Reading Time: 3 minutes

عندما يتعلق الأمر بالشطرنج، يبدو أن أجهزة الكمبيوتر لم تعد حتى تحاول إثبات أفضليتها؛ إذ أنه منذ أن تغلّب برنامج «ديب بلو» من شركة «آي بي إم» على بطل الشطرنج العالمي حينها؛ «غاري كاسباروف»، عام 1997، جعلت تطورات الذكاء الاصطناعي في أجهزة الكمبيوتر التي تلعب الشطرنج أكثر براعةً، ولم ينتصر الإنسان على الكمبيوتر في بطولة شطرنج منذ 15 عاماً.

لمحة عن تاريخ الشطرنج الآلي

في بداية كل عملية صناعة برنامج محاكاة للشطرنج، توجد أساسيات ثابتة؛ أولاً وقبل كل شيء؛ معلومات حول كيفية تحرك كل قطعة، وكيفية عمل التبييت، وكيفية التحكم في الملك عند الحركة الأخيرة، ومن ثم بعض الحركات والمناورات الأساسية، والقيمة الأساسية لجميع القطع.

بدأ «آلان تورينج» حوالي عام 1946 بأول الأبحاث حول صناعة الشطرنج الآلي، لكن اقتصر مفهومه على السجلات المكتوبة بخط اليد فقط؛ والتي طورها بعده «كلود شانون»، وفي عام 1951، طورت جامعة مانشستر البريطانية برنامجاً اسمه «Ferranti Mark 1»؛ استطاع حل مشكلات محددة مسبقاً في 15 دقيقة، ويُعتبر أول برنامج في تاريخ الشطرنج الآلي.

أما أول برنامج يشارك في البطولات البشرية كان «ماك هاك»؛ الذي طُوّر عام 1967، وكان أول برنامج يهزم إنساناً ذكياً نسبياً؛ الفيلسوف الأميركي «هوبرت دريفوس»؛ الذي هُزم على يد البرنامج في الحركة 37 من اللعبة.

وفي عام 1979، طوّر «كين تومسون» آلة الشطرنج «بيل»؛ التي كانت تستطيع قراءة ما يصل إلى 180 ألف موضع في الثانية، وتصل إلى عمق بحث يصل إلى تسعة حركات ونصف. سيطرت «بيل» على مشهد الشطرنج الآلي حتى عام 1983؛ عندما حصلت على لقب بطل وطني من قبل اتحاد الشطرنج الأميركي؛ وهي أول جائزة من نوعها تُعطى لجهاز شطرنج آلي. إلى أن جاءت شركة «آي بي إم» بعملاقها «ديب بلو» عام 1997؛ الذي هزم بطل العالم حينذاك بـ19 حركة فقط.

شطرنج ذكي يهتم بتطوير مهاراتك

شطرنج آلي

shutterstock.com/Gorodenkoff

طوّر فريقٌ من جامعة كورنيل الأميركية مؤخراً محرك شطرنج ذكي اصطناعياً؛ اسمه «Maia»، لا يسعى بالضرورة إلى التغلب على البشر، بل مُدرَّب على اللعب مثل الإنسان. هذا لا يخلق تجربة لعب شطرنج أكثر إمتاعاً فحسب، بل يسلط الضوء أيضاً على كيفية اتخاذ أجهزة الكمبيوتر للقرارات بشكل مختلف عن البشر، وكيف يمكن أن يساعد ذلك البشر على تعلم الأداء بشكل أفضل.

لا تمتلك أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية في الشطرنج أي تصور للأخطاء التي يرتكبها الأشخاص عادةً في مستوياتٍ معينة؛ إذ أنها تخبرك بكل الأخطاء التي ارتكبتها، لكن لا تستطيع تحديد أي منها يستوجب عليك تداركه وكيف، أما «مايا»؛ فقد حدّد من خلال الخوارزميات الأخطاء التي تعتبر نموذجية للمستويات، وبالتالي الأخطاء التي يجب على الأشخاص العمل عليها، والأخطاء التي ربما لا ينبغي عليهم حلها في الوقت الراهن، لأنها لا تزال صعبة للغاية.

سعى الباحثون في هذا المشروع إلى تطوير الذكاء الاصطناعي الذي يقلل من التفاوتات بين السلوك البشري والسلوك الخوارزمي؛ من خلال تدريب الكمبيوتر على آثار الخطوات البشرية الفردية، بدلاً من جعله يعلّم نفسه إكمال مهمةٍ كاملة بنجاح؛ وذلك بدراسة مئات الملايين من الحركات المسجّلة للاعبين عبر الإنترنت في كل مستوى.

إن تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي على حركات الشطرنج البشرية الفردية بدلاً من حل المشكلة الأكبر؛ المتمثلة في الفوز بلعبة ما، علّم الكمبيوتر تقليد السلوك البشري، كما أنشأ نظاماً أكثر قابلية للتعديل وفقاً لمستويات المهارة المختلفة، وهو تحدٍ قائم بحد ذاته للذكاء الاصطناعي التقليدي.

ضمن كل مستوى، تطابقت حركات «مايا» مع حركات الإنسان المتطابقة بنسبة تفوق الـ50%، كما كان قادراً أيضاً على تحديد أنواع الأخطاء التي يرتكبها اللاعبون في مستويات مهارة معينة، ومتى يتوقف اللاعبون عن ارتكابها عند وصولهم إلى مستوى معين من المهارة.

الذكاء الاصطناعي يعيد للّعبة متعتها 

الصورة: بيكسلز

بعد أن كثرت برامج ومحركات الشطرنج التي فاقت قدرات الإنسان، اعتقد ممارسوا اللعبة أن لعبتهم المحبوبة أصبحت أقل إبداعاً مُلقين باللوم جزئياً على أجهزة الكمبيوتر التي أنتجت حساباتها الخالية من الروح مكتبةً واسعة من الحركات والدفاعات التي لا يعرفها حتى لاعبو الدرجة الأولى. ولا يُلاموا على ذلك.

لذا كان لزاماً على المطوّرين التوفيق بين التفوق في أداء اللعبة وإعادة إحياء روح المنافسة عبر برامج مثل «مايا» و «ألفا زيرو» الذي صدر عام 2018 نتيجة تعاون بين مختبرات «ألفا بيت» و «ديب مايند» للذكاء الاصطناعي، والتي تحثّ اللاعبين على خلق أنماط إبداعية جديدة.

فهذه البرامج صمّمت بشكل أساسي لتتعلّم اللعبة تدريجياً، إذ أنها لا تعرف في البداية أنه يمكن القضاء على قطع الخصم حتى. لكن على مدى ساعات من اللعب عالي السرعة ضد خصومٍ أكثر قوة وبشكل متتالٍ، تصبح أكثر مهارة، وبحركاتٍ أكثر طبيعية من محركات الشطرنج التقليدية. ففي هذه العملية، تعيد اكتشاف الأفكار التي رأيناها منذ قرون في بداية تطوّر لعبة الشطرنج البشرية، وتضيف لمسة إبداعيةً خاصة بها.