التحيز يعكس نوعاً من الشبكات في الدماغ؟ فقد ربطت بعض الدراسات سيطرة اليد اليسرى إلى بعض التغيرات في سلوك وظيفة الدماغ.

وهناك أيضاً بعض المجموعات التي يكون فيها العسراويون أكثر تمثيلاً، بما في ذلك الفنانين والمهندسين المعماريين. وتشير هذه الأرقام إلى أن هناك فائدة خلاقة لكونهم بهذه الطريقة.

(وقد يكون الأمر الأكثر حذقاً هو السؤال عن كيفية تطابق هذه النقطة مع ملاحظتي الأولية بأن حوالي 10 في المئة من طلاب الفن كانوا عسراويين، والجواب هو حجم العينة على الأرجح، حيث وقفت أمام الكثير من الطلاب، ولكنهم لا يزالون بضع مئات فقط. وهذه العينة ببساطة لم تكن كبيرة بما فيه الكفاية كي ألاحظ القفزة إلى 20 في المئة من 10 في المئة. فقيود العينات هي المشكلة الأكبر لعلماء الأحياء.)

إن الاختلافات الخلاقة أو المعرفية المحتملة تعيدنا إلى افتتاني الأول وغبطتي لتلك الأقلية العسراوية.

إذا كنت بحاجة إلى شخص يقوم بقص خط منقط بأول مقص يأتي في متناول اليد، فربما يمكن لأي شخص أيمن أن يفعل ذلك. ولكن إذا كنت بحاجة إلى شخص ما للتفكير خارج الصندوق، فقد ترغب في استخدام شخص أعسر.

الشكر الجزيل لجاك باتمان وجيف أرنولد وكيم فنر وجين بول على اقتراحاتهم القيمة وإشارتهم إلى بعض الأدبيات والأفكار التي تدعم هذه المقالة. وأي قيود في تفسير هذه الأدبيات هي مسؤوليتي وحدي.

توماس ميريت هو أستاذ وعضو في كندا ريسيرتش تشير والكيمياء والكيمياء الحيوية وجامعة لورانس. وقد نشرت هذه المقالة أولاً في موقع ذا كونفرسيشن.

error: Content is protected !!