Image

هي أكثر من مجرد نسيم "عليل" يهب على سطح الزهرة.

Bread assortment عرض حاسوبي ثلاثي الأبعاد لجبل ماعت مونس على سطح الزهرة.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث

لطالما كان دوران الزهرة غريباً، ففي حين أنه يكمل دورته حول الشمس في مدة تعادل 225 يوماً على الأرض، إلا أنه يستغرق ما يقرب من 243 يوماً أرضياً حتى يكمل الجزء الصلب من الكوكب دورة كاملة حول محوره. وهذا أبعد ما يكون عن كونه الشيء الأكثر غرابة بشأن هذا الكوكب. أحد الجوانب الغريبة هو أن دوران السطح الصلب للزهرة الذي يستغرق 243 يوماً على الأرض؛ ليس دقيقاً تماماً. وقد تغيرت تقديرات دورانه مع مرور الزمن، ليزيد من حيرة العلماء بشكل كبير.

والآن، يعتقد الباحثون أنهم يعرفون السبب. ففي ورقة بحثية نُشرت في منتصف يونيو الماضي تقريباً في مجلة Nature Geoscience، توصل عدد من علماء الكواكب الذين يعملون على بيانات صدرت عن بعثة أكاتسوكي اليابانية؛ إلى أن دوران الزهرة قد يتغير بالفعل مع مرور الزمن، وذلك بفضل اندفاع الغلاف الجوي نحو جبال الكوكب عند نقاط معينة من الدوران.

يقول توماس نافارو، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس والمؤلف الرئيسي للبحث: “في الماضي، كان لدينا تقديرات مختلفة لمعدلات الدوران، ولكن الأمر الذي بدا غريباً بعض الشيء هو أنه كان لدينا قياسات مختلفة لم تكن متطابقة فيما بينها”. ويتابع نافارو: “كان أحد الاحتمالات هو وجود تقلبات في معدل الدوران. فقد اعتقدنا لفترة طولية أن الغلاف الجوي هو أحد الأسباب التي تفسر التغير الحاصل في معدل الدوران. ومع ذلك، لم نكن نعرف بالضبط أي نوع من العمليات سوف يحدث. أما هنا، ومع الموجات الجبلية، فإننا نقدم أحد التفسيرات”.

في البداية، لاحظ الباحثون العاملون في بعثة أكاتسوكي وجود ميزة في الغلاف الجوي للزهرة تعود إلى شهر ديسمبر من العام 2015، وهي موجة دائمة كانت تظهر باستمرار فوق الجبال على سطح الزهرة.

على الرغم من أن الكوكب الصلب يستغرق حوالي 243 يوماً لكي يكمل دورته حول الشمس، إلا أن الغلاف الجوي للزهرة يدور حول الكوكب دورة كاملة خلال مدة تتراوح من 4 إلى 5 أيام، وهو ما يشير إليه العلماء باسم التعاقب الفائق. حيث يتحرك الغلاف الجوي بسرعة كبيرة لأن رياحه تهب باتجاه واحد فقط وهو نحو الغرب. هذا يعني أنه عندما تصطدم الموجات بشيء ما (وليكن على سبيل المثال: سلسلة جبلية بالقرب من خط استواء الكوكب)، يمكن عندها للرياح المتدفقة أن تتحول إلى موجة هائلة في السماء من فوقها.

هذه الموجات تسمى بالموجات الثقالية، ولا علاقة لها بالثقوب السوداء المتصادمة أو النجوم النيوترونية. فهذه الأحداث تولد موجات ثقالية لا يمكن رؤيتها إلا باستخدام أجهزة كشف متقدمة للغاية.

بدلاً من ذلك، فإن موجات الغلاف الجوي الثقالية، والتي يشار لها أحياناً باسم الموجات الجبلية؛ تحدث عندما يجبر شيءٌ ما (مثل الجبل) الهواء على الصعود نحو الأعلى، بحيث يتم سحب هذا الهواء في نهاية المطاف نحو سطح الكوكب بفعل الجاذبية. هذه الموجات تحدث هنا على الأرض، ولكنها لا تقارب نفس المستوى من التأثير، فكوكبنا العاصف لا يسمح للموجات أبداً بأن تصبح كبيرة جداً، حيث تتكسر بعد تشكلها بوقت قصير للغاية.

يقول نافارو: “إن حجم هذه الموجة على الزهرة كبيرٌ جداً، إنها موجة هائلة في الواقع، حيث يبلغ عرضها 10,000 كيلومتر، في حين تبقى على الأرض أصغر حجماً بكثير ومحدودة النطاق ومحلية الانتشار بشكل أكبر”. ويتابع: “يعود هذا الاختلاف في الحجوم إلى أن الرياح على الزهرة تكاد لا تغير اتجاهها على الإطلاق. على الأرض، قد تهب الرياح باتجاه الغرب أو باتجاه الشرق، في حين على الزهرة يبقى الاتجاه كما هو دائماً”.

أخذ نافارو وآخرون بيانات أكاتسوكي وزودوا أحد النماذج الجوية بها، حيث وجدوا أنه عندما تنشط الموجة، تكون قوية بما يكفي لجرّ الكوكب وتغيير السرعة التي يدور بها قليلاً لبضع دقائق.

ولكن هذا لا يعني أن الزهرة يتسارع باستمرار، أو يتباطأ باستمرار بسبب هذا الأمر. إليكم أين يصبح دوران الزهرة أكثر غرابة: نظراً لأن الزهرة يستغرق في دورانه حول محوره وقتاً أطول مما يستغرقه في دورانه حول الشمس، ولأنه يدور بشكل عكسي من الشرق إلى الغرب، فإن دورة الكوكب الكاملة حول نفسه لا تتوافق مع دورانه على الإطلاق. فالزهرة يستغرق حوالي 117 يوماً أرضياً ليكمل دورته حول نفسه، وهو ما يسمى يوماً شمسياً أيضاً.

هذا أمر مهم بالنسبة للدوران، لأن الموجة الجبلية التي تجر الزهرة تظهر فقط خلال فترة ما بعد الظهيرة على سطحه، لتدوم قرابة شهر كامل. أما فيما تبقى من اليوم، يعود الكوكب إلى معدل دوارنه المستقر.

الآن، ليس هذا سوى تفسير واحد محتمل لمعدلات الدوران المتغيرة. والتفسير الآخر الذي قد ينسجم مع هذه النظرية، هو أن الدوران قد يتغير نتيجة الجذب المدّي للشمس المطبق على الكوكب الصلب. ولمعرفة ما يحدث بشكل مؤكد، سيكون الباحثون بحاجة للمزيد من البيانات.

هناك الكثير من البعثات المقترح إرسالها إلى الزهرة، بما في ذلك المسبار الفضائي فينيرا-دي (تعاون مشترك بين الولايات المتحدة وروسيا)، والمركبة المدارية الأوروبية إنفيجن، وبعثات متعددة تابعة للولايات المتحدة، ولكن أياً منها لم يحصل بعد على الضوء الأخضر (والتمويل) للتوجه نحو الكوكب.

إن معرفة المزيد عن كوكبنا المجاور قد يساعد في حل بعض من هذه الأسئلة التي تنتظر الإجابة، والتي يعمل نافارو والآخرون في سبيل الإجابة عنها، ولكنها قد تكون مفيدة في الأبحاث الفلكية الأخرى أيضاً.

يقول نافارو: “نحن بحاجة لاستكشاف الزهرة لأنه يعد نموذجاً أولياً عن الكواكب الواقعة خارج نظامنا الشمسي”. ويضيف أخيراً: “في العام القادم، عندما نذهب لجمع المزيد والمزيد من الملاحظات عن الكواكب الخارجية والكواكب الخارجية التي يحتمل أنها صالحة للعيش، فإن العديد من هذه الكواكب التي سنراها ستكون أجساماً ساطعة للغاية مثل الزهرة. ولكي نفهم ما إذا كانت الكواكب الخارجية التي سنرصدها أشبه بالأرض أو أشبه بالزهرة، علينا أن نتحقق مما جعلها على ما هي عليه اليوم، وما الذي جعلها مختلفة جداً عن الأرض”.

error: Content is protected !!