Image

المعايير الاجتماعية تدمر تجربة حزنك

Bread assortment يمكن أن يؤدي اتخاذ قرار بقتل أحد الحيوانات الأليفة التي تعاني إلى جعل مالك الحيوان يشعر بالذنب.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوز

التابوت المثالي لحيوان اليربوع هو علبة شاي من العلامة التجارية “سيليستال سيزونينج”. بعد إزالة أكياس الشاي، فإن كيس الورق الشمعي الأبيض داخلها هو الكفن ذو الحجم المثالي للجسم الصغير. هذه الحالة المفاجئة المؤسفة، مثل الكثير من المعلومات حول كيفية التخلص من جسم الحيوان الأليف المحبوب، تأتي من تجربة شخصية. قفد دفنتُ أربعة يرابيع في فناء منزلي وكأنهم أطفالي، بجنازة كاملة مع البخور على قبورهم وبضع كلمات.

كشخص بالغ يملك جروًا في طريقه ليصل إلى وزن 27 كيلوجراماً، لم أكن أعطي الكثير من الاهتمام لكيفية التعامل مع وفيات الحيوانات الأليفة الأخرى، حتى سألني أحد الأصدقاء: “هذا سؤال فظيع، ولكن ماذا ستفعل عندما يموت هذا الجرو؟”

فكرت في السؤال، ووجدت أنني لست الوحيد الذي يتساءل، ولكن لم يكن هناك إجابة شافية.

ويؤكد الخبراء الذين تحدثت إليهم أن علاقتنا بفقدان حيواننا الأليف قد تغيرت خلال القرن الماضي. تقول ليزلي إرفاين، عالمة الاجتماع في جامعة كولورادو بولدر: “ليس مستغربًا بالنسبة لي أن أشعر بالحزن على فقدان حيوان أليف، لأن الحيوانات الأليفة في هذا البلد على الأقل تعتبر -وعلى نحو متزايد- من أفراد العائلة”. ويملك ثمانية وستون في المائة من الأميركيين حيوانًا أليفًا، بزيادة اثني عشر في المائة منذ أن بدأت مسوحات مُلكية الحيوانات الأليفة في عام 1988، عندما كان هذا الأمر رائجًا. إن خسارة صداقة حيوان محبوب تكون أصعب عندما تكون هذه التجربة جديدة نسبياً، وغالباً ما تكون أول تجربة يواجهها الشخص مع الموت عن قرب، وتكون من المرات القليلة التي يختار فيها معظم الناس القتل الرحيم لإنهاء حياة الحيوان. واعتمادًا على هذه العلاقة، يمكن أن يكون فقدان حيوان أليف أكثر صدمة من الحزن الذي نشعر به بعد وفاة أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الحيوانات الأليفة تشارك بعضًا من أكثر علاقاتنا حميمية؛ فنحن نراها كل يوم، وهي تعتمد علينا، ونقوم بتكييف حياتنا لتناسب احتياجاتها. ومع ذلك فإن الحزن العام لخسارتها يكون غير مقبول اجتماعيًا.

ولكننا لا نشعر بالأمر دائمًا بهذه الطريقة. تقول إرفاين إننا انتقلنا -كمجتمع- من التفكير في الحيوانات الأليفة ككماليات أو قطع أثاث بلا عقل، إلى التفكير بها ككائنات تشعر وتفكر.

تصبح الحيوانات الأليفة من أفراد الأسرة لأنها تشكل بفعالية أسلوب حياتنا. تقول إرفاين: “يستيقظ الكثير من الأشخاص الذين لديهم حيوانات أليفة في وقت محدد، ليس بسبب ساعة المنبه أو أي حاجة خاصة بهم، ولكن لأن كلبهم يحتاج إلى المشي. وكما يتشارك البشر الآخرون في تكوين عائلة من خلال القيام بهذه الممارسات – يصحون معًا، ويأكلون معاً، وينظمون أوقات دخول الحمام، وغير ذلك- تصبح الحيوانات أيضًا جزءًا من الطقوس التي تصنع العائلة”.

وليست مجرد الطقوس اليومية هي التي  تجعل الحيوانات الأليفة أفراداً من العائلة. فنحن نرافق الحيوانات بنفس الطريقة التي نرافق بها الناس، كما تقول كوري بوسولاري، عالمة النفس في جامعة سان فرانسيسكو. وهي تشير إلى دراسة في مجلة العلوم من عام 2015 وجدت أنه عندما كان الناس يحدقون في عيون أحد الكلاب، كان مستوى الأوكسيتوسين يزداد عند كلّ من الشخص والكلب. وينظم الأوكسيتوسين، الذي يطلق عليه أحيانًا هرمون الحب، التفاعلات الاجتماعية. ويتم تحريره عندما يحدق البشر في عيون بعضهم بعضاً، وعندما ينظر الوالدان إلى أطفالهم حديثي الولادة. تقول بوسولاري: “أنا متأكدة من أنك إذا كنت قمت بهذه الدراسة مع حيوانات أخرى، فستكون النتائح مماثلة”.

أتخيل بالفعل أن فقدان جروي سيكون أصعب من دفن اليرابيع التي ماتت، لكني أيضًا لم أحدق في عيونها. وبغض النظر عن نوع الحيوان، فإن روابطنا مع حيواناتنا الأليفة تختلف عن علاقاتنا الأخرى. فمثلاً تقول بوسولاري إن هذه الحيوانات تعتمد علينا كليًا. بينما تقول إرفاين: “نحن نتعامل مع الحيوانات بصورة مثالية، خاصة الكلاب. نحن نجعلها شخصيات ملائكية، لذلك لدينا هذه الفكرة عن الحب غير المشروط “. وعندما تموت، يبدو الأمر وكأنه اعتداء على هذه الأسطورة التي نسجناها حولها.

على المستوى الشخصي، غالباً ما يكون موت حيوان أليف أول تجربة لفقدان علاقة وثيقة، كما يقول توماس روبل، وهو عالم نفسي في جامعة ميشيغان- فلينت. ويشرح روبل الأمر بأن الموت البشري أصبح عقيمًا نسبيًا، بمعنى أن لدينا صناعة للجنائز وحرق الموتى، ولا يتعين عليك عادة التعامل مع الجثة بنفسك. يقول روبل: “مع الحيوانات الأليفة، هناك الكثير من المتاعب التي ستواجهها. فما لم تقم بخيار إحراق الجثة، فإن لديك هذا الكلب الميت الذي عليك التعامل معه، وهي تجربة أكثر حميمية مع الموت”.

أياكس، كلب مؤلفة المقال، وهو نائم.
حقوق الصورة: دياني سابين

مع الحيوانات الأليفة، عليك أيضًا أن تقرر ما إذا كنت ستقوم بالقتل الرحيم، ومتى ستقوم به. في دراسة أجريت على 305 من أصحاب الحيوانات الأليفة، وجدت بوسولاري أن حوالي سبعين في المائة اختاروا قتل حيوانهم الأليف. وغالبًا ما يكون ذلك ضروريًا من الناحية الطبية – وهو أفضل شيء يمكن عمله بالنسبة إلى حيوان يحتضر- ولكن القرار يمكن أن يؤدي إلى انهيار صاحب الحيوان بسبب شعوره بالذنب. في عام 2005، قام روبل بدراسة العلاقة بين أعراض الحزن والتعلق بالحيوانات الأليفة. يقول: “رأينا في النتائج التي توصلنا إليها أن الشعور بالذنب كان يتصدر قائمة الردود العاطفية، لأن الكثير من الناس يحملون الحيوان إلى حيث يتم التخلص منه بالقتل الرحيم”. قبل ذلك بسنوات، أصيبت قطتي التي كنت أنقذتها وهي ما تزال قطة صغيرة، بعدوى في القناة البولية نتجت عن ضعف جهاز المناعة الذي يسببه فيروس إتش آي في الذي يصيب القطط. ولقد حاولت عمل كل ما بوسعي لأساعدها في تجاوز هذه الحالة. وفي أحد الأيام، عدت إلى المنزل وعرفت من حركتها الضعيفة أنها كانت تعاني من ألم شديد. لقد كانت تحتضر. كان شعوري أثناء القيادة إلى الطبيب البيطري شعورًا موجعًا، وكان على أمي أن تكون هي الموجودة في الغرفة عندما كان يطبق عليها الموت الرحيم لأنني كنت متوترة جدًا.

تقول داني ماكفيتي، الطبيبة البيطرية والرئيسة التنفيذية لشبكة لاب أوف لاف لرعاية الحيوانات: “بعد موت الحيوان، يقول لي تسعة وتسعون في المائة من الناس بشكل أو بآخر: لقد كان هذا أصعب بالنسبة لي من فقدان أمي أو جدتي”. وقد وجدتْ أن خيار القتل الرحيم في المنزل ومراكز رعاية الحيوانات الأليفة يجعل الموت أسهل على العائلات.

يساعد القتل الرحيم في المنزل على إزالة التجربة السلبية لمعرفة أنك تقود حيوانك الأليف إلى حتفه في مكان تعرف أنه يسبب له التوتر. ومن خلال خبرتها، ترى ماكفيتي نفس النوع من القلق حول تحديد الوقت المناسب للقتل الرحيم في نهاية حياة حيوان أليف. تقول ماكفيتي: “سأقول لهم، أعلم أنكم لا تريدون سماع هذا الآن، ولكن عندما يتم ذلك، ستشعرون بالراحة. والناس يشعرون بهذا  بعد الانتهاء من هذا الإجراء… يقفون ويضعون أيديهم على رؤوسهم ويقولون: يا إلهي، أشعر بالارتياح الشديد”.

لكن على الرغم من حقيقة أن 68 في المائة من الأميركيين لديهم حيوان أليف، وقد كبر بينهم وأغنى حياتهم وكأنه من أفراد العائلة، فإن الاعتناء بحيوان ميت ليس مثل التعامل مع جثة بشرية. في مدينة نيويورك. فإذا بحثت عمّا يجب فعله بحيوان أليف ميت في دليل من 311 صفحة، فإنك تصل إلى هذا البيان:

يمكنك إحضار بقايا حيوان أليف ميت إلى أحد مراكز رعاية الحيوانات في موقع تسليم الجثث في مدينة نيويورك ليتم حرقها مقابل رسوم.
يمكنك أيضًا وضع حيوان ميت في سيارة شحن صغيرة من قبل إدارة الصحة العامة في يوم التخلص من القمامة. يجب وضع البقايا في كيس بلاستيكي أسود مفرد أو مزدوج متين، ويجب لصق ملاحظة على الكيس توضح محتوياته (على سبيل المثال، “كلب ميت” أو “قطة ميتة”).

إذا كنت تعتقد أن هذا مروّع، فأنت لست وحدك.

تقول ماكفيتي: “يا للهول. في النهاية ستتعامل مع حيوانك الأليف وكأنه مجرد حيوان راكون. هذا جنون”. ولا تحتفظ إدارة الصحة العامة في نيويورك ببيانات حول عدد الحيوانات الأليفة التي تترك على الرصيف، لذا من غير الواضح مدى تكرار حدوث ذلك. في المدن الرئيسية الأخرى، مثل هيوستن ولوس أنجلوس، يتم التقاط الحيوانات الأليفة على الأرصفة، وفي مدن أخرى يمكنك الاتصال بالشاحنات الصغيرة.

تتم كتابة هذه الإرشادات بحيث يكون لدى المدينة بعض الاستجابة المتاحة، لكنها لا تأخذ في الاعتبار العنصر العاطفي، كما تقول بوني بيفر، أستاذة الطب البيطري في جامعة تكساس إيه أند إم.

وليست خدمات المدينة وحدها التي تفشل في إدراك إلى أي مدى يكون موت حيوان أليف مثيراً للمشاعر.
تقول بيفر: “غالباً ما تشعر بعزلتك الاجتماعية، لأن الناس لا يفهمون ما تمر به، لأنهم قد يقولون: “تجاوز الأمر، إنه مجرد كلب”، وهو ما لا ينبغي عليهم قوله”.

عندما تفقد شخصًا، فإن هناك طقوساً – كالجنازة والنصب التذكاري – ومن المقبول أن تأخذ بعض الوقت من عملك لتتحدث عن فقيدك. تقول ويندي باكمان، عالمة النفس من جامعة بالو ألتو: “المهم عند فقدان الناس لحيوان أليف ولا يدركونه عند أول مرة يخسرون فيها حيوانًا أليفًا هو قوة الحزن ومدة استمراره. لذا، فإنه يفاجئ الجميع، وهو يفاجئ الناس الذين لا يتعاطفون مع فقدان الحيوانات الأليفة”. وعلى الرغم من أن باكمان وجدت أن عمق هذا الحزن ومدته يشبهان حزننا على البشر، فإن هذا الوصمة الاجتماعية تجعله أكثر إيلاماً.

تقول باكمان: “مع وجود الحزن المترافق مع الحرمان، يكون هناك دعم أقل، وقد يكون هذا الحزن أسوأ من الحزن على شخص ما لأنه لا توجد طقوس للحزن، وعندما يخرج الناس ويمارسوا طقوسًا للحزن، وعندما يشعرون بالشجاعة الكافية، يمكن أن يشعروا بأنهم منبوذون”.

عندما كنت أبحث في هذه القصة، أخبرني الأصدقاء عن المسافة التي قطعوها لدفن حيواناتهم الأليفة بالطريقة الصحيحة، على الرغم من القوانين المتعلقة بمكان وكيفية التخلص من بقايا الحيوانات. تسلل أحدهم إلى الحديقة العامة في منتصف الليل لدفن فأر أليف تحت شجيرة ورد. وقاد آخر سيارته في منتصف الليل لدفن قطته تحت شجرة بلوط جميلة يمرون بها في تنقلاتهم اليومية. حتى عند دفن يرابيعي، والجنازة التي أقمتها لقطتي، كان الأمر شأنًا خاصًا، في الفناء الخلفي مع عائلتي، حيث تشاركنا حزننا الهادئ والسري.

تعتقد باكمان أن هذا القبول الاجتماعي للحزن على الحيوانات الأليفة يتغير، مشيرة إلى أنها شهدت ارتفاعًا في النصب التذكارية ومقابر الحيوانات الأليفة. ولكن بوسولاري تقول إننا في غضون ذلك نحزن على الحيوانات الأليفة بعمق، لأننا نشعر بأنه يفترض بنا ألا نفعل ذلك. “نحن نقلق جداً من كوننا نسبب الإزعاج للناس، لأنهم لا يريدون أن يكونوا حولنا، وإذا كانوا لا يريدون أن يكونوا حولنا، فنحن سنكون مع أنفسنا. لكن الحقيقة هي أنه كلما تحدثنا عن الحزن، جعلنا الحزن يبدو طبيعياً أكثر”.

error: Content is protected !!