Image

ولكننا لن نتمكن أبداً من استخراجها

Bread assortment الماس داخل الأرض لا يبدو هكذا على الإطلاق.
مصدر الصورة: بيكساباي/ تاتي777

يتمتع الماس بسمعة رنانة من حيث الندرة والقيمة، ولكنه في الواقع أكثر انتشاراً مما قد تعتقد. فبعض الكواكب، مثل أورانوس، مكتظة بالماس على الأرجح، كما أن الماس يطوف على غير هدى في بعض الصخور الفضائية في هذه اللحظات بالذات. وتبين لنا أننا، هنا على الأرض، نقبع فوق كمية هائلة من الماس، تبلغ في الواقع حوالي 1 كوادريليون (مليون مليار) طن.

يوجد تحت سطح الأرض بحوالي 160 كيلومتر مقطع جيولوجي يعرف باسم الجذور الكراتونية، وهي متواجدة تحت ما يطلق عليه الجيولوجيون اسم الكراتون، وهو المقطع الصخري الأقدم والأكثر استقراراً في القارة. يصل الكراتون أحياناً إلى قلب الأرض بعمق 322 كيلومتر عبر القشرة الخارجية وصولاً إلى طبقة الوشاح، وهو سبب استخدام تسمية الجذور.

يقول جوشوا جاربر، باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة بنسلفانيا الحكومية، والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: “ترتبط الكراتونات بشكل وثيق ببعض أهم الأحداث في تاريخ الأرض، مثل بدء حركة الصفائح التكتونية وتشكل القارات. بقيت هذه الكراتونات ثابتة منذ الدهر السحيق، منذ 2.5 مليار سنة على الأقل، ما يتيح إمكانية حدوث الكثير لها. لقد كانت تخضع لتفاعلات كيميائية بطيئة ضمن القشرة لوقت طويل للغاية”. تعتبر هذه النتائج جزءاً من عمل أكبر لفهم التاريخ والعمليات في المناطق السطحية والعميقة لوشاح الأرض.

نشر فريق دولي من الباحثين بحثاً جديداً في مجلة Geochemistry, Geophysics, Geosystems، ووفقاً لتقديرات الفريق في هذا البحث، فإن الجذور الكراتونية تحتوي على نسبة 1% إلى 2% من الماس. قد يبدو هذ المقدار ضئيلاً، ولكن هذه النسبة الصغيرة من هذه التشكيلات الجيولوجية الهائلة تساوي تقريباً كوادريليون طن من الماس… أي الرقم 1 متبوعاً بخمسة عشر صفراً!

لم يكن الفريق يبحث عن الأحجار الكريمة عندما توصل إلى هذا الاكتشاف. فقد جمع العلماء على مدى سنوات طويلة كمية هائلة من البيانات حول النشاطات الزلزالية للأرض. ويمكن استخدام هذه البيانات لبناء خريطة ثلاثية الأبعاد توضح شكل قلب الأرض.

ولكن البيانات الزلزالية ليست متشابهة. ويتألف الكثير منها من قياسات الأمواج الصوتية الصادرة عن الأرض بعد ان أطلقت بتأثير الزلازل، والانفجارات، وغيرها من الأحداث. تتحرك هذه الأمواج الصوتية (والتي تسمى ايضاً سرعات القص أو سرعات الاحتكاك) بسرعات مختلفة تتبع لنوع وحرارة المادة التي تعبرها، ولهذا فهي تتحرك بسرعة عالية عبر جذور الكراتونات القديمة لأنها أخفض حرارة وأقل كثافة من صخور الوشاح التي حولها، ولكن هذه السرعات أعلى مما هو متوقع.

تقول باربرا رومانويتش، المؤلفة المشاركة في الدراسة الجديدة، وباحثة زلازل في جامعة كاليفورنيا بيركلي: “نتوقع سرعات قص عالية كهذه عند درجات حرارة أقل بكثير من معدل الحرارة عند هذا العمق. ولكن هذا سيتطلب درجات حرارة منخفضة بشكل ينافي المنطق بالمقارنة مع ما نعرفه عن هذه المناطق من الوشاح، بالنسبة للتركيب الاعتيادي للصخور”.

حاول الفريق معرفة سبب هذه السرعات العالية، وبدؤوا بالدراسة باستخدام البيانات لديهم لتشكيل نموذج ثلاثي الأبعاد للأمواج الزلزالية التي تندفع عبر الجذور الكراتونية، وأتبعوا هذا بتجارب مخبرية لانتشار الأمواج الصوتية عبر عدة أنواع من الصخور المركبة، بدرجة الحرارة المتوقعة في الجذور الكراتونية.

تتكون الكراتونات بشكل أساسي من البيريدوتيت، ولكنه لا تتمتع بسرعات قص عالية. يمكن تفسير هذه السرعات العالية بنوعين آخرين فقط من الفلزات الموجودة في وشاح الأرض: الإيكلوجايت (قشرة محيطية مطمورة وتتحرك نحو منطقة الوشاح) والماس.

تتطلب هذه السرعات وجود مقادير مستحيلة من الإيكلوجايت، ولكن الماس، كما تقول رومانويتش: “يتمتع بسرعات قص عالية للغاية، وبالتالي يكفي وجود القليل منه لمطابقة القياسات التجريبية، خصوصاً إذا اجتمع مع الإيكلوجايت”.

أجرى الباحثون تجارب مخبرية على عدة تشكيلات من الصخور لقياس السرعات، ووجدوا أن التركيبة الوحيدة التي حققت السرعات المقاسة طبيعياً تحوي فقط نسبة ضئيلة من الماس، بين 1% و 2%، ولكنها كافية لتعويض الفروق في بيانات السرعات، بدون التأثير على قياسات الكثافة الإجمالية للجذور الكراتونية.

قد تبدو النتائج غير متوقعة، ولكنها منطقية في الواقع (إذا حاولنا تجاهل هذا المقدار الخرافي من الماس). يقول جاربر: “يعتبر الماس إجابة جذابة، لأنه أشد قساوة بكثير من معظم الفلزات الأخرى. ومن نتائج هذه الدراسة أنه إذا لم يكن الماس هو السبب، فهذا يعني وجود مادة شديدة القساوة مثل الماس ولا نعرف عنها الكثير”.

إضافة إلى هذا، تقول رومانويتش أنه من المحتمل أن مصدر الماس الكراتوني هو السوائل التي تحوي الكربون والتي تتدفق من الشرائح المطمورة، حيث أن الماس شكل مستقر من الكربون، ينتج عن التعرض لدرجات حرارة وضغوط عالية للغاية.

ولكن لا تتحمس كثيراً، فلن ترى هذا الماس شخصياً على الإطلاق. حيث أنه يتواجد على عمق أكثر من 160 كيلومتر تحت سطح الأرض. تقول رومانويتش: “هذا يعادل تقريباً 10 أضعاف أعمق مسافة حفرها الإنسان. تتعرض قطع المثاقب للاهتراء بسرعة، وتصبح أكثر ليونة مع ارتفاع حرارتها إلى عدة مئات من الدرجات المئوية، ولا يمكن تبريدها بالسرعة الكافية حتى باستخدام الحقن المائي. بصراحة، لا أعتقد أننا سنحفر إلى أعماق أكبر في المدى المنظور”.

تتابع رومانويتش: “من ناحية أخرى، فإن الماس قد يصعد إلى السطح بفعل النشاط البركاني القديم، وقد يكون هناك أكثر مما عثرنا عليه”، بناء على ما تقترحه النتائج، “وبالتالي، ما زال هناك بعض الأمل”. قد لا نحتاج إلا إلى القليل من الصبر، ولكن الصبر، وفقاً للمقاييس الزمنية الجيولوجية، قد يتخطى بقاء الجنس البشري بأكمله، ناهيك عن فترة حياتنا الحالية. إضافة إلى ذلك، هل سترغب فعلاً بالحصول على هذا الماس؟ إذا أصبح لدينا كوادريليون طن من هذه المادة على سطح الأرض، فلن تبدو ثمينة كما هي الآن، بل قد تصبح بقيمة عملة نحاسية، وإن كانت نقوش العملة على الماس منظراً مثيراً للإعجاب.

error: Content is protected !!