Reading Time: 4 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


هناك العديد من الأشياء التي يمكن أن تخيفنا. مثل الأشباح والعفاريت والغيلان. لكن لا شيء في الكون أشد رعباً من ثقب أسود.

الثقوب السوداء -وهي مناطق من الفضاء حيث تكون الجاذبية شديدة لدرجة أن لا شيء يهرب منها- هي موضوع حديث رائج دائماً. فقد مُنحت نصف جائزة نوبل في الفيزياء هذه السنة إلى الفيزيائي روجر بنروز لعمله في الرياضيات الذي يبين أن الثقوب السوداء هي نتيجة حتمية لنظرية الجاذبية لأينشتاين. ومُنح النصف الآخر لكل من أندريا جيز ورينهارد جينزل لتبيانهما أن هناك ثقب أسود عملاق في مركز مجرتنا.

        اقرأ أيضاً: جائزة نوبل في الفيزياء تمنح لثلاثة علماء عن أبحاثهم في الثقوب السوداء

الثقوب السوداء مرعبة لثلاث أسباب:

1. إذا سقطت في ثقب أسود من مخلفات نجم ميّت، فستُمزَّق.

2. الثقوب السوداء العملاقة التي تُرصد في مراكز المجرات لها شهية لا يمكن إشباعها.

3. الثقوب السوداء هي أماكن تنهار فيها قوانين الفيزياء التي نعرفها.

درستُ الثقوب السوداء لأكثر من 30 سنة. وركّزت في دراستي بشكل خاص على الثقوب السوداء الفائقة الموجودة في مراكز المجرات. في أغلب الحالات، تكون هذه الثقوب غير نشطة. ولكن بالنسبة لتلك النشطةِ التي تلتهم النجوم والغاز، فالمناطق القريبة منها يمكن أن يفوق سطوعها سطوع المجرة التي تحتويها بأكملها. المجرات التي تحتوي على ثقوب سوداء نشطة تسمى الكوازارات. وعلى الرغم من كل ما تعلمناه عن الثقوب السوداء خلال العقود القليلة المنصرمة، لا يزال هناك العديد من الألغاز التي تتطلب الحل.

الموت بالثقب الأسود

صورة الثقب الأسود

قد تبدو صور الثقب الأسود في المستقبل أكثر وضوحاً من هذه الصورة — مصدر الصورة: جيريمي شنيتمان/ مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا

تتشكل الثقوب السوداء عند موت النجوم العملاقة. بعد نفاذ الوقود النووي للنجم، ينهار لُبّه ليشكّل أكثف شكل من المادة يمكن تخيّله؛ إذ يكون أكثف من النواة الذرية بمائة مرة. هذه الكثافة عالية بما يكفي لدرجة أن البروتونات والنيوترونات والإلكترونات لا تظل جسيمات منفصلة. بما أن الثقوب السوداء مظلمة، فيمكن إيجادها عندما تدور حول نجم عادي. إذ أن خواص النجوم تسمح لعلماء الفلك باستنتاج وجود ثقب أسود في جوارها.

أول ثقب أسود تم تأكيد وجوده هو «سيغنوس إكس-1» (البجعة، نسبة للكوكبة الموجود فيها)، وهو أسطع مصدر للأشعة السينية في كوكبة البجعة. منذ اكتشاف هذا الثقب، اكتُشف حوالي 50 ثقب أسود آخر في أنظمة تحتوي على نجم عادي يدور حول ثقب أسود. وهي الأمثلة الأقرب علينا من الـ 10 مليون ثقب أسود التي يُتوقَّع وجودها عبر مجرة درب التبانة.

الثقوب السوداء هي قبور للمادة. إذ لا يمكن لأي شيء أن يهرب منها، ولا حتى الضوء. مصير أي أحد يسقط في ثقب أسود هو أن يخضع للتأثير المؤلم الذي يدعى «التأثير المعكروني»، وهي فكرة روجها الفيزيائي ستيفن هوكنج في كتابه «تاريخ موجز للزمن». أثناء حدوث هذا التأثير، ستمزّقك الجاذبية الشديد للثقب الأسود فاصلة عظامك وعضلاتك وأوتارك وحتى جزيئاتك. كما يصف الشاعر دانتي الكلمات على بوابة الجحيم في قصيدته «الكوميديا الإلهية»: «تخلّ عن الأمل، يا من تدخل هنا».

وحش جائع في كل مجرة

خلال الـ 30 سنة الماضية، بينت الأرصاد التي أجريت باستخدام تلسكوب هابل الفضائي أن كل المجرات تحتوي على ثقوب سوداء في مراكزها. والمجرات الأكبر تأوي ثقوباً أكبر.

الطبيعة ماهرة في صنع الثقوب السوداء بمختلف الكتل، من بقايا النجوم التي تبلغ كتلها بضع أضعاف كتلة الشمس إلى وحوش كتلها تفوق هذا بعشرات مليارات الأضعاف. يشبه هذا الفرق بين تفاحة وهرم الجيزة الكبير.

السنة الماضية، نشر علماء الفلك أول صورة لثقب أسود وأفق الحدث خاصته. لهذا الثقب كتلة تبلغ 7 مليارات أضعاف كتلة الشمس، ويوجد في مركز المجرة الإهليلجية التي اسمها أم 87.

الثقب الأسود, ناسا

صورة الثقب الأسود — حقوق الصورة: مركز غودارد ناسا للرحلات الفضائية/ فليكر

هذا الثقب أكبر بألف مرة من الثقب الأسود الموجود في مركز مجرتنا. كما أن الثقوب السوداء هذه تكون مظلمة معظم الوقت. لكن عندما تسحب جاذبيتها النجوم والغازات القريبة، تصبح نشطة للغاية وتضخ كميات هائلة من الإشعاع. الثقوب السوداء العملاقة خطيرة لسببين. إذا اقتربت منها بما يكفي، فستسحبك جاذبيتها الهائلة. وإذا كانت ضمن مرحلة الكوازار النشط (نجم زائف)، فستنسفُك إشعاعاتها عالية الطاقة.

ما مدى سطوع الكوازار (نجم زائف)؟

تخيل الطيران فوق مدينة كبيرة مثل لوس أنجلوس مثلاً خلال الليل. تُمثل أضواء السيارات والمنازل والطرق الـ 100 مليون النجوم في مجرة ما. في هذا التشبيه، الثقب الأسود في مرحلة نشاطه يشبه مصدراً ضوئياً بقطر 2.5 سم في وسط مدينة لوس أنجلوس يفوق سطوعه هذه المدينة بمئات أو آلاف الأضعاف. الكوازارات هي أسطع الأجسام في الكون.

الثقوب السوداء الفائقة غريبة

يزن أكبر ثقب أسود اكتُشف حتى الآن حوالي 40 مليون ضعف وزن الشمس، أو 20 ضعف من وزن النظام الشمسي. بينما تكمل الكواكب الخارجية دورة واحدة حول الشمس كل 250 سنة، فهذا الجسم الذي حجمه أكبر بكثير يكمل دورة واحدة حول نجمه مرة كل 3 أشهر. تتحرك حوافه الخارجية بنصف سرعة الضوء. ومثل كل الثقوب السوداء، كل الثقوب العملاقة لا يمكن رؤيتها بسبب أفق الحدث. في مراكز هذه الثقوب نقاط تعرف بـ «المتفردات»، وهي نقاط من الفضاء تكون كثافة المادة فيها لانهائية. لا يمكننا فهم ما داخل الثقوب السوداء لأن قوانين الفيزياء تنهار هناك. الزمن يتجمد في أفق الحدث وتصبح الجاذبية لانهائية عند المتفردة.

الأخبار السارة حول الثقوب السوداء الفائقة هي أنك يمكن أن تنجو بعد السقوط فيها. على الرغم من أن جاذبيتها أقوى، إلا أن قوة التمديد تكون أضعف فيها من قرينتها في ثقب أصغر حجماً. ولن تقتلك هذه القوة. الأخبار السيئة هي أن أفق الحدث هو حافة الهاوية. لا يمكن لشيء أن يهرب من داخل أفق الحدث. لذلك لن تكون قادراً على الهروب وتقديم تقرير عن تجربتك.

وفقاً لستيفن هوكنج، فإن الثقوب السوداء تتبخر ببطء. وفي المستقبل البعيد للكون، وبسبب اتساعه، وبعد موت كل النجوم وابتعاد كل المجرات، فإن الثقوب السوداء ستكون هي الظواهر الكونية الناجية الوحيدة في الكون.

سيستغرق تبخر الثقوب السوداء الأكبر حجماً عدداً لا يمكن تخيّله من السنين. ويقدّر هذا العدد بـ 10^100 سنة، أو 10 وأمامها 100 صفر. الأجسام الأكثر رعباً في الكون أزلية نوعاً ما.