Reading Time: 4 minutes

خيّم هذا العام على مطلع السنة الصينية القمرية شبح سلالةٍ جديدةٍ من فيروس كورونا، مسبباً حالاتٍ مرضيةً من الالتهاب الرئوي الحاد انتهت في عددٍ غير قليلٍ من المرضى بالوفاة. فما الذي يملكه الأطباء في جعبتهم من أسلحةٍ لمواجهة هذه الجائحة؟

هناك العديد من التقنيات الحديثة التي يمكن استعمالها وتطويرها، بدايةً من التعرف على تسلسل جينوم الفيروس للوقوف على خواصه البيولوجية، وتقنية «كريسبر» التي تقوم على تعديل الحمض النووي (المادة الوراثية) للفيروس، وتطوير لقاح، وصولاً إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتصرفات الفيروس بهدف السيطرة عليه.

1. معرفة تسلسل جينوم الفيروس

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم، إن أردنا التعامل مع أي شيء (كالتعامل مع جائحةٍ فيروسية) فيجب علينا معرفة ما نواجهه؛ ولفهم ما هيّة فيروس كورونا يجب معرفة تسلسل الأحماض النووية فيه، وهو أمرٌ يشبه معرفة تسلسل حروف الكلمات في رسالةٍ لفهم فحواها.

نشر العلماء الصينيون تسلسلات الحمض النووي لفيروس كورونا الجديد الذي تسبب بحالاتٍ من ذات الرئة (نوع من التهاب الرئة) في مدينة ووهان الصينية، ويُحسب لهم أنهم استطاعوا فعل ذلك بسرعةٍ حسب ما أشار إليه «فينيت ميناشري»، وهو عالم فيروساتٍ من جامعة تكساس.

وتأتي أهمية تحديد تسلسل جينوم الفيروس من كونها تساعدنا في تحديد هوية الفيروس، وهل هو يتغير وكيف يمكن أن ينتقل بين الكائنات الحية، هذا عدا عن دورها في رسم شجرة عائلة الفيروس، فما هي قرابته للفيروسات الأخرى المشابهة مثل سارس، وميرس، والتي تسببت في جائحاتٍ كبيرةٍ عام 2003 و 2012 على الترتيب. ويُضاف إلى ذلك كله ما سيرد ذِكرُهُ لاحقاً في المقال عن تطوير لقاحٍ لهذا الفيروس مشابهٍ للقاح فيروسي سارس وميرس، والذي سيكون بعيد المنال دون معرفة تسلسل حمضه النووي، وينسحب على ذلك أيضاً استعمال التقنيات الحديثة؛ مثل تقنية تعديل الحمض النووي كريسبر في الوقاية منه، وفي إنتاج لقاحٍ له وغير ذلك كثير.

باختصار، التعرّف على تسلسل الحمض النووي أمرٌ جوهريٌ في مواجهة أي فيروس، فلا عجب أن يجري مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها مسحاً كاملاً لجينوم أكثر من 7000 فيروس إنفلونزا كل عام، ما يشير إلى أهمية هذا الإجراء في صناعة العلاج وتطوير اللقاح والتنبؤ بنشاط أي فيروس.

2. تقنية كريسبر تكشف الخلل وتصححه

كريسبر, العمى, الرؤية, الإبصار, تقنية كريسبر, التعديل الجيني, بيولوجي

كريسبر، هي آلية بيولوجية موجودة بشكل طبيعي في البكتيريا، مهمتها حمايتها من الفيروسات المهاجمة؛ وعام 2012 استطاع العلماء تطويرها كي تُستعمل كأداة لتعديل الجينات (كإصلاح الخلل في جين معيب).

استُعمِلَت هذه الطريقة كأداة تشخيصية سريعة ورخيصة وسهلة الاستعمال، للكشف عند عدد من الفيروسات فيما مضى مثل فيروس زيكا؛ وبالمثل، يمكن استعمال هذه التقنية في خضم التعامل مع فيروس كورونا لتشخيص المرضى المصابين به.

ليس هذا فحسب، بل يمكن الاستفادة منها في منع انتشاره، ولفهم ذلك لا بد من إلقاء الضوء على الطريقة التي يصل بها الفيروسُ الإنسانَ؛ الفيروس انتقل غالباً من الحيوان إلى الإنسان؛ وداخل جسم الكائن الحي أياً كان، يعتمد الفيروس على أحد بروتيناته المعروف بالبروتين الشوكي، للتعرف على مستقبلاتٍ في غشاء الخلايا كي يستطيع الالتصاق بها وغزوها.

هنا يأتي دور تقنية كريسبر، حيث يُمكن أن تُستعمل لتعديل المادة الوراثية (وبالتالي المستقبلات التي يستعملها الفيروس) الموجودة في المستودع الحيواني (الحيوان الذي يُصاب بالفيروس وينقله إلى الإنسان)، مما يقي الحيوان من المرض، وبالتالي يُقطع على الفيروس الطريق الذي يصل به إلى الإنسان. وقد استُخدِمَت هذه التقنية بنجاحٍ لوقاية صغار الخنازير من فيروس ألفا كورونا. وهناك مثالٌ آخر، ففي تجربةٍ لصناعة لقاحٍ على مجموعةٍ من الفئرن، عُدِّلَت جيناتها باستعمال كريسبر لكي تصبح خلاياها قادرةً على مهاجمة فيروس الميرس، ورغم أنها لم تسلم تماماً من المرض إلا أن وطأته كانت أخف شدةً.

3. خوارزميات الحاسوب: الذكاء الاصطناعي يُستدعى للمساعدة

لقد ساعدتنا خوارزميات الحاسوب والذكاء الاصطناعي في مجالاتٍ يصعُب حصرها، شملت توقعات الأرصاد الجوية، الحرائق، الزلازل، موجات الجفاف، بل وحتى تقلبات الأسواق المالية؛ والصحة ليست استثناءً، فيمكن للذكاء الصناعي التنبؤ بالأخماج والجلطات والنوبات وحالات القلب المرضية وغيرها، فهل يمكن الاعتماد عليه إذاً في التصدي لفيروس كورونا؟

ربما يذكر البعض فشل جوجل فلو، وهي خوارزمية طورتها شركة جوجل، وتعتمد على آليةٍ بسيطةٍ من حيث المبدأ في التنبأ بالإنفلونزا: من يصاب بأعراض الإنفلونزا سيتوجه إلى الإنترنت ليبحث عن الموضوع. هنا، يمكن جمع البيانات (أي ما بحث عنه المرضى على الإنترنت) ودراستها بغية التنبأ بالأماكن التي تظهر فيها الإنفلونزا، أو تتظاهر فيها بأعراضٍ غير تقليدية مثيرةٍ للقلق؛ لكن هذه الطريقة فشلت، إذ قللت من شأن موسم الإنفلونزا عام 2013.

لكن هذا لم يكن إلا الخطأ الذي استرشد به العلماء إلى الصواب. حيث استطاع برنامج بلو دوت (والذي كلف 9.4 مليون دولار إبان إنشائه عام 2014) التنبؤ بفاشية فيروس زيكا في فلوريدا. أما فيما يخص فيروس كورونا، فقد تنبأ بلو دوت بالجائحة قبل منظمة الصحة العالمية بأسبوع، أي في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2019. ويعتمد البرنامج في عمله على التقارير المكتوبة بـ 65 لغة، على التصريحات الرسمية، وعلى رحلات الطيران، وذلك بغية تحديد المصابين المحتملين والأماكن التي يمكن أن ينتقلوا إليها (وبالتالي تنتقل إليها العدوى) حول العالم.

وفي ذات الصدد، استُعمِل التعلم العميق (وهو أحد خوارزميات تعليم الآلات الإلكترونية)، للتنبأ بالمستودعات الحيوانية لفيروس كورونا، أي لتحديد الحيوانات التي نقلت هذه السلالة من فيروس كورونا إلى البشر، وبناءً عليه فقد توقع الباحثون أن الخفاش والمنك (وهو حيوان ثديي لاحم) كانا المستودع الحيوي الذي انطلق منه الفيروس ليصيب الإنسان.

4. لمنع الكارثة قبل وقوعها، لقاحٌ ضد الفيروس

يعرف الجميع المثل القائل: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج». وحقيقةً، لا يمكن الادعاء بغير ذلك، فقد كان اللقاح تاريخياً الأداة الأفضل لمواجهة الأمراض، فما دوره في التعامل مع هذه السلالة العدائية من فيروس كورونا؟

هناك ما يعيق استعماله في هذا الصدد، حيث يحتاج اللقاح إلى العديد من الأشهر، بل وربما السنوت، كي يقطع رحلته من أنابيب المختبر إلى أجسام حيوانات التجارب، وصولاً إلى الحقنة في المستشفى حاملاً موافقة الجهات الطبية على سلامته وفعالية استخدامه، فعلى سبيل المثال، استغرق إنتاج لقاحٍ لفيروس سارس كورونا (وهو من نفس العائلة التي ينتمي إليها فيروس كورونا الذي يتصدى له العالم الآن) 20 شهراً عام 2003، إلا أن العلماء، وباستعمال التقنيات الحديثة، سابقوا الوقت عام 2015، وأعدوا لقاحاً لفيروس زيكا في غضون ستة أشهرٍ فقط، فما الذي يمكن القيام به الآن؟

تقوم فكرة لقاح فيروس كورونا على منع الفيروس من الدخول إلى خلايا الجسم، ويشكل البروتين الشوكي نقطة انطلاقٍ جيدة، إذا يريد العلماء تحويله إلى هدفٍ للخلايا المناعية الموجودة في الجسم كي تهاجمه وتمنعه من إحداث الأذى في الخلايا. وسيعتمد العلماء في تصنيع هذه اللقاح على لقاح فيروس سارس وميرس (فيروس آخر من عائلة كورونا)، إذ يملك هذان الفيروسان بروتينات شوكيةً شبيهةً بالذي يملكه فيروس كورونا الجديد، وبالقيام ببضعة تعديلاتٍ على اللقاح القديم سيكون اللقاح الجديد جاهزاً للاختبار.

وبعض الباحثين يحذو طرقاً أخرى، كتقديم اللقاح محمولاً على فيروسٍ آخر، هو الفيروس الغداني «adenovirus»، ورغم أن فكرة إدخال فيروسٍ ثانٍ إلى الجسم تبدو مخيفة إلا أنها آمنة. وكل هذه التقنيات يمكن أن تُمَثِلَ طرقاً واعدة.