Reading Time: 4 minutes

نُواجه في حياتنا الكثير من حالات عدم اليقين، إلا أنَّ عقولنا غالباً ما تدفعنا إلى المبالغة في ردود أفعالنا تجاهها؛ مما يخلق لنا الكثير من المشكلات النفسية والجسدية لا تنتهي في حياتنا. ويستطيع الأشخاص المرنون والناجحون وحده تكييف آلية تفكيرٍ إيجابية لمواجهتها.

لقد أظهرت دراسةٌ حديثة أن الناس في أميركا الشمالية باتوا أكثر عرضةً للمعاناة بسبب «عدم اليقين»؛ فقد زادت محاولات عزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حالة عدم اليقين من الوضع الحالي، غير المستقر أصلاً بفعل الاستقطاب السياسي وآثار التغير المناخي.

وبصفتي أخصائية في علم النفس السريري، وأعمل في العاصمة واشنطن، كثيراً ما أسمع الناس يشتكون من الإجهاد، والقلق، والضغط، والاكتئاب، والغضب الذي باتوا يعانونه كثيراً، وفي الواقع وَجدتْ دراسةٌ استقصائية قامت بها الجمعية الأميركية للطب النفسي، عام 2017، أنَّ 63% من الأميركيين يعانون الضغط النفسي، والقلق، والتوتر؛ بسبب قلقهم بشأن «مستقبل الأمة»، ويعاني 57% المشكلات نفسها بسبب «المناخ السياسي الحالي».

وفي الحقيقة لا يحب أغلبنا العيش في مناخٍ «عدم اليقين» عموماً، لكن البعض يتعامل معه بشكلٍ أفضل من غيرهم. لقد أشارت الكثير من الدراسات إلى وجود رابط بين أجواء «عدم اليقين» المتطرفة والمشكلات العصبية؛ مثل القلق، واضطرابات القلق المختلفة، واضطراب الوسواس القهري، والاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة، واضطرابات الأكل «النفسية المنشأ».

بالرغم من أنه لا يمكن لأحد التقليل من مشكلة «عدم اليقين» في الوضع السياسي الحالي، فإنه يمكننا أن نحدَّ من آثاره من خلال تطبيق هذه الاستراتيجيات المقبولة علمياً. إليك خمس نصائح تساعدك على التخفيف منها:

  1. الالتزام تدريجياً بمواجهة عدم اليقين

بالرغم من أننا نواجه يومياً مواقف عدة من «عدم اليقين»، فإننا غالباً ما نحاول تجنُّب الشعور بعدم الراحة والضيق الناجم عن مواجهة عدم اليقين.

عندما لا تكون متأكداً من كيفية إنجاز المهام الموكلة إليك على أفضل وجه، فإنك قد تطلب المساعدة في الحال، أو تقوم بالبحث عن مزيد من الحلول، أو تلجأ إلى المماطلة ببساطة. ونواجه في بداية يومنا حالة عدم اليقين المتعلِّقة بحالة الطقس أو حركة المرور مثلاً، وذلك بالتحقُّق منها من خلال الاطلاع على تطبيقات الهاتف التي تمدنا بمعلوماتٍ عنها. وبالمثل نقوم بالاطمئنان عن أحوال الأهل والأصدقاء عن طريق مراسلتهم، أو التحقق من صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

تؤدي تصرفاتنا هذه التي نقصد منها تجنُّب حالة عدم اليقين إلى شعورنا بالراحة على المدى القصير، لكنها تقلِّل قدرتنا على تحمُّل أي حالة أقل من «اليقين الكامل» في المدى الطويل.

تشبه مرونتنا تجاه التعامل مع «عدم اليقين» مرونة العضلات التي تضعف وتضمر حال عدم استخدامها؛ لذلك علينا تمرين تلك العضلات باستمرار في المرة التالية التي نواجه فيها «عدم اليقين».

ابدأ تدريجياً، قاوم الرغبة في التحقُّق من موقعك عبر استخدام «الجي بي إس» الملحق بهاتفك في المرة القادمة التي تضلُّ فيها طريقك، ولا تكون حينها على عجلةٍ من أمرك. أو احضر حفلةً موسيقية دون البحث في جوجل عن معلوماتٍ تخص الفرقة التي ستقوم بالعرض. عندما يتأخر ابنك المراهق، جرِّب أيضاً الشعور بحالة «عدم اليقين» لفترةٍ من الوقت قبل أن تبدأ بإرسال الرسائل النصية للاطمئنان عليه. ومن خلال مثل هذه التصرفات البسيطة، سوف يخفُّ شعورك بالضيق تدريجياً.

  1. اعمل على أهدافٍ أكبر

كانت «ريتا ليفي مونتالشيني» عالمةً واعدة، عندما وصل الفاشيون إلى السلطة في إيطاليا، وكان عليها أن تختبئ وتتنقَّل بسبب القوانين العنصرية التي أصدرتها الحكومة الفاشية ضد اليهود. ومع استعار الحرب العالمية الثانية، أنشأتْ مخبراً سرياً في غرفة نوم والديها، تدرس فيه نمو الخلايا. تقول «ريتا» فيما بعد أنها تعلمت من خلال عملها في المختبر كيفية التعامل والتكيف مع الشرِّ الموجود في الخارج، ومقاومة الرغبة باكتشاف حالة عدم اليقين هناك.

ما الذي يعطي لحياتك معنًى؟ قد يساعدك العثور على هدفٍ سامٍ لحياتك، أو اكتشافه من جديد، على التعامل مع حالة عدم اليقين، والقلق والتوتر المرتبطين بها.

إن التركيز على ما يمكن أن يتجاوز الوجود الإنساني المحدود – سواء أكان دينياً روحانياً أم تفانياً في قضية ما – يمكن أن يُقلِّل من أعراض حالة عدم اليقين من قلقٍ واكتئاب.

  1. لا تُقلِّل من شأن قدرتك على التكيُّف

ربما تكره عدم اليقين؛ لأنك تخشى من مواجهته في حال ساءت الأمور، وقد لا تثق في قدرتك على التعامل مع الأحداث السلبية التي تطرحها الحياة في طريقك.

ويبالغ معظم الناس  في مدى السوء الذي سيشعرون به عندما يقع شيء سيئ، كما أنهم يميلون إلى التقليل من قدراتهم علي التأقلم. لقد تبيَّن في الواقع أن البشر يُبدونَ مرونةً عموماً في تعاملهم مع أصعب المواقف الكارثية والمؤلمة، وإنْ كنت تتوقَّع أحداثاً سيئةً في المستقبل، فستتمكن غالباً من التعامل معها بشكلٍ أفضل حين حدوثها مما قد تتخيله الآن. كن مستعداً، وتذكَّر دائماً أنك قد تواجه أي حالةٍ من عدم اليقين، في أي وقتٍ في المستقبل.

  1. عزِّز قدرتك ومرونتك على التكيُّف بالاعتناء أكثر بنفسك

لا بد أنك سمعت هذه النصائح مئات المرات: نَمْ جيداً، ومارس الرياضة، وأعطِ الأولوية لحياتك الاجتماعية إذا كنتَ ترغب في حياةٍ طويلةٍ سعيدة، وقد لا تعلم أن كمية النوم ونوعيته يرتبطان أيضاً بقدرتك على التعامل مع عدم اليقين، كما أنَّ التمارين الرياضية، خاصة تمارين الكارديو ، تزيد من قدرتك على التكيف مع عدم اليقين وتخفيف التوتر والقلق والاكتئاب؛ إذ تشير دراسةٌ مرجعية جديدة إلى أن ممارسة التمارين الرياضية بانتظام قد تساعد على الحدِّ من القلق واضطراباته المتنوعة.

وبالإضافة إلى ذلك، ربما تكون أفضل طريقةٍ للتغلب على عدم اليقين هي التأكد من أن لديك حياة اجتماعية، نشيطةً، ذات معنى؛ فالوحدة تقوِّض بشكل رئيسي إحساس الشخص بالأمان، وتجعل من الصعب للغاية التعامل مع الطبيعة غيرِ المُتوقعة للحياة.

إن امتلاك عددٍ قليل من أفراد الأسرة أو الأصدقاء المقربين يضفي شعوراً «بأننا كلنا معاً في هذا»؛ أي أنه هناك من يشاركك المشاعر نفسها، وقد يحميك هذا من المشكلات النفسية والجسدية.

  1. تقبَّل فكرة أن اليقين المطلق أمرٌ مستحيل

لا شيء مؤكد في الحياة، وكلما بدأتَ التفكير في هذه الحقيقة، كان من السهل مواجهتها. من ناحيةٍ أخرى، قد تؤدي المحاولات المتكررة للتنبؤ والتحكم في كل شيء في الحياة إلى نتائج عكسية؛ مما يقودك إلى مشكلات نفسية؛ مثل الوسواس القهري.

وبالرغم من التقدم الكبير الذي حققته الحضارة الانسانية، فإن اعتقاد الإنسان في قدرته على السيطرة المطلقة على بيئته ومصيره لا يزال مجرد خيال؛ لذلك علينا تقبُّل عدم اليقين والتكيف معه قدر المُستطاع، والاستمتاع بحياتنا.

تم نشر هذا المقال عبر منصة ذا كونفيرسيشن