Reading Time: 3 minutes

يذكرنا انتشار فيروس كورونا المستجد بأهمية استجابة الصحة العامة لإدارة انتشار المرض والحدّ منه. ولكن، ما هي الصحة العامة؟ ولماذا نسمع النصائح من خبراء الصحّة العامة حول فيروس كورونا، وغيره من التهديدات الصحية؟

بشكلٍ عام، يركز الطب على علاج الأمراض لدى الأفراد في المقام الأول، لكن الصحة العامة تركز على الوقاية من الأمراض، وتحسين مستوى الصحة في المجتمعات. تطال أنشطة الصحّة العامة مجالاتٍ واسعة ومتنوعة تشمل: حملات التوعية الصحية، مراقبة الأمراض المعدية ومكافحتها (كما هو الحال في الاستجابة لفيروس كورونا المستجد)، ضمان الوصول إلى الهواء النظيف والمياه، والطعام الصحّي، وفحص الأمراض، والتدخلات الصحية المجتمعية، وأنشطة التخطيط.

فيما يلي 3 أمثلة توضح الدور الهام الذي تلعبه الصحة العامة.

1. الحد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات

يعدّ تطوير لقاحاتٍ للحماية من الأمراض المعدية أحد أهمّ الإنجازات في مجالي الطب والصحة العامة. فقد منعت اللقاحات حدوث ملايين الوفيات. وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن ما لا يقل عن 10 ملايين وفاةً تم منعها على مستوى العالم بين عامي 2010 و 2015، ومنعت إصابة أعدادٍ أخرى لا تُحصى بأمراضٍ مختلفة.

لقد بات من النادر أن نرى أمراضاً مثل شلل الأطفال والحصبة، والنكاف في العالم. يعود الفضل في ذلك إلى اللقاحات. إن حقيقة أننا نستطيع حماية الأفراد والمجتمعات من بعض أكثر الأمراض فتكاً؛ عن طريق أمصال آمنة وبسيطة يُعد إحدى معجزات الطب الحديث. كما يُعد إمكانية توصيل اللقاحات لمختلف المجتمعات في جميع أنحاء العالم، والحد من الأمراض نتيجةً لذلك؛ دلالة على قوّة وأثر الصحة العامة.

لقاح الجدري, صحة, صحة عامة, طب, إسعاف, مجتمع

لقاح الجدري

ولعل أهمّ مثالٍ على أثر اللقاحات على صحة السكان على مستوى العالم، هو القضاء على مرض الجدري. تتجلى أعراض الجدري بالحمّى والطفح الجلدي، وقد كان أشد الأمراض فتكاً بالبشرية، حيث قتل نحو 300 مليون شخص في القرن العشرين لوحده.

يُدعى أحد الإجراءات التي اتخذتها الصحّة العامة في سبيل القضاء على الجدري «التلقيح الدائري»، حيث سعى أطباء الصحة العامة إلى تحديد الحالات المريضة الجديدة بسرعة، ومن ثم تطعيم الأشخاص الذين كانوا على اتصال بهم في أسرع وقتٍ ممكن، لمنع انتشار المرض بشكلٍ أوسع. بدأت هذه الحملة بشكل جديّ في عام 1967، واستمرّت إلى أن أعلنت منظمة الصحة العالمية عن استئصال الجدري نهائياً عام 1980، فيما بات يعتبر أحد أعظم إنجازات الصحة العامة في العصر الحديث.

2. مكافحة التدخين

على الرغم من أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به للحد من التدخين، لكن معدلات التدخين انخفضت خلال العقود الأخيرة، بالتالي أثر علينا إيجابياً وعاد بفوائد كبيرة على مستوى صحتّنا. عندما كشف العلم عن الأثر السيء للتدخين على الصحّة، تمثّل دور الصحّة العامة في إيصال هذه الرسالة إلى الجمهور، واتخاذ تدابير من شأنها الحدّ من معدلات المدخنين وخفضها.

لقد نجحنا بالفعل في الحدّ من عدد الوفيات الناجمة عن التدخين، من خلال اتخاذ العديد من الإجراءات مثل؛ حملات التوعية الصحية العامة، حيث تقدّم للجمهور معلوماتٍ عن مخاطر التدخين، بالإضافة إلى فرض قيود على إعلانات السجائر، وإلزام شركات التبغ بالتغليف البسيط لمنتجاتها، وفرض القيود على التدخين في الأماكن العامة، وزيادة الضرائب على منتجات التبغ، وإتاحة وصول أعداد أكبر من الراغبين إلى برامج الإقلاع عن التدخين.

تعد مكافحة التبغ أحد أهم إنجازات الصحة العامة. هذا صحيح خاصة أننا اضطررنا إلى محاربة صناعة التبغ في وقت ما، وتحديداً شركات التبغ الخمس الكبرى للبدء بهذه المبادرات، وضمان نجاحها، كما أن مكافحة التدخين مثال رائع على كيفية توجيه الجهود التي تنسقّها عددٌ من القطاعات الحكومية للتصدي لتحدٍ كبير في مجال الصحة العامة. تُعتبر أستراليا المثال الأعلى الذي يُحتذى به في هذا المجال.

3. سلامة الطرق العامة ووسائل المواصلات

لقد كان أثر تطوّر صناعة السيارات كبيراً على تقدّم مجتمعنا الحديث، ولكنّ حوادثها كانت سبباً رئيسياً في الإصابات والوفيات أيضاً. في الواقع، انخفضت الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق في البلدان الصناعية كثيراً في العقود القليلة الماضية بالرغم من ازدياد عدد السائقين وزيادة المسافات المقطوعة على الطرق في هذه الفترة. حيث تمكنّا من زيادة إجراءات السلامة، وخفض عدد الوفاة جرّاء ذلك من خلال مجموعةٍ واسعة من التدخلات الإيجابية.

من هذه الإجراءات، على سبيل المثال، رفع معايير السلامة المطلوبة في تصميم السيارات، وتحسين حالة الطرقات، ووضع قوانين صارمة ملزمة بشأن وضع حزام الأمان، والالتزام بحدود السرعة، بالإضافة لتثقيف السائقين، وفرض عقوبات شديدة على القيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات.

وبالرغم من الفائدة الكبيرة التي تحققت في ظلّ هذه الإجراءات، فإن حوادث المرور ما زالت سبباً رئيسياً للوفاة في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في البلدان النامية. لذلك لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به في هذا المجال.

لقد لعبت الصحّة العامة دوراً مهماً في زيادة الصحة، ومعدّل الأعمار الذي بتنا نعتبره مؤشراً على مدى تقدّم المجتمعات الحديثة. ربما لم نهتم بهذا المجال ولم نفكر فيه سابقاً.

قد يكون أحد الأسباب في نقص تقديرنا لفائدة الصحّة العامة؛ هو اتسام عملها بغياب المرض، والذي يتعذّر علينا إدراكه غالباً. فمثلاً، قد تكون الفائدة واضحةً جداً عند إنقاذ الأرواح من خلال التدخّل الطبي المباشر، بينما لا تكون الفائدة العظيمة واضحةً عندما نحقق الوقاية من المرض.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن