Image

هلا حاولنا ألا نيأس من هذا الكوكب؟

Bread assortment هذا ليس المريخ هذه المنطقة الصحراوية هي وادي رم في الأردن، لا المريخ. ولكن من الواضح سبب تصوير أجزاء من فيلم "The Martian" لمات دايمون هنا. ويكيميديا كومونز

عندما تحدثت مع جين جياكوميلي لأول مرة، كان يتأمل مجموعة من الكروم .

كان جياكوميلي قد أمضى فترة ما بعد الظهر في ذلك اليوم وهو يتذوق شراب معد من العنب في وادي نابا في كاليفورنيا، وذلك عندما كان في زيارة لابنه، وهو كرّام (صاحب كروم عنب). غير أن عالم النباتات ادعى أنه سيمضي عطلة نهاية الأسبوع أيضاً وهو يجري بحثاً علمياً هاماً. وقد قال لي وهو جالس في الجزء الخلفي من شاحنة: “بالطبع، سنقوم يوماً ما بإنتاج وتعبئة الشراب على كوكب آخر”.

أشرف جياكوميلي، ولأكثر من عشر سنوات، على مشروع مع المؤسسة العلمية الوطنية لزراعة الغذاء في القارة القطبية الجنوبية، والتي تمثل بالنسبة لناسا وغيرها بيئة محاكاة جيدة للقمر والمريخ. وعلى الرغم من أن الهدف المعلن للمشروع هو دراسة كيفية إنجاح الزراعة في الفضاء الخارجي، فإن جياكوميلي يأمل أيضاً بتحسين الزراعة هنا على الأرض. وكما يبدو، فقد تتقارب هذه الأهداف قريباً. إذا أمكن إقناع الجنس البشري بأنه من المبكر التخلي عن هذا الكوكب، فقد يتم نقل هذه التطورات في الزراعة لتستقر في وادي نابا، وجميع أنحاء البلاد.

كما يعرف الجميع تقريباً، يواجه هذا الكوكب حالياً تحديات غير مسبوقة. لدرجة أن ستيفن هوكينغ ادعى أنه لم يبق أمام البشرية حتى تنتقل إلى مكان آخر في المجرة سوى 100 عام، وإلا سيتعرض الجنس البشري للانقراض. قد يكون تصريحه مبالغاً فيه، ولكن من المؤكد أن المستقبل يبدو موحشاً.

لنأخذ كاليفورنيا كمثال. فقد تعرضت هذه الولاية للجفاف لعدة سنوات حتى هذا الشتاء. وقد أدى نقص الأمطار إلى زيادة استهلاك مخزونات المياه الجوفية في الأراضي الزراعية. والآن، فقد بدأ الوادي الداخلي الخصب بالانخساف –بمعدل قدمين (60 سم) سنوياً- وذلك بسبب تقلص الدعامة المائية الداخلية، مثل بالون مثقوب تحت سطح الأرض. وعلى الرغم من أن الجفاف انتهى مؤقتاً بفضل تعرض المنطقة مؤخراً لعاصفة ثلجية، فإن أغلب التقديرات تشير إلى عودته. وبصراحة، يبدو مستقبل هذه الولاية شبيهاً بالمريخ الآن.

لا يوجد على الكوكب الرابع أية مصادر فورية للماء، كما أن العواصف الغبارية المتكررة تغطي مساحات شاسعة منه. ولإجراء عمليات التحويل لهذا الكوكب، نحتاج إلى أسلحة نووية أو احتباس حراري محفز اصطناعياً. وحتى في هذه الحالة، ستستغرق هذه الإجراءات فترة قد تصل إلى 100,000 عام لجعل الكوكب قريباً بعض الشيء من الصلاحية للحياة. صحيح أن الجفاف ضرب كاليفورنيا، ولكنها ما تزال تزود أمريكا بكل شيء، من اللوز إلى الأفوكادو، على حين أن زراعة الصبار في حوض بورياليس في المريخ تبدو شبه مستحيلة، على الرغم من مقاومته العالية للظروف القاسية.

على الرغم من هذا، يبدو أن الكثيرين قد قرروا التخلي عن معالجة المشاكل الفتاكة لكاليفورنيا، والتمسك بالمريخ، باعتباره ملعباً للإبداع. وبوجود الرجل المناسب والخطة الجيدة، تنساب أحداث هذه القصة، بحيث يصبح أقرب جيراننا صالحاً للسكن في وقت قريب. وقد بدأ إيلون ماسك، الرجل الذي عين نفسه ناطقاً رسمياً بإسم استيطان الفضاء، بإجراء اختبارات مكثفة لبزات فضائية مقاومة للإشعاع، وصواريخ ستأخذنا إلى المريخ. وقد انضمت ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية إليه في هذا السباق الجنوني، وبدأتا باختبار تصاميم خاصة بهما لدفيئات قمرية وعربات جوالة جديدة.

في خضم كل هذا الرعب والهرج والمرج، يطرح هذا السؤال نفسه: إذا كنا نعتقد بأننا نستطيع تأمين الطعام لمستوطنة صغيرة من البشر عن طريق زراعة الغذاء في بيئة قاحلة، وقاسية، وخالية من الماء والأوكسجين، لماذا لا نستطيع إيجاد طرق للاستمرار في الزراعة على الكوكب الذي نعرفه من قبل؟ وبشكل أبسط: ما الفرق بين الحياة المستدامة على المريخ حالياً وفي كاليفورنيا بعد 100 عام؟

لا يعد تحقيق هذه الفكرة بالأمر المستحيل تقنياً. وإذا قال أحدهم أن الوصول إلى المريخ حالياً أسهل من تحسين الكوكب الذي نعيش عليه، فهو على الأرجح يكذب. إضافة إلى هذا، فإن الأهداف صعبة المنال لمحبي مغادرة الأرض، مثل ماسك، أصبحت واقعية أكثر بفضل إنجازات تقنية فعلية كبيرة وحديثة على هذا الكوكب. يقول ستيفن ديك، وهو مؤرخ سابق لناسا: “إذا قررت أن تضع لنفسك أهدافاً صعبة، ستحقق الكثير من الإبداعات، كما فعلنا في برنامج الفضاء”. ففي التسعينيات من القرن الماضي، تم منح براءة اختراع لمصابيح LED (ديودات ضوئية) تستخدم لتحفيز نمو النباتات، وقد سمحت للمزارعين بزراعة المزيد من النباتات وبحجوم أكبر في مساحات أقل ووقت أقصر. كما أن تطوير تقنيات الزراعة المائية -حيث تزرع النباتات بلا تربة- يسمح لرواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية بزراعة مكونات السلطة بأنفسهم ضمن الجاذبية المعدومة.

قام جياكوميلي وفريقه بإدخال هذه الابتكارات وغيرها في التصميم الذي قدموه لدفيئة قمرية ذات حلقة مغلقة. نظرياً، يمكن لرواد الفضاء زراعة نصف حاجتهم اليومية من الطعام وتوليد كل حاجتهم من مياه الشرب وأوكسجين التنفس أثناء حياتهم على المريخ. يقول جياكوميلي متحدثاً عن نظامه: “يمكنك أن تعتبره روبوتاً بيولوجياً”. سيكون هذا النظام، كما يتخيله جياكوميلي، على شكل أسطوانة بعرض 8 أقدام (2.4 متر) وطول 18 قدم (5.4 متر)، أي تقريباً بحجم حوض سباحة يتسع له فناؤك الخلفي. يمكن تنقية بول رواد الفضاء ومعالجته لسقاية النباتات. وستتم زراعة النباتات بطريقة الزراعة المائية، وتغذيتها بالضوء عن طريق أضواء LED تعمل بالطاقة الشمسية التي تزودها بها ألواح شمسية، وربما حتى مفاعل نووي محمول. ومع نمو النباتات، ستقوم بإنتاج الرطوبة، والتي سيتم استخلاصها وتكثيفها إلى مياه للشرب، وستعاد هذه الحلقة مراراً وتكراراً. يقول جياكوميلي: “ستبقي النباتات حية، وستبقيك هي بدورها حياً”.

ولكن بعد سنوات من دراسة وتنقيح الفكرة، ما زال النموذج الأولي لفكرة جياكوميلي مجرد إثبات لصحة فكرة، وليس آلة حقيقية جبارة لإنتاج الخضروات. وعلى الرغم من إمكانية استخدام هذا النظام فورياً هنا، فإن الرغبة بتطبيق هذه التقنية على الأرض تبدو مقتصرة على جياكوميلي نفسه. ويقول أن هذا النظام سيبقى على الأرجح مجرد وهم إلى أن تقوم ناسا أو وكالة ما غيرها برسم طريقها إلى المريخ.

تعرضت أفكار زراعية فضائية أخرى أيضاً للتشكيك. فعندما قدم ديكسون ديسبومييه لأول مرة فكرة المزرعة العمودية، أثار اهتمام الكثيرين بدون شك. ولكنهم اعتبروها أقرب لمشروع علمي منها لفكرة زراعية ثورية. يقول ديسبومييه: “لقد ظنوا أن الزراعة شيء طبيعي لدرجة أنه لا يمكن أن تكون محصورة داخل مبنى. ولكنهم لم يفكروا بالجفاف والعواصف الغبارية التي حدثت في الثلاثينيات، ولم يفكروا بفشل زراعة المحاصيل، ولم يفكروا بالجفاف في كاليفورنيا، أو بالآفات والجراد والطيور التي تأكل البذار”. ومن وجهة نظره، فنحن نتجاهل التفكير في كل الأشياء التي فعلناها بشكل مخالف للطبيعة، والتحديات الكبيرة التي تضعها الطبيعة في وجهنا باستمرار.

خلال العقود الماضية، ظهرت الزراعة العمودية، والتي تتضمن تكديس المحاصيل بكثافة في مساحات مغلقة، واستخدام الزراعة المائية والإضاءة الاصطناعية بمصابيح LED لإنباتها. وقد فشلت هذه الطرق في إحداث ثورة في الزراعة. ولكنها جزء هام من قطاع زراعي ينمو ويتنوع ببطء. يوجد حالياً حوالي 100 مزرعة عاملة في الولايات المتحدة، كما يقول ديسبومييه، والمزيد منها في باقي أنحاء العالم. وقد اعتمدت الدفيئات التقليدية التي تستخدم ضوء الشمس والأسمدة التقليدية على نطاق أوسع، ويوجد محلياً أكثر من 230 مليون قدم مربع من الدفيئات المنتجة. وعلى الرغم من اعتمادها على عناصر طبيعية مثل ضوء الشمس، فإنها حلقة ضرورية في تطور الزراعة، وسمحت بزراعة بالمحاصيل أحادية الموسم، مثل الطماطم، على مدار السنة.

يعود هذا بشكل جزئي إلى أن الزراعة في الدفيئة مساوية للزراعة العادية من حيث الكلفة، ولكن الزراعة العمودية وغيرها من تقنيات عصر الفضاء ما زالت مكلفة، على الرغم من أن هذه التكاليف انخفضت بعض الشيء. وقد قام دانييل شوبيرت، وهو خبير بالمزارع الفضائية في وكالة الفضاء الألمانية، بإجراء دراستين لتحليل سبب وجود هذه الفجوة الاقتصادية المتواصلة. وقد اكتشف منذ خمس سنوات أن زراعة المادة العضوية باستخدام تقنيات الزراعة المائية وإضاءة ليد LED تكلف أكثر من الزراعة التقليدية في الريف الألماني بمقدار 12.8 دولاراً للكيلوغرام الواحد. وهي نتيجة مخيبة للآمال، ولكنه توقع –وأثبت هذا لاحقاً- أن التكاليف ستتعادل في نهاية المطاف، حيث أن الأدوات الضرورية أصبحت أكثر انتشاراً، كما أصبح المزارعون أكثر مهارة في هذا المجال الجديد. وفي الخريف الماضي، كشفت دراسة جديدة عن أن المقدار السابق انخفض إلى 3.2 دولار للكيلوغرام، ومن المرجح أن يتابع انخفاضه. وهو يعتقد أن هذا يبرهن على إمكانية استخدام التقنيات المصممة للفضاء الخارجي هنا على الأرض.

إضافة إلى هذه الإنجازات، يوجد الكثير من الابتكارات التي يتم العمل عليها في مجال الزراعة الأرضية. ففي إيطاليا، بدأ الباحثون باختبار المياه -حرفياً- لمعرفة إمكانية الزراعة تحت الماء. وتعمل شركة مونسانتو، وغيرها من الباحثين، على تطوير بذور مقاومة للملح والجفاف.

على الرغم من ازدياد التوجه نحو الأساليب الزراعية البديلة، يبدو أن الأمور تتحرك تتجه نحو مخططات ماسك لالخاصة بالرحيل إلى المريخ بأسرع من حركتها بالنسبة لكاليفورنيا. وأثناء هذا، بدأت التوازنات القديمة على الأرض تتعرض للاختلال بوتيرة غير مسبوقة. وفي القرن المقبل، من المرجح أن تصبح الأمور أسوأ في كاليفورنيا، ما لم نقم بإعادة امتصاص الانبعاثات الكربونية وتخفيف آثارها المستقبلية. كما أنه من المرجح أن يبقى المريخ غير صالح للسكن، حتى لو تمكنت بعثة مأهولة من اختراق غلافه الجوي الرقيق أخيراً.

كان المؤرخ الفضائي ديك محقاً في قوله أننا نبدع عندما نفكر بما هو جديد ومقبل. ولكن لا أعتقد أنني الوحيدة التي تشعر بالقليل من الجفاف والترهل –كالبوظة الفضائية الشبيهة بالطبشور والتي تذوقناها عندما كنا صغاراً- عند التفكير بالتخلي عن هذا الكوكب سعياً للسكن على كوكب آخر. ربما يجب أن نفكر بما فعلنا بهذا الكوكب بعد أن استوطنّا تقريباً كل إنش فيه قبل أن ننطلق إلى كوكب آخر. وربما لسنا بحاجة لاكتشاف وعد بكوكب جديد، بل السعي لتصحيح الأخطاء التي ارتكبناها على هذا الكوكب.

error: Content is protected !!