Reading Time: 5 minutes

إن المواد المُثبِّتة للكربون (وهي مواد تستمد طاقتها من الشمس وتستخدم ثاني أكسيد الكربون الموجود في الجو للنمو وإصلاح نفسها، تماماً كما تفعل النباتات) لا توجد حالياً خارج المختبرات العلمية، لكن العلماء الآن يقتربون حثيثاً من النجاح في جعل المواد ذاتية الإصلاح منتجات متاحة بشكل تجاري.

وإذا أصبحت هذه المواد متاحة، فمن المرجَّح أنها ستنتشر على نطاق واسع في البداية على أنها مواد للطلاء والأصبغة “ذاتية الإصلاح”، وكذلك في الأشرطة التزيينية في السيارات، والهواتف المحمولة، والمنسوجات. حينئذ عندما تتصدع أسطح هذه الأشياء وتصبح مشقَّقة أو مخدوشة، ستتمكن موادها من سد الثغرات عندما تتعرض للهواء وأشعة الشمس، دون اتخاذ أي إجراءات إضافية. ومن ناحية أخرى فإن نقل هذه المواد لا يتطلب الكثير من المال أو الطاقة؛ لأن من الممكن شحنها مباشرة في شكلها الأولي بأحجام خفيفة الوزن إلى المُصنِّعين والشركات المعنية. وعندما تصل إلى وجهتها، يمكن تعريضها للهواء وأشعة الشمس، حيث تتمدد وتتصلب وتصبح أكثر متانة.

ويقول الباحثون إن تصميم هذه المواد -التي لا تقتصر فقط على تجنب استخدام الوقود الأحفوري، بل تعمل أيضاً على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء- لا تخفى مزاياه ومنافعه بالنسبة للبيئة والمناخ.

شاشة هاتف خلوي متصدعة.
مصدر الصورة: بكسلز

يقول مايكل سترانو (أستاذ الهندسة الكيميائية في جامعة إم آي تي): “أمامنا -نحن البشر- خياران، إما أن نبني العالم من جديد دون استعمال النفط ومشتقاته، وإنما نصنع فيه المنتجات من الألياف والأنسجة المتوافرة حولنا، وإما أن نتبع الطبيعة في نهجها الذي تمضي وفقه، وهو استخدام الكربون الموجود في الجو. وتتمثل الخطوة الأولى للقيام بذلك في دراسة المواد التي تنمو وتصلح نفسها ذاتياً مثل النباتات والأشجار، أما الخطوة التالية فهي نقل ما تعلمناه منها إلى الحقل التطبيقي، ثم بعد التنقيح والتحسين اللازمَين، سنتمكن من استخدام هذه المواد الجديدة التي تجدد نفسها وتصلح ذاتها باستمرار بدلاً من موادنا التي تتحلل بمرور الزمن”.

ويضيف سترانو أن مكمن جمال هذه المنتجات يتجلى في “أنها ليست في حاجة إلى شيء عدا ثاني أكسيد الكربون من الجو وضوء الشمس العادي، وهما مصدران لا نعاني من أي نقص فيهما. كما أن هذه المواد تعمل على دمج مقدار من الكربون الموجود في الجو في قوامها، من أجل أن تصلح نفسها ذاتياً وبشكل مستمر وتلقائي دون الحاجة إلى أي مؤثرات خارجية أخرى. ويعتبر إنشاء مواد تحافظ على نفسها باستخدام ثاني أكسيد الكربون وضوء الشمس استخداماً مثالياً للمصادر المتوافرة بين أيدينا الآن، وهذه تحديداً هي (الاستدامة) في أبسط تعريف لها”.

تعد النباتات كائنات تصلح نفسها ذاتياً بشكل طبيعي.
مصدر الصورة: بكسلز

وفي الآونة الأخيرة نجح مختبر الباحث سترانو في صناعة مادة تتفاعل كيميائياً مع ثاني أكسيد الكربون المستمد من الجو لتنمو (تتمدد أو تتوسع) وتتصلب وتَمْتَن، بل حتى تصلح نفسها ذاتياً. وخلافاً للجهود المماثلة المبذولة في المجال لتحفيز العمليات الحيوية الطبيعية، فإن الباحثين في المختبر يقولون إن هذه المادة لا تحتاج إلى أي مؤثرات خارجية، مثل الحرارة أو الأشعة فوق البنفسجية أو المواد الكيميائية المختلفة أو ضرورة تطبيق ضغط ميكانيكي ما. وقد أسفرت نتيجة أبحاثهم عن بوليمر اصطناعي هُلامي الشكل، يستخدم نفس المكونات الحيوية التي تستخدمها النباتات للاستفادة من أشعة الشمس، المتمثلة في صانعات اليخضور، حيث استخرجها العلماء من أوراق نبات السبانخ. ويعمل هذا البوليمر باستمرار على تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مادة أساسها الكربون تعزِّز قوامها بنفسها.

وفي السنوات الأخيرة، كان العلماء يبحثون عن طرق مبتكرة لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الجو، الذي يعتبر أحد أقوى الغازات الدفيئة المنبعثة من حرق الوقود الأحفوري. وهذه الغازات تتسبب في تفاقم مشكلة التغير المناخي والاحتباس الحراري، مما ينتج عنه آثار خطيرة على البشر والنُظم البيئية على حد سواء. وعن هذا الجانب يقول سترانو: “إن تصنيع هذه المواد يعد خطوة في الطريق الصواب؛ ليس لأنها لا تطلق انبعاثات كربونية فحسب، بل لأنها تمتص الكربون من الجو أيضاً”.

وكان كل من سترانو، والباحث لما بعد الدكتوراه سيون يونغ كواك، وثمانية آخرون من جامعة إم آي تي وجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، قد قاموا بعرض ما اكتشفوه في ورقة بحثية علمية نُشرت مؤخراً في مجلة “أدفانسد ماتريالز (Advanced Materials)”.

الأعلى: صَدع متشكل في مادة ذاتية الإصلاح، مكونة من الهلام المائي (الظاهر باللون الأخضر الغامق) مُدمجة مع صانعات يخضور مستخرجة من نباتات حقيقية (الظاهرة باللون الأخضر الفاتح).
الأسفل: تحت ضوء النهار، تتفاعل المادة مع ثاني أكسيد الكربون لتسد الثغرة (الصدع) المتشكلة.
مصدر الصورة: المجموعة البحثية للباحث سترانو

تقوم صانعات اليخضور بتحفيز تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى غلوكوز، لكن المشكلة تكمن في أن صانعات اليخضور المنفردة غير مستقرة إلى أبعد حد، مما يعني أنها تميل إلى التوقف عن عملها بعد عدة ساعات من استخراجها من النباتات الأصلية، ولذلك قام سترانو وزملاؤه بابتكار طرق لرفع عدد ساعات عمل صانعات اليخضور المستخرجة، والتخطيط لاستهدام محفزات غير طبيعية بدلاً منها، وهذه المحفزات من شأنها تعزيز عملها وتقويته، حيث يقول سترانو إن هذه البدائل غير الطبيعية ستكون أكثر استقراراً، وتدوم لفترة أطول، وفي ذات الوقت تؤدي نفس المهام المطلوبة منها.

إذن فالمادة التي استخدمها الباحثون هي مادة هلامية مكونة من البوليمر المركب من الأمينوبروبيل ميثاكريلاميد (APMA) والغلوكوز وإنزيم يدعى أكسيداز الغلوكوز، وصانعات اليخضور. وهذه المادة تصبح أقوى وأشد صلابة عندما تمتص الكربون، ورغم أنه من المتوقع أن تبلي حسناً إذا استخدمت طلاءً أو حشواً للصدوع والتشققات، إلا أنها لا تعد مادة قوية بما يكفي لتكوُّن مادة تُصنع منها الأغراض. ولجعلها مادة يمكن أن تُصنع منها الأغراض فإن الباحثين يشيرون إلى أنه يجب أن تبرز ابتكارات أخرى في قطاع الكيمياء وعلوم المواد، قبل أن توجه للاستخدام على نطاق واسع في أعمال البناء والتشييد وقطاع المواد المركبة.

ومع ذلك يقول العلماء إنهم قادرون الآن بالفعل على إنتاج هذه المادة بكميات ضخمة، ويضيفون أن الاستخدامات التجارية المبدئية لها (مثل الطلاء، والأصبغة ذاتية الإصلاح، واستخدامها حشواً للصدوع والشقوق) قابلةٌ للاطلاق التجاري على “المدى القريب”. كما يقول كواك (الباحث المشارك في تأليف الورقة العلمية): “بشكل مبدئي، يعد إنتاج هذه المواد عملية سهلة، ومن المفترض ألا يكون ذلك معقداً أو مكلفاً؛ حيث يبدأ صنع هذه المادة على شكل سائل، كما أن من الممتع رؤيتها وهي تتمدد وتتجمع” متحولةً إلى شكلها الصلب.

ويذكر أن وزراة الطاقة -التي مولت هذا البحث المُقام في جامعة إم آي تي- ترعى برنامجاً جديداً لتوسيع هذه الدراسة العلمية، وبحسب جامعة إم آي تي فإن الوزارة طلبت من سترانو قيادة هذا البرنامج، ويقول سترانو: “إن علوم المواد لم تُنتج من قبل أي شيء يشبه هذا؛ فهذه المواد تحاكي في مبدأ عملها بعض جوانب الكائنات الحية، مع أنها لا تتمتع بميزة التكاثر”.

ويضيف أن “كوكب الأرض غني بالكربون، ونحن بنينا -وما زلنا نبني- عالمنا بالكربون، والبشر ذاتهم مكوَّنون من الكربون، ولذلك لن يكون استخلاص ثاني أكسيد الكربون عملية صعبة أو مكلفة أو تمثل أي تحدٍّ، بالعكس نحن نعده فرصة عظيمة؛ لأن صناعة مادة تستفيد من الوفرة العظيمة التي يتمتع بها الكربون في كوكبنا تعد بحق ميزة رائعة وأُفُقاً جديداً في قطاع علوم المواد”.

مارلين سيمونز؛ كاتبة لدى مؤسسة نيكسوس ميديا، وهي وكالة أنباء مرخَّصة تغطي أخبار المناخ والطاقة والسياسة والفنون والثقافة.