Image

ما الذي يدفع البشر وآلاتهم إلى محاولة "قراءة" الآخرين.

Bread assortment يقوم البرنامج الجديد للقيادة الذاتية للسيارات من فيونير بقراءة وجهك أثناء القيادة، واتخاذ القرارات بناء على تعابير وجهك.

في يناير من كل عام، تتقاطر حوالي 4,500 شركة نحو لاس فيجاس من أجل الاحتفالية الماراثونية السنوية الشهيرة باسم معرض الإلكترونيات الاستهلاكية، أو CES اختصاراً.

كانت فعاليات 2019 شبيهة بغيرها، حيث بالغت الشركات كالعادة في مديح أفكارها، وتسابق الحاضرون في التغريد حول جنون المنتجات، وأغرقوا إنستجرام بالعديد من الصور لأروقة العرض. كان تحديد التوجهات التكنولوجية الجديدة لعبة شارك فيها الجميع، وكانت توجهات السنة شاملة وواسعة النطاق: الطائرات المسيرة، المساعدات المنزلية التي تعمل بالأوامر الصوتية، إضافة إلى شيء ما يحمل اسم تلفاز 8 كي (8K). غير أن أكثر الروبوتات إثارة للجدل والاستغراب تلك التي كانت تدعي القدرة على “قراءة” الوجوه البشرية، وكشف العواطف والوضع الصحي من صورة واحدة.

كانت بعض تلك الروبوتات غريبة إلى درجة كبيرة، وكأنها خليط غير متناسق من ثقافة الصور الهزلية والعلوم الزائفة. فقد عبرت إحدى الآلات عن رأيها بصورة زميلنا محرر التكنولوجيا ستان هوراتشيك، والبالغ من العمر 36 عاماً، كما يلي: “إنه ظريف المنظر، ويبلغ من العمر 30 عاماً، ويشبه المغني الكوري جي دراجون” (على الأقل، تمكنت الآلة من إعطاء صفتين صحيحتين من أصل ثلاث صفات)، وقالت آلة أخرى أنه يبلغ من العمر 47 عاماً وأنه “ذكر بنسبة 98%”، وقد تضمنت الحالتان أيضاً الكثير الكثير من الوجوه التعبيرية.

ولكن بعض هذه الآلات قد تؤثر على حياة الجميع بشكل كبير. فقد قدمت إنتل معلومات جديدة حول جهودها في بناء كرسي متحرك يتم التحكم به عن طريق تعابير الوجه (تخيلوا مثلاً الاستدارة إلى اليسار بغمزة وإلى اليمين بقبلة)، ما يمكن أن يؤثر على إمكانية الحركة بشكل ملحوظ وإيجابي. كما أن فيونير كانت تروج لفكرة “التعرف على تعابير الوجه” لذكاء اصطناعي لقيادة السيارات ذاتياً. حيث يتفحص التعابير الوجهية حتى يحدد ما إذا كان السائق متنبهاً أو نائماً أو لاهياً عن الطريق. وعبر البعض عن رغبتهم بأتمتة جزء من عمل الطبيب، عن طريق تفحص الوجه في محاولة لتشخيص المرض.

قد تكون تلك المعروضات براقة وجديدة، ولكن الرغبة البشرية في تحويل الوجوه إلى المعلومات تعود إلى أزمنة غابرة. فقد كان الرياضي الإغريقي فيثاجورس يختار طلابه “بناء على الموهبة البادية على وجوههم”، وفقاً لسارة والدورف من شركة ج. بول جيتي الائتمانية. وفي القرن الخامس عشر، كانت الوحمة القرمزية على وجه الملك الاسكتلندي جيمس الثاني (الملقب بالملك ذي الوجه الناري) تجسيداً مباشراً لمزاجه شديد الحدة. وفي أيام أوروبا الاستعمارية، كان الكثير من العلماء يعتقدون بصحة الكاريكاتورات العنصرية، حيث كانت التعابير البشرية متعلقة بالسلوك الحيواني.

كان علم الفراسة منتشراً على نطاق واسع، ويحمل اعتقاداً يقول أن وجوهنا غنية بالمعاني الخفية، ولم يختف هذا العلم بشكل كامل على الإطلاق، كما يقول تيجو كول من مجلة نيويورك تايمز، حيث أن هذا لاعتقاد يتجسد في جميع أعمال التصوير الفوتوغرافي: “نحن نميل إلى تفسير الصور الشخصية كما لو أننا نقراً ميزة حقيقية لصاحب الصورة، حيث أننا نتحدث عن القوة والتردد لدى المقارنة بين الفكوك قوية المنظر التي تثير الإعجاب والذقون غير البارزة التي تثير الشفقة. كما أن جبهة الرأس العالية تعتبر رمزاً للذكاء. وببساطة، تصبح ملامح الوجه للأشخاص معبرة عن محتوى شخصياتهم”.

ولكن ماذا يمكن لعينين وفم وأنف أن تخبرنا فعلاً؟

تعتبر التعابير الوجهية لدى الرئيسات أكثر تطوراً منها لدى أي حيوان آخر. ويتمتع الإنسان والشمبانزي بمجال من التعابير المتشابهة للغاية. حيث أن بروز الشفتين المعبر عن الفضول لدى الشمبانزي (1) قد يعبر عن الريبة أو ألشك لدى الانسان. أما الابتسامة (2) فتعبر عن السرور لدى الشمبانزي والانسان. يعبر الشمبانزي عن التأمل أو القلق (3) بزمّ شفتيه، في تعبير مماثل للغاية للتركيز البشري. ولكن هناك اختلاف واضح واحد. حيث أن ما يبدو أنه ضحكة واضحة (4) لدى الشمبانزي هو في الواقع تعبير عن الانزعاج أو التعاسة.لا يستطيع البشر “قراءة” الوجوه، ولكنهم بارعون في تفسير مشاعر الآخرين ضمن سياق معين.

تقول ليزا فليدمان باريت، وهي خبيرة في علم النفس وعلم الأعصاب المتعلق بالمشاعر في جامعة نورث إيسترن: “أعتقد أن التكنولوجيا يمكن أن تتطور في مرحلة ما لتصبح قادرة على قراءة مزاجك من وجهك، ولكن ليس الوجه فقط، بل بالاعتماد على السياق أيضاً”.

لنأخذ التكشيرة مثالاً، وهي تكاد تكون مؤشراً عالمياً على الامتعاض. تقول باريت في إشارة إلى فيلم من بيكسار في 2015 حول العواطف المختلفة: “لقد رأينا هذا في فيلم inside out. إن الشخصية الصغيرة المعبرة عن الغضب تأخذ نفس الشكل تقريباً داخل دماغ كل شخص، وهي نموذج نمطي يصدقه الجميع”. غير أن أكثر الأدلة وثوقية تشير إلى شيء آخر، كما تقول باريت: “يعبس الناس عند الغضب في 20% إلى 30% من الحالات، ولكنهم لا يفعلون هذا في أحيان أخرى، وفي معظم الوقت، يعبسون عندما لا يكونون غاضبين، ما يعني أن العبوس لا يعبر بالضرورة عن الغضب”.

وهنا يأتي دور السياق. فنحن نقوم على الدوام بتحليل “لغة الجسد” للآخرين، وتعابير الوجه، وحتى نبرة الصوت. وأثناء المراقبة، نفكر بما حدث للتو، وما يحدث الآن، وما يحتمل أن يحدث لاحقاً. بل إننا نأخذ بعين الاعتبار ما يحدث داخل أجسادنا نحن، وما نشعر به ونفكر به ونراه، كما تؤكد باريت. تتفاوت البراعة في هذا الأمر بين شخص وآخر، وهناك الكثير من العوامل التي تؤثر على نجاحك في تفاعل معين مع شخص آخر. إذا كنت تعرف هذا الشخص جيداً، وتعلمت بالمحاولة والخطأ كيف يعبر عن مشاعر معينة، فمن المرجح أن تكون أكثر نجاحاً في تفسير معنى التكشيرة بدقة.

غير أن هذا لا يُعتبر فعلياً بمثابة “قراءة” وجه شخص ما. تقول باريت: “في الواقع، فإنه تشبيه غير مناسب، لأننا لا نستطيع كشف المعاني النفسية في حركات شخص ما، بل نستنتجها، ويقوم هذا الاستنتاج بشكل كبير على السياق”. وفي أفضل الحالات، فإنك تستخدم تعابير وجه شخص آخر للتوصل إلى نتيجة جديدة اعتماداً على البيانات (شفة معوجّة مثلاً) ومعلوماتك، وهو شيء لا تستطيع الروبوتات حالياً أن ترصده أو تفهمه.

قد تساعدنا هذه الميزات الكامنة على التعاطف مع الآخرين وتفهّمهم والتعبير عن مشاعرنا الخاصة، ولكنها يمكن أن تكون مضللة. يقول براد دوكاين، وهو بروفسور في مجال علوم الدماغ في جامعة دارتموث، في رسالة بالبريد الإلكتروني: “تشير الأبحاث إلى أننا نميل إلى المبالغة في قدرتنا على قراءة الشخصية اعتماداً على الوجه. وعلى سبيل المثال، يطلق الناس على الدوام أحكاماً حول من يبدو أهلاً بالثقة ومن يبدو غير أهل بها، ولكن هذه الأحكام ليست صحيحة بشكل فعال في الأوضاع الحقيقية”.

إن محاولة قراءة الوضع الصحي للشخص من وجهه ليست أقل تعقيداً. حيث يستخدم إيان ستيفن، وهو محاضر في جامعة ماكواري في سيدني بأستراليا، نموذجاً تطورياً بشكل أساسي لدراسة انعكاس الفيزيولوجيا على الوجه. وقد وجد أن شكل الوجه يمكن أن يعبر عن بعض الأشياء مثل مؤشر كتلة الجسم وضغط الدم. غير أن أكثر نتائجه إثارة للاهتمام لا تتعلق بقسمات الوجه، بل بلونه: فقد صنف المشاركون في البحث الأشخاص ذوي البشرة البيضاء الذين يحملون مسحة صفراء أو حمراء على أنهم يتمتعون بصحة أفضل. ويقول ستيفن أن هذا يتعلق بالمواد الكيراتينية (الصبغة البرتقالية التي نحصل عليها من تناول الكثير من الخضار والفواكه) والدم المؤكسج (وهي المسحة الدافئة التي يمكن أن تضعف بسبب المشاكل القلبية الوعائية) وهما علامتان حقيقيتان تدلان على الصحة الجيدة.

إن أغلب هذه الاستنتاجات صادرة عن اللاوعي. وفي رواية Pride and Prejudice، يشعر السيد دارسي بالذهول إزاء المسحة الحمراء التي تكسو وجه إليزابيث بينيت بعد نزهة ثلاثة أميال نحو نيذرفيلد. ولكن دارسي لا يربط ما بين انجذابه والدم المؤكسج أو القدرة على الإنجاب (وهو أمر جيد) بل إنه يتجاوب ببساطة مع ما يراه. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو سطحياً، فإن هذه الرواية الرومانسية من جين أوستن تكشف حقيقة أكثر عمقاً، كما يقول ستيفن: “إن الوجوه التي تبدو أكثر جاذبية تبدو أيضاً معبرة عن صحة أفضل”.

يقول علماء الأحياء التطوريون أن الترابط ما بين الوضع الصحي والجمال مفيد في بعض الأحيان، حيث يساعد الحيوانات على انتقاء الأزواج والمحافظة على النوع، على الأقل من الناحية النظرية. ولكنه ليس بالأمر المضمون، حيث أن الجمال مفهوم ثقافي وفق الكثير من وجهات النظر المتنوعة. وعلى سبيل المثال، يقدر الأميركيون النحالة وينفرون من السمنة، على الرغم من أن النحيلين قد يكونون بوضع صحي سيء، كما أن البدناء يمكن أن يتمتعوا بلياقة بدنية عالية. وغالباً ما تؤدي هذه التصنيفات التعسفية إلى عواقب حقيقية، حيث أن البدناء والنساء وأصحاب البشرة غير البيضاء يتعرضون للتمييز في كل مكان، بدءاً من المكتب وصولاً إلى غرفة الإسعاف، بسبب منظرهم الخارجي وحسب.

يمكن للجمال في عين الناظر أن يحجب كل شيء آخر. ففي دراسة نُشرت في مجلة Nature في 2017، استنتج المؤلفون أن “الصحة المحسوسة للذكور كانت تتعلق بالتوسط في الحجم والتناظر في التكوين الجسدي واصفرار البشرة، على حين أن الصحة المحسوسة للإناث كانت تتعلق بأنثوية الشكل”.

 

كتاب حول الفراسة من القرن التاسع عشر، يصف عاطفتين بشكل مرئي. على اليسار، يبدو “يأس واضح” أما على اليمين “غضب مترافق بالخوف”.

يعتقد البعض أنه يمكن التغلب على الخطأ البشري بتصميم آلات قادرة على تحويل المنظر الخارجي إلى معلومات مفيدة، غير أن البعض الآخر يشعر بالقلق من أن هذه الآلات ستضخم من هذا الخطأ بشكل خارج عن السيطرة. وفي دراسة حديثة نشرت في مجلة Nature في خضم الضجيج الإعلامي لمعرض الإلكترونيات الاستهلاكية، استخدم باحثون يعملون بالتعاون مع شركة إف دي إن إيه –وهي شركة تعمل في مجال الجينات بهدف الربح وتحمل اسماً فدرالي الطابع- الذكاء الاصطناعي لتحديد الاختلالات الجينية في صور وجوه الأطفال. سُمّي البرنامج “ديب جيستالت” تيمناً بالحركة الفلسفية الألمانية التي كانت تسعى للوصول إلى النظام من الفوضى، وقد تم تدريبه باستخدام قاعدة بيانات تحوي 17,000 صورة للكشف عن أكثر من 200 اختلال ومشكلة.

قد يوحي لك ديب جيستالت بأمل كبير، أو يثير مخاوفك حتى العمق، اعتماداً على وجهات نظرك التكنولوجية. وعلى الرغم من أنه ما زال يتطلب وجود طبيب لتفسير النتائج، فإن هذا النظام يمكن أن يقدم وسيلة “أكثر أماناً وسهولة” لتشخيص الكثير من الأمراض، وفقاً لستيفن. ولكن استخدامه يثير أسئلة أخلاقية صعبة. يقول ستيفن: “يبدو أنه أصبح من السهل كشف أشياء كانت فيما مضى خصوصية. ويمكن أن نتساءل، هل سيصبح من الممكن لشركات التأمين أن تسحب صورك الشخصية عن حسابك على فيسبوك لدراسة مخاطر التعامل معك، ورفض منحك التغطية التأمينية أو تقاضي مبلغ إضافي لقاءها اعتماداً على نتائج هذه الدراسة؟”

أثارت خوارزميات مشابهة لدراسة الوجوه المخاوف حول الخصوصية أيضاً. ففي 2017، تم العمل على تصميم “كاشف للشذوذ الجنسي لدى الرجال”، ولكنه تعرض لإدانة مطلقة من بعض المنظمات مثل “GLAAD” ومجموعات دعم حقوق الإنسان، وقد وصفه أحد الناقدين بأنه “المكافئ الخوارزمي لمتنمر في الثالثة عشر من العمر”. وضمن حدود الدراسة الضيقة للغاية، تمكنت الآلة من تحديد وجود شذوذ جنسي لدى شخص ما بدقة تفوق الاختيار العشوائي بنسبة 31%، على حين أن البشر لم يحققوا أكثر من 11%.

إن الخوف من قدرة الآخرين أو الآلات على قراءة أفكارنا ومشاعرنا، حتى تلك التي نرغب بإخفائها، هو جزء أساسي من القلق حول التكنولوجيا، والذي بدا بشكل واضح في رواية جورج أورويل الشهيرة “1984”، والتي تصادف الذكرى السبعين لنشرها في يونيو. ولكن في هذا المجال، ما زالت المخيلة سابقة للتكنولوجيا بمراحل عديدة.

تعتقد فيلدمان باريت أن روبوتات قراءة المشاعر عالية الدقة قابلة للتحقيق، بغض النظر عن النتيجة، ولكن الشركات التي تعمل في هذا المجال حالياً لا تمتلك القدرة على تصنيعها على ما يبدو. تقول فيلدمان باريت: “أصبحت الحواسيب أكثر دقة في مجال الرؤية الحاسوبية، أي كشف الحركات، ولكن من سوء الحظ أن المبرمجين يعتقدون أنه يمكن كشف العواطف عن طريق كشف الحركات”، وتتابع قائلة أن تحقيق إنجاز حقيقي في هذا المجال “يتطلب بعض التغييرات، ولكن ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة التفكير والفرضية”.

في عموده في مجلة نيويورك تايمز، يصف تيجو كول صورة بالأبيض والأسود من حقبة الثمانينيات لرجل شاب: “أريد أن أعود إلى الأساليب القديمة، وأقول أن الانحناء الخفيف للحاجب الأيسر للفتى يوحي بأنه من النوع الساخر، أو أن تناظر ملامحه يجعله من النوع الجدير بالثقة والذي يثق بالآخرين في نفس الوقت، ولكن تقديري لن يكون صحيحاً في الواقع”.

ولهذا، إذا كنت قد طلبت شراء مرآة تقرأ المشاعر أو الوضع الصحي من معرض الإلكترونيات الاستهلاكية، فقد يكون أمامك بعض الوقت لإلغاء الطلبية، وانتظار طراز أفضل.

 

error: Content is protected !!