Reading Time: 3 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


يقول جون ماكجان، الأستاذ المساعد في علم الأعصاب بجامعة روتجرز: «معظم الأشخاص الذين يمتلكون حاسة شم صحية يمكنهم شم أي رائحة لأي شيء تقريباً يمكنها الوصول إلى الأنف. في الواقع، بإمكان البشر شم طيفٍ واسعٍ جداً من الروائح».

ويشير ماكغان في ورقةٍ بحثية في هذا الصدد نُشرت في دورية «ساينس» عام 2017 إلى أن البشر يملكون بالفعل قدرة هائلة على الشم، لكن نظراً لامتلاكهم 400 مستقبلٍ عصبي للرائحة فقط، ساد الاعتقاد لفترةٍ طويلةٍ من الزمن أن حاسة الشم لديهم ضعيفة جداً.

إذا كنت تعتقد أن ما ذُكر للتو يتعارض مع المنطق التقليدي، فأنت لست مخطئاً، لكن المنطق يقول ذلك فعلاً. في الواقع، يتحمل بول بروكا، عالم الأنثروبولوجيا والتشريح الذي عاش في القرن التاسع عشر، يتحمل الجزء الأكبر في رواج هذا الاعتقاد لدى الناس. كان لبروكا، والذي تحمل المنطقة من الدماغ المخصصة للكلام اسمه، شيءٌ من العداء مع الكنيسة الكاثوليكية. لقد كانت الكنيسة تكرهه لأنه كان يروّج للإلحاد والمادية، ولذلك شعر بروكا بالحاجة إلى تعزيز والدفع قدماً بوجهة نظره الاختزالية؛ القائمة على فكرة أن أي ظاهرة معقدة يمكن تفسيرها من خلال تحليل أبسط آلياتها.

في الحقيقة، البصلة الشمية، وهي بنية دماغية تستقبل إشارات الخلايا الحسية الشمية من الأنف، أصغر لدى البشر بالنسبة لحجم الدماغ مقارنةً بالحيوانات الأخرى. عندما لاحظ بروكا، بالإضافة لصغر البصلة الشمية لدى البشر، أن البشر لا يُظهرون سلوكياتٍ شميةٍ معينة (على سبيل المثال، لا يشم البشر بعضهم البعض كما تفعل الكلاب)، توصل إلى استنتاجٍ أن قدرة البشر على الشم منخفضة. لكن فاته أن لدى البشر بالفعل بعض السلوكيات الشمية الغريزية، فنحن نميل مثلاً إلى شم أيدينا بعد مصافحة الآخرين، سواء كنا نعي ذلك أم لا.

ويلاحظ ماكجان في ورقته البحثية الجديدة أن تشارلز هيريك، عالم الأعصاب الأميركي، قد قال في كتابه «الأسس العصبية لسلوك الحيوان» الذي نُشر عام 1924، أن «أعضاء حاسة الشم لدى البشر تُعتبر مختزلة إلى حد كبير، وأثرية تقريباً»، بالإضافة إلى فكرة أن «العضو الشمي لدى معظم الثدييات أكبر بكثير مما هو لدى البشر، مما يمنحها حاسة شمّ تفوق تلك التي يمتلكها البشر بكثير». وحتى فرويد، أشار إلى أن حاسة الشم «عادة ما تكون ضامرةً عند البشر».

هكذا أيها الأصدقاء ترسخ هذا المفهوم الخاطئ، وأصبح جزءاً من الحكمة التقليدية. وحتى الآن، ما زال معظم الناس يعتقدون أن حاسة الشم لدى البشر ضعيفة. صحيح أن البصيلات الشمية صغيرة الحجم نسبة لحجم أدمغتنا، مقارنة مع الجرذان مثلاً، إلا أن بنيتها وتركيبها يختلفان كثيراً عما لدى الثدييات الأخرى. فالبشر يمتلكون عدداً أقل من مستقبلات الرائحة، لكنها مليئة بالعقد والنهايات الحسية الشمية أكثر بكثير مقارنة بما تمتلكه القوارض مثلاً. وهذا يعني أن حاسة الشمّ لدينا أقوى نسبياً بالنظر إلى ما نمتلكه.

إلى جانب بعض الاختلافات الدماغية التشريحية الأخرى، فإن امتلاكنا لهذه العقد الشمية العصبية يعني أن قدرتنا على الشم لا تقلّ شأناً عن قدرة الكلاب أيضاً. نحن فقط نشم بشكل مختلف. على سبيل المثال، قد يكون الكلب أمهر في اكتشاف رائحة البول في زاويةٍ ما، بينما قد يكون الإنسان أمهر في اكتشاف الفروق الدقيقة بين أنواع النبيذ، أو على الأقل، نعتقد ذلك فعلاً. حتى الآن، لم تُظهر الكلاب قدرةً على تمييز الفروق الدقيقة بين أنواع النبيذ أو التمييز فيما إذا كانت نكهة النبيذ التي تشمها هي رائحة التوت أو الكرز.

يقول ماكغان: «يستخف الناس بقدرتهم على دمج الروائح الآتية من عدة موادٍ كيميائية في تصورات فردية. فإذا طلبت منك أن تتخيل رائحة القهوة مثلاً، فلن تتخيّل سوى رائحة القهوة المميزة لها رغم أنها تصدر رائحة حوالي 150 مادة كيميائية مختلفة، ولكن مزيج هذه الروائح يعطينا تصوراً واحداً للقهوة».

ويضيف ماكجان: «تخيل أنك تتناول فنجان القهوة أثناء تناولك الكرواسان في مخبز؛ سيكون هناك روائح متعددة تحيط بك، من رائحة القهوة إلى رائحة الكرواسان، بالإضافة إلى طيف الروائح المعقد الذي ينبعث من المخبز، ومع ذلك، يمكنك التمييز بين هذه الروائح. يبدو أن دماغنا مصممٌ لالتقاط الروائح المعقدة ودمجها في تصورٍ مفرد. إذ أننا لا ندرك بالفعل كم من روائح المواد الكيميائية المختلفة التي تُخلط معاً لتكوين ما نعتبره في النهاية رائحة».

الرائحة جزء من النكهة

ليس كل ما تعتقد أنك تعرفه عن أنفك خاطئ. الفكرة الشائعة بأن الرائحة هي جزء مهم من تجربة النكهة التي نحصل عليها من الطعام صحيحة جداً. حيث تميل النساء لامتلاك حاسة شمّ أقوى من ناحية الحساسية لها وتمييزها واكتشافها. ويبدو أن هذا النمط يصمد لدى القوارض، حيث جرت تجاربٌ عليها أُزيل خلالها مبيض إناث الفئران ليتبين فيما بعد أن حاسة الشم لديها قد تراجعت بالفعل. وبالمقابل، عندما استأصل الباحثون خصيتي ذكور الفئران، زادت حاسة الشمّ لديها.

تتضمن ورقة ماكجان بعض الحقائق الرائعة الأخرى. فبينما يبدو أن الكثير من الأشياء التي نقوم بها يمكن أن يؤذي حاسة السمع لدينا، ليس هناك إلا بعض الأشياء القليلة التي يمكنها التسبب بالأذى لحاسة الشم، مع وجود استثناءاتٍ قليلة طبعاً، مثل عادة التدخين التي تحدّ منها بالرغم من أنه يمكن استعادة الكثير منها بعد الإقلاع عن التدخين. كما اكتشف الباحثون عام 2009 أن المنتجات الدوائية الحاوية على غلوكونات الزنك، والمصممة لرشها أو مسحها في الأنف لمحاربة نزلات البرد، تسبب فقداناً دائماً لحاسة الشم.

يقول ماكغان: «هناك أشخاص فقدوا حاسة الشم، وهذا أمر مؤسف حقاً. نظراً لأن الناس يميلون نوعاً ما لتجاهل أهمية حاسة الشم في حياتنا، هناك قلّة في الأبحاث ونقص في الاهتمام بها عموماً. إذا تمكنّا بالفعل من تحطيم هذه الأسطورة إلى الأبد وجعل الجميع يدرك أن حاسة الشم مهمةٌ حقاً ؛ وأنها تؤثّر على حياتهم، يمكننا الوعي أكثر بالأشخاص الذين يعانون من فقدان حاسة الشم، وربما يساعد ذلك في تحفيز المزيد من البحث أو الوعي السريري لمساعدة هؤلاء الأشخاص».